مجلة الرسالة/العدد 245/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لعناوين أخرى، أنظر في المقبرة (تشيخوف)

مجلة الرسالة/العدد 245/القصص

مجلة الرسالة - العدد 245 القصص
المؤلف: أنطون تشيخوف
المترجم: دريني خشبة
في القرافة На кладбище هي قصة قصيرة بقلم أنطون تشيخوف نشرت عام 1884. نشرت هذه الترجمة في العدد 245 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 14 مارس 1938



أقصوصة من تشيكوف

1 - في القرافة

للأستاذ دريني خشبة

(الريح موشكة أن تهب فتكون عاصفة، والليل موشك أن يضرب فوقنا بِجِرانه، أفلا يخلق بنا أن نعود أدراجنا إلى المدينة؟!)

هذا حق فلقد كانت الرياح تزمزم في أشجار البتولا فتملأ مخارف الوادي بأوراقها اليوابس، وكانت شآبيب البرد قد أخذت تنهل فوق رؤوسنا فتنضح ثيابنا وتلفحنا ببرد شديد؛ وانزلجت رجل أحدنا فتعلق بصليب شاحب شاخص ليتفادى السقوط في الوحل، فلما اعتدل وقف مسبوهاً أمام اللوحة الرخامية وراح يقرأ اسم صاحب المقبرة:

(ييجور جريازنوروكوف. . . مستشار ملكي وفارس)

أوه! لقد كنت أعرف هذا السيد، المغفور له، لقد كان مشغوفاً بامرأته حباً، وكان يمتثل أوامر ستانسلاف. . . ولم يقرأ في حياته شيئاً. . . وكانت معدته تهضم الحديد. . . فيا للحياة التي كانت حرية أن تمتد وأن تستطيل! لماذا مات يا ترى هذا الـ (ييجور)؟! إنه لم تكن به حاجة إلى الموت، فلماذا قضى؟! وا أسفاه عليه! إنما هي عين المنية التي لا تنفع فيها التمائم قد أرصدت له؛ فراح المسكين ضحية التجسس والفضول!!

ذاك أنه كان يسترق السمع يوماً خلال ثقب المفتاح في منزل بعض أهله، وكان من دأبه أن يتلصص عليهم دائماً، فانفتح الباب فجأة، وانفدغ الرأس الكريم، وسقط ييجور يتشحط في دمه، ثم مات على الأثر!

وصاحب هذه المقبرة!

مسكين جداً. . . لم يكن يعاف شيئاً في حياته، كما كان يعاف الشعر. . . والشعراء! فانظروا كيف سخر به الشعر الذي كان يعافه، ويشمئز منه، ويضيق به صدره! لقد جصّصوا مقبرته كلها بأبيات من الشعر هي السخف بعينه. . . مسكين يا هذا، ذق إذن. . . وتقزز ما شئت. . . إنك لأنت العزيز الكريم! من القادم يا ترى؟

إنه فقير آفاقي يلبس معطفاً كله مزق وأسمال! ويْ! إن له لوجهاً ناصعاً! بخٍ بخٍ أيها البائس! إنه يتأبط زجاجة من البودكا! ترى منذا الذي يشرب نخبه هنا هذا الفقير؟ ها ها!! إن الفتى يحمل نقله (مَزَّته) في جيبه حَوَايا، فهي تظل معه لتودع العالم هي الأخرى!

وترنح الرجل قليلاً، ثم سأل في صوت مبحوح محشرج:

- أين قبر موسخين الممثل يا هذا؟

وقدناه إلى قبر موسخين الذي مات منذ حولين

وسألته أنا وفي نفسي منه أشياء:

- أكاتب حكومي أنت يا صاح؟!

فقال:

- كلا! بل أنا ممثل! ماذا أصاب الناس في هذا العصر؟ ما لهم لا يفرقون بين الموظفين والممثلين؟ ولكن. . . حسن؟ لا ضير!

لقد اندثر قبر موسخين أو كاد، ولقد سطع منه ريح كريه منتن، ونمت فوقه أعشاب الفناء الشاحبة الشوكية حتى أوشكت تخفيه عن الأبصار! إنه لا يشبه القبور الجاثمة هنا. . . يا للصليب المعوج الرخيص المائل المكسو بالطحلب السادر المكتئب، الذي يبدو كأنه سيموت هو أيضاً!

لقد نقشت على اللوحة المتآكلة هذه العبارة التي ذهبت يد العفاء ببعض حروفها:

(. . . الصديق المنسي، موسخين!)

فيا للزمان!

لقد أودى بالحروف الأولى التي كانت تجعل هذه العبارة أكذوبة الأكاذيب!

قال الممثل:

(ويحك يا موسخين، وسحائب رضوان الله عليك!! ما أشقاك بهؤلاء الممثلين ورجال الصحافة، الذين اكتتبوا بنقود ليشيدوا ضريحك ونُصْبَك ثم أكلوها فيما بينهم. . .! أسحتهم الله بأكلهم هذا المال!)

