مجلة الرسالة/العدد 254/الرافعي في ذكراه الأولى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 254/الرافعي في ذكراه الأولى

مجلة الرسالة - العدد 254
الرافعي في ذكراه الأولى
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 05 - 1938


للأستاذ محمد سعيد العريان

(نص الكلمة التي أذاعها الأستاذ محمد سعيد العريان من محطة الإذاعة الفلسطينية بالقدس في مساء الاثنين 9 مايو سنة 1938 لمناسبة تمام سنة على وفاة فقيد الأدب العربي المرحوم مصطفى صادق الرافعي)

سيداتي، آنساتي، سادتي

سلام الله عليكم أهل هذه الأرض الطيبة. . . ومعذرة، وشكراً. . .

لكأني بكم ترهفون السمع لتسمعوا ما يمكن أن أحدثكم به عن الرافعي في ذكراه الأولى، وما أنا بمستطيع في هذه الفترة القصيرة من الزمن أن أبلغ ما أريد وتريدون من الحديث عن الرافعي

لم يكن الرافعي أديبا كبعض من نقرأ لهم من أدباء الصحافة ولكنه كان علما من أعلام الأدب، وإماما من أئمة الدين، وبرهاناً من براهين العربية تجالد به حين يعوزها البرهان.

ولقد يكون من فضول القول أن أتحدث إليكم عن أدب الرافعي، وآثاره الأدبية بين أيديكم وتحت أعينكم؛ وأنكم لتعرفون أدبه وتعرفونه بأدبه. ولكني قد صحبت الرافعي عمراً من عمري، فعرفته أكثر مما يعرفه الناس؛ فليكن حديثي الليلة عن الرافعي الذي عرفته. . .

لقد سمعت أسم الرافعي لأول مرة منذ بضع عشرة سنة، وكنت يومئذ غلاماً حدثاً، لا أكاد افهم ما يلقى إلي، سمعت به والإحساس طالب في الصفوف الأولى، فسمعت اسما له جرس ورنين، وله نشيد تتجاوب أصداؤه في جوانب نفسي، فحبب إلى من ذلك اليوم أن ألقاه. . .

وقال لي رفيقي: (وي! أتعرف من ذلك الذي آخذت عليه الطريق عامداً؟) قلت: (صه، لا يسمعك فيسؤني جوابه!) قال: (لا عليك! أن في آذنيه وقرأ فلا يسمع!)

وتبدلت في نفسي صورة بصورة، أمحى آلم ليحل في نفسي من بعده آلم آخر. . . وعرفت وقتئذ لماذا لم يرفع عينيه إليَّ ولم يرد التحية. . .

ولقيته بعد ذلك مرات كثيرة في الطريق، وفي القهوة، وفي السيما؛ وقرأت له مرات أكثر في الكتب، وفي الصحف وفي المجلات، وعرفته ولم أزل كل يوم ازداد عرفاناً به، ولكني لم اعرفه العرفان الحق إلا بعد هده الحادثة بعشر سنين. . . حين جلست إليه لأول مرة دار كتبه من داره، عرفته على حقيقته وفطرة نفسه، فكأنني لم اعرفه قبل ذلك اليوم. . . وما فارقته من بعد حتى فرق بيننا الموت. يرحمه الله!

أنني لاحس حين اذكره الساعة كأنني لست وحدي، وكان روحاً حبيبة تطيف بي وترف حولي بجناحين من نور، وكان صوتا ندياً رفيع النبرات يتحدث آلي من وراء الغيب حديثاً أعرف جرسه ونغمته؛ وكان عينين تطلان عليَّ من عالم غير منظور لتأمراني آمرا وتلهماني الفكر والبيان؛ ولكنني لا آري؛ ولكنني لا اسمع؛ ولكني هنا وحدي، تتغشاني الذكرى فتخيل آلي ما ليس في دنياي. هيهات هيهات لوهم الأماني!

