مجلة الرسالة/العدد 25/النفس والرقص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 25/النفس والرقص

مجلة الرسالة - العدد 25
النفس والرقص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 25 - 12 - 1933


للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري

ترجمة الدكتور طه حسين

استكشف صديقي الدكتور محمد عوض محمد في نقده القيم الظريف لكتابي على هامش السيرة أن وراء هذا الطلاء الرقيق الذي أظهره من الثقافة الغربية أزهريا قحا. فحق عليّ أن أهنئه بهذا الاستكشاف وأن اشكره له، فقد دلني على نفسي أظهرني على حقيقة أمري. ولعله يأذن لي في أن اهدي إليه هذه الترجمة اعترافاً بفضله ومكافأة له على جهده الخصب العظيم.

وأحب أن اقدم بين يدي هذه الترجمة ملاحظات لابد منها

الأولى: إنني حرصت اشد الحرص على أن تكون الترجمة دقيقة تشبه الحرفية، لأنقل إلى القراء صورة إن لم تكن مطابقة فهي مقاربة لما أراد الكاتب أن يقول

والكاتب نفسه غامض. فهذا النحو من الترجمة يزيده غموضا ولكني سأجتهد في توضيحه بتعليقات قصيرة تبين ما يريد.

الثانية: أن الكاتب زعيم من زعماء الرمزيين فهو يطلب الاستعارة والمجاز فالتشبيه والتمثيل، ويبعد فيها ويصل بهذا الأبعاد إلى إشراك القارئ معه في لذة التفكير والاستنباط، فلا ينبغي إذن أن يضيق القارئ بما سيرى من غرابة، وإنما يجب عليه أن يصبر على هذه الغرابة ويروض نفسه على مواجهتها حتى يألفها ويطمئن إليها فيصبح صديقا للكاتب ومحبا لآثاره.

الثالثة: إن هذا الكتاب حوار بين سقراط واثنين من تلاميذه في آخر وليمة من ولائم العشاء، فليلاحظ القارئ هذا وليلاحظ أن سقراط وأصحابه كانوا وثنيين، فهم يتحدثون لغة الوثنيين، يذكرون آلهة عدة، لا إلهاً واحداً.

الرابعة: أن عنوان هذا الكتاب وموضوعه قد يؤذيان سمع المتحرجين من الشرقيين، ولكنهما لا يؤذيان سمع الفرنسيين، ومن المحقق أن بول فاليري لم يكتب كتابه لنا، ولو أنه فكر فينا وقدر أنا قد نترجم كتابه لكان من الممكن أن يتخذ لكتابه موضوعا وعنوانا غير الرقص. ومن يدري لعله كان يحس أن الأسباب بينه وبيننا مقطوعة غير موصولة، وانه قد يعجز عن أن يكتب لنا، وقد نعجز نحن عن أن نقرأه.

وليس هذا الكتاب ما يسوء، وليس فيه ما يغضب المتحرجين، إنما هو أثر من الآثار الفنية أراد صاحبه أن يصور في وضوح وقوة ما بين النفس والجمال الخارجي من صلة. فهو إلى أن يكون رسالة في علم الجمال أدنى منه إلى أي شيء آخر.

والآن نستطيع أن نأخذ في الترجمة.

أركسيماك - أي سقراط إني أموت!. . اعطني شيئا من الروح! صب لي الفكرة!. . قدم إلى انفي ألغازك الحادة! هذا الطعام الذي لا رحمةفيه يتجاوز كل رغبة معقولة في الطعام، وكل ظمأ جدير بالثقة!. . يالها من حال، حال الذين يعيشون بعد جيد الألوان ويرثون عنها هضما!. . لم تعد نفسي إلا حلما تصنعه المادة التي تجاهد نفسها! أيتها الألوان الجيدة المسرفة في الجودة إني آمرك أن تمضي!. .

وأحزناه! مازلنا منذ وجبت الشمس فريسة لخير ما يوجد في الأرض، هذا الخير الهائل يضاعفه امتداد الزمان، يثقل محضره على النفوس حتى أني لتهلكني رغبة شاذة في أشياء جافة، خالصة للعقل. . . إيزن أن أجيء فأجلس إلى جانبك أنت والى جانب فيدر، موليا ظهري في جرأة لهذه اللحوم التي تتجدد دائما، ولهذه الأقداح التي لا تنضب، دعني أمدد لكلماتك، هذه الكأس العليا كأس عقلي، ماذا كنتما تقولان؟

فيدر - لم نكن نقول شيئا بعد. إنما ننظر إلى أمثالنا يأكلون ويشربون.

اركسيماك - ولكن سقراط لا ينقطع عن التفكير في شيء ما. . . . وهل استطاع قط أن يخلو إلى نفسه وأن يظل صامتا إلى أعماق النفس! لقد كان يبسم في حنان لشيطانه على الحافة المظلمة لهذه المأدبة. بم تغمغم شفتاك أي سقراط العزيز؟

سقراط - هما تقولان لي في هدوء أن الرجل الذي يأكل هو أعدل الناس. . .

اركسيماك - هذا هو اللغز وهذه هي شهوة العقل التي خلق اللغز ليثيرها.

سقراط - تقولان أن الرجل الذي يأكل يغزى ما فيه من خير وشر. كل لقمة يجدها تذوب وتتفرق في جسمه تقدم قوة جديدة إلى فضائله، كما تقدم قوة جديدة إلى رذائله دون تمييز وتنقسم في بعض الأنحاء بين الشهوة والعقل، وهي تقيم أود آلامه كما تنمي آماله. يحتاج إليها الحب كما يحتاج إليها البغض. وان فرحي وحزني وذاكرتي وهمي لتقتسم كما الاخوة ما في اللقمة من غذاء. ما رأيك في هذا يا أبن اكومين؟

اركسيماك - رأيي إني أرى ما ترى

سقراط - يالك من طبيب! لقد كنت أعجب في صمت بأعمال كل هذه الأجسام التي تتغذى. كل واحد منها يعطي على غير علم لما فيه من قدرة على الحياة، أو جرثومة للموت، حظه العادل من الغذاء. هي لا تعرف ما تأتي ولكنها تأتيه كأنها الآلهة.

اركسيماك - لقد لاحظت منذ زمن بعيد أن كل ما يمتزج بجسم الإنسان يمضي بعد ذلك بوقت قريب كما يريد القضاء. كأن برزخ الحلق عتبة للضرورات الجامحة والألغاز المنظمة. هنا تنقطع الإرادة وينتهي الميدان المحقق للمعرفة. ولهذا أعرضت في ممارسة فني عن كل هذه الأدوية المضطربة التي يفرضها عامة الأطباء على مرضاهم المختلفين وأخذت نفسي في غير تسامح بأدوية بديهية مرتبة كل واحد منها بازاء الآخر

فيدر - ما هذه الأدوية؟

اركسيماك - هي ثمانية؛ الحار والبارد، الحمية ونقيضها، الهواء والماء والسكون والحركة؛ هذه هي.

سقراط - أما النفس فليس لها إلا دواءان يا اركسيماك

فيدر - وما هما؟

سقراط - الصدق والكذب.

فيدر - وكيف ذلك؟

سقراط - أليست الصلة بينهما كالصلة بين اليقظة والنوم؟ الست تلتمس اليقظة وصراحة الضوء حين يؤذيك حلم رديء؟ أليست الشمس نفسها تبعثنا من مراقدنا؟ أليس حضور الأجسام الصلبة يقوينا؟ ثم على العكس من ذلك ألسنا نطلب إلى النوم والى الأحلام أن تفرج همومنا وان تقف آلامنا التي تتبعنا في عالم النهار؟ وإذن فنحن نهرب من أحدهما إلى الآخر وندعو النهار في أثناء الليل. ثم ندعو الظلمة حين نستمتع بالنور، تشوقنا المعرفة، ويسعدنا الجهل، نبحث فيما هو موجود عن دواء لغير الموجود، ونلتمس فيما لا وجود له راحة مما يوجد، يتلقانا الحق الواقع تارة، ويتلقانا الوهم تارة أخرى. والنفس في آخر الأمر لا حلية لها إلا في الصدق الذي هو سلاحها، والكذب الذي هو وقاؤها.

أركسيماك - حسن! حسن!. . ولكن ألا تظن أي سقراط العزيز أن لخاطرك هذا نتيجة

سقراط - أي نتيجة

أركسيماك - هذه: وهي أن الصدق والكذب يرميان إلى غاية واحدة. فشيء واحد يستطيع من طريقين مختلفين أن يجعلنا صادقين أو كاذبين، وكما أن الحر والبرد يهاجماننا حينا ويحمياننا حينا آخر، فان الصدق والكذب والإرادرت المختلفة التي تلائمهما، تنفعنا حينا وتضرنا حينا