لقد كان هنا صوت يتجاوب صداه بين أقطار العربية. لقد كان هنا إنسان يملأ فراغاً من الزمان. لقد كان هنا قلم يصر صريراً فيه رنات المثانى، وفيه أنات الوجه، وفيه همسات الأماني، وفيه صرخات الفزع؛ فيه نشيج البكاء، وفيه موسيقى الفرح. . . خفت الصوت، ومات الإنسان، وتحطم القلم؛ ولكن قلب الشاعر ما زال حياً ينبض، لان قلب الشاعر أقوى من الفناء.

في كل يوم يموت أديب من أدباء العربية وينشا أديب؛ فأين، أين الأديب الذي يقوم لما كان يقوم له الرافعي؟ أين. . . أين الأديب الذي ينتدب بعد الرافعي ليقف لكل من يحاول التقحم على قدس القرآن؟ أين. . . أين الأديب الذي يقف قلمه وبيانه للدفاع عن العرب والعربية والإسلام؟ أيمانه. . أين الكاتب الألمعي الذي يصور طهر الحب، وسمو الإنسانية، والأم البشرية وأفراح الحياة، فتنبثق نورا في كل قلب، وتتفجر شعورا في كل وجدان؟ أين خليفة الرافعي الذي يقوم على سداد هذا الثغر المعطل؟ أين حامل اللواء، وأين صاحب القلم؟

لقد كان الرافعي عصراً بتمامه من عصور الأدب، وجيلاً بناسه في تاريخ العرب، وفصلاً بعنوانه في مجد الإسلام.

كانت الدنيا تموج من حوله بأناسيها وحوادثها، وتضطرب حواليه في أمانيها ونوازيها، وتصطخب في محيطه بشهواتها ونوازعها؛ وهو وحده يعيش من هذا المحيط المضطرب المائج المصطخب في دنيا وحده لا يسمع إلا همسات روحه، ولا يحس إلا خلجات قلبه، ولا ينظر إلا الهدف الذي يسعى إليه. وهيأه القدر بوسائله العجيبة لهذه الوحدة العقلية منذ صباه حين سلبه السمع، فعاش حياته بعيداً عن دنيا الناس، ومضى في طريقه كما يمضي عابر السبيل: لا يلقى باله إلى شيء مما حواليه أو يبلغ إلى غايته. . .

لم يكن الرافعي ليعرف شيئاً في سياسة الحكومات العربية المتعاقبة، ولكن له هدفاً عاش يسعى جاهداً لتحقيقه: هو أن يبعث الحمية الإسلامية في نفس كل مسلم، ويوقظ النخوة العربية في قلب كل عربي؛ فكان بذلك رسول العروبة والإسلام إلى كل مسلم وكل عربي؛ فلا جرم كان بذلك احب كتاب العربية إلى كل مسلم وكل عربي.

حياته الأدبية كلها تدور حول هذا المحور، ومنشآته الأدبية كلها يسعى بها إلى هذا الهدف، ومعاركه الطاحنة كلها تنشب في هذا المعترك؛ وما عادى عدواً قط من أدباء العربية إلا للدين أو اللغة أو القرآن؛ وما اتخذ صديقاً من رجال الأدب أو السياسة إلا للدين أو اللغة أو القرآن.

وليس من عجب أن تكون فلسطين هي اسبق بلاد العربية إلى تجديد ذكرى الرافعي؛ فقد كانت فلسطين هي حب بلاد العربية إلى الرافعي؛ وما أحسبه كتب شيئا يتصل بشأن خاص من الشؤون القائمة في بلد من بلاد العربية، وان له في فلسطين لمقالات يذكرها كل عربي في فلسطين!

لقد حاول كثير من مؤرخي الأدب أن يتحدثوا عن الرافعي في حياته؛ فقالوا شاعر. وقالوا كاتب. وقالوا أديب. وقالوا عالم. وقالوا مؤرخ. ولكنهم لم يقولوا الكلمة التي كان ينبغي أن تقال: لقد كان شاعراً، وكاتباً، وأديباً، وعالماً، ومؤرخاً؛ ولكنه بكل أولئك، وبغير أولئك، كان شيئاً غير الشاعر والكاتب والأديب، وغير العالم والمؤرخ؛ كان هبة الله إلى الأمة العربية المسلمة في هذا الزمان، لينبهها إلى حقائق وجودها، وليردها إلى مقوماتها، وليشخص لها شخصيتها التي تعيش باسمها ولا تعيش فيها، والتي تعتز بها ولا تعمل لها.