سقراط - ليس شيء أوكد من هذا ولا حيلة لي فيه. إنما هي الحياة تريد هذا، وانك لتعلم اكثر مني إن الحياة تستخدم كل شيء. كل شيء حسن عندها يا أركسيماك، ثم هي لا تنتهي بشيء إلى غاية ما، ومعنى ذلك أنها لا تنتهي إلا إلى نفسها. أليست هي هذه الحركة الخفية التي تحولني دائما إلى نفسي بفضل كل هذه الحوادث التي تطرأ ثم تردني سريعة إلى شخص سقراط لألقي نفسي فيه ثم لأكونه لأني أتخيل أني سأعرفه من غير شك - إنما هي امرأة ترقص ولو استطاعت أن تمضي في وثبتها حتى تبلغ السحاب لتنزهت عن أن تكون امرأة، وكما أننا لا نستطيع أن نمضي إلى غير نهاية لا في الحلم ولا في اليقظة فهي أيضا تعود دائما إلى نفسها وتخرج عن أن تكون ثلجا منثوراً أو أن تكون طائراً، أو أن تكون فكرة، أو أن تكون أي شيء أراد المزمار أن تكونه لأن الأرض التي بعثتها تدعوها وتردها متعبة إلى طبيعتها الأولى طبيعة المرأة، ثم إلى صديقها.

فيدر - يا للمعجزة!. . . يالك من رجل عجيب. . يكاد ما أرى أن يكون معجزة حقا! لا تكاد تنطق حتى تخلق ما لابد منه. . . لا تستطيع الصور التي تحدثها أن تبقى صورا. . انظر محققا كأنما فمك الخالق قد انشأ النحلة والنحلة. انظر إلى الجوقة ذات الأجنحة تتألف من الراقصات الشهيرات!. . . إن الهواء ليدوي مرجعا ما سيتكشف عنه فن الرقص!. . . كل المشاعل تستيقظ! وغمغمة النائمين تتحول، وعلى الجدران التي يهزها اللهب المضطرب تذهل وتشفق الظلال العريضة ظلال السكارى. . . انظر إلى هذه الفرقة التي تجمع بين الخفة الظريفة والجد الحازم! - هن يدخلن كأنهن الأرواح

سقراط - لله ما أوضح هؤلاء الراقصات؟. . يالها مقدمة حية رشيقة لأفكار أدنى إلى الكمال!. . أن أيديهن لتنطق وكأن أقدامهن تكتب - كم من دقة في هذه الكائنات التي تجتهد في أن تستخدم موفقة مالها من قوى ناعمة. كل مصاعبي تهجرني، وليست هناك الآن مسألة تجهدني، إنما أطيع سعيدا حركة هذه الأشكال! إنما اليقين هنا لعب، كأنما المعرفة قد وجدت نفسها، وكأنما العقل يستجيب فجأة للجمال الظريف الذي لا تكلف فيه انظر. إلى هذه الفتاة أشدهن نحافة وأكثرهن فناء في الاستقامة الخالصة. . . من تكون؟ أنها لصلبة في عذوبة، وأن مرونتها لتعجز الواصفين. . إنها لتسلم أنها لتستعيدانها لتؤدي الوزن في دقة حتى لو أغمضت عيني لرأيتها كما هي بمسعى أني لاتبعها، إني لأجدها وليس إلى أن افقدها من سبيل ولو قد سددت أذني ونظرت إليها كما هي وزن وموسيقى لكان المستحيل ألا اسمع القيثارة!

فيدر - هي رودبيس هذه التي تخلبك

سقراط - إذن فما اجمل اتصال أذن رودبيس بكعبها. . . ما أدقها. . . إنها لترد إلى الزمن الشيخ شبابه

اركسيماك - كلا يا فيدر!. . . . . رودوبيس هي هذه الأخرى التي تلاطف بطرفها إلى غير حد في عذوبة وسهولة.

سقراط - وإذن فمن هذه النحيفة ذات المرونة الشاذة؟

اركسيماك - هي رودينا

سقراط - ما أجمل اتصال إذن رودينا بكعبها!

اركسيماك - على أني اعرفهن جميعا واحدة واحدة وأستطيع أن اسميهن لكما فأسماؤهن تنتظم انتظاما حسنا في شعر قصير يسهل حفظه: نبس، نفويه نيما - نكتيريس، نيفيليه، نيكتيس - رودوبيس، رودينا، بتليه. . . أما هذا الراقص القصير الدميم فيسمى نتاريون. ولكن ملكة الجوقة لم تدخل بعد.

فيدر - ومن تملك على هذه النحل؟

(يتلى) طه حسين