وكان يشعر انه وحده في الميدان والجميع ألبٌ عليه، فعاش حياته كلها يصارع ويكافح، ويقاوم ويناضل، حتى خر صريعاً وفي يداه الراية؛ لم يتركها حتى انتزعها الموت من يده!

كثر ما قال عنه أعدائه وغير أعدائه في حياته: انه حديد اللسان. انه لدود الخصام. انه لا يرعى اعتباراً مما تقوم به الصلات بين أهل الأدب، حين ينزل إلى معترك من معارك النقد. . . صدقوا، ولكن. . . أرأيت معرة على البدوي الثائر لعرضه أن يسفك الدم؟ انه هو هو؛ فمن ذلك كانت شدته وصرامته ولدده في الخصام: في سبيل القرآن، ومن اجل العروبة، ولكرامة الإسلام. كان ذلك عرضه الذي يحرص عليه أن ينتهك؛ فمن ثم كانت خصوماته الأدبية كلها فيها معنى الدم!

الدين، واللغة، والقران، أو العروبة والإسلام: ذلك كان مذهبه في الأخيرة، وله كان جهاده؛ حتى في الحب - وللرافعي حب مشهور - وحتى فيما أنشأ من رسائل الحب، لم يكن الرافعي يعتبر إلا مذهبه والهدف الذي يسعى إليه: للدين، وللغة، وللقران. . .

من شاء فليقرأ كتبه الثلاثة في فلسفة الجمال والحب، ليرى فيها كيف تسمو روح العاشق على شهوات البشرية حتى تتصل بخالقها الإطلاق؛ ثم ليرى العربية أسلوباً جديداً، فيه عمق الفن، ودقة التعبير، ووضوح الأداء، حتى في الترجمة عن أعمق ما تجيش به خفايا النفس الإنسانية.

ولأدب الرافعي ميزة ليست لكثير من أدباء الجيل؛ فهو أدب عليه طابع الخلود وتلك آداب إلى زوال. هذا أدبه بين أيدينا وتحت أعيننا، ما تزال تدفعنا إليه دوافع من أنفسنا في فترات متقاربة أو متباعدة، لنعيد قراءته ونتملى ما فيه من جمال وصدق وقوة. وذلك أدب الأدباء، ما يكاد القارئ ينتهي منه إلى ما يريد حتى ينساه فلا يعود إليه ولا يذكره، على ما فيه من لذة ومتاع!

لم يكن الرافعي يكتب تلك الكتابة الصحافية السوقية التي تلتمس للهو وإزجاء الفراغ؛ ولكنه كان يكتب ليضيف ثروة جديدة إلى اللغة، وينشئ أدباً يسمو بضمير الأمة، ويشرع طريقاً تسير فيه إلى عظمة الخلد، وسعادة الأبدية، ومجد التاريخ.

الرافعي! يرحمه الله! لقد عاش في خدمة العربية سبعاً وثلاثين سنة من عمره القصير، وصل بها حاضرها الماثل بماضيها البعيد؛ فهي على حساب الزمن سبع وثلاثون، ولكنها على الحقيقة شطر من عمر الزمان، وباب من الأدب، وفصل في تاريخ الإسلام.

لقد عاش غريباً ومات غريباً؛ فكأنما كان رجلاً من التاريخ بعث في غير زمانه ليكون تاريخاً حياً ينطق بالعبرة ويجمع تجارب الأجيال، يذكّر الأمة العربية الإسلامية بماضيها المجيد؛ ثم عاد إلى التاريخ بعدما بلّغ رسالته. . . لقد خفت الصوت، ولكنه خلَّف صداه في أذن كل عربي، وفي قلب كل مسلم، يدعوه إلى الجهاد لمجد العرب، ولعز الإسلام.

(القدس) محمد سعيد العريان