ثم سجد في خشوع وعفر وجنتيه وجبينه بالثرى المندّى وقلت أسأله: - ماذا تعني يا صاح؟ كيف أكلوها فيما بينهم؟

فقال:

- ما أيسر هذا أيها الأخ! لقد فتحوا الاكتتاب، وأعلنوا أسماء المتبرعين في الصحف. . . ثم. . . لا ضريح ولا نصب، لأنهم أكلوا النقود فيما بينهم. . . وكان الله حسبهم. . .! وأنا بالطبع لا أقول هذا استنكاراً لصنيعهم، ولكن لتعلم ما صنعوا. . . نُخبكم أيها السادة، ونُخب الراقد هنا - موسخين - المسكين! في سبيل ذكراه الخالدة هذه الكأس!)

واحتسى كأس البودكا، والتهم حوية من حواياه، ثم قال:

- يقول الغربيون (في صحتكم) حين نقول نحن (نخبكم). . فيا لله! أي صحة في ابنة الكرم، وأي عافية في أن يصبح الفتى مجنوناً بها، عاكفاً عليها، مخبولاً مدمناً؟. . . هذا. . . وأي ذكرى خالدة نرجوها لهذا الفتى؟! إن الذكرى الخالدة معناها الألم الخالد. . . وخير من ذاك أن نبتهل إلى الله ليجعلها ذكرى. . . مؤقتة، وهما في مذهبي سيان!

- إن هذا حق لا ريب فيه! فقد عاش موسخين رجلاً ذائع الصيت طائر الذكر، ولما مات حملوا عشرين إكليلاً من أنضر الأزهار حول نعشه. . . وما كاد يوسَّد في الثرى حتى نسيه الجميع!

- ومن نسيه؟! لقد كان محبوه، والمعجبون به، في المقدمة!! ومن ظل إلى اليوم يردد ذكراه؟! أعداؤه يا سادة! أعداؤه الذين عاش طوال عمره يشنّ عليهم حربه الضروس الشعواء!!

- فأنا مثلاً. . . لن أنساه ما حييت! أبدا، أبداً. . . فأنا لم ينلني منه غير الأذى، لقد كان مولعاً بإلحاق الأضرار بي! فأنا لا أحبه، بل، أمقته!

فقلت له: وكيف كان إيذاؤه لك يا صاح؟

فتأوه من أعماقه، وانتشرت سحابة من الهم فوق وجهه الكاسف، ثم قال: (أبلغ الإيذاء أيها الصديق! لقد كان لصاً خبيثاً محتالاً، فلا عفا الله عنه!! أتصدق أنني لم أصبح ممثلاً إلا بفضل إصغائي إليه وشغفي به، وإنعام النظر إليه؟ لقد خلبني بفنه، وسحرني بلفتاته، ونفث في صدري روح الكبر والغرور والخيلاء، فنزحت عن الديار بسببه، واحتملت بلاء الغربة في سبيل ما وعدني من الغنى الضخم، والثراء الواسع. . . ولكن. . . وا حسرتاه عليّ!! إني لم أجن من كل مواعيده إلا الدموع والأشجان!! وإلا الجد العاثر الذي هو نصيب الممثل من الحياة!!

(لقد فقدت كل شيء!! فقدت شبابي، فقدت عِفتي، فقدت أخلاقي، فقدت استقامتي، ثم. . . فقدت الله!!

(هاأنذا يا صاح لا أملك الدانق الذي أمتع به نفسي، وأرفه به عن قلبي. . . وهاك حذائي!! يا ربي لقد خَصَفته حتى استحييت من كثرة الخصف، فهاهو عقبي نَعْل له!!

(وهاك (بنطلوني)!! لقد رفوته ورقعته، حتى لقد ذهب الأصل وبقي الرقع!!

(وهاك وجهي القبيح الشائه. . . أليس يبدو كأنما هبره كلب!!

(ثم إيماني؟! لقد انتزع اللئيم إيماني بالله، وأغراني بحرية الفكر!؟ ها. . . حرية الفكر؟! هذا الدماغ الفارغ العاجز يجب أن يكون حر التفكير؟! أسمعت؟! أليست هذه خرافة؟ اللص! لقد سلبني لبي وسرق مني عقيدتي وإسلامي لله! ثم أي جدوى عادت علي؟ ماذا كان الثمن الذي اقتضيته حينما خسرت حسن اعتقادي؟! لا شيء!

(لقد اشتد البرد أيها السادة، والريح يا رفاق ريح صر، أفلا تشربون كأساً؟! إن بالقارورة الصفراء ذات الأعنة، ما يكفينا جميعاً. . . ألا تشربون؟!

(هلم نشرب نخب هذا الجبار الثاوي هنا

(إني لا أحبه. . . بل. . . إني أمقته

(إنه ميت. . . لقد انتهى فيما كان يزعم. . . لن تقوم له قيامة بعد اليوم الملحد الكافر. . . أوه! ما لي أسبه وقد كنت أحبه؟! إنه كل شيء لي في هذه الحياة! إنه كأي جزء من جسماني عزيز عليّ! آه! لن أراه بعد اليوم!

(لقد قال الأطباء إني سأموت قريباً بسبب إدماني، ولذا أتيت إلى قبره أودعه، إذ ينبغي أن نصفح عن أعدائنا وأن نغفر لهم خطاياهم! ألسنا سائرين في دربهم الأبدي؟

وهنا بدا لنا الممثل في مسوح ملك الموت ففزعنا، وتركناه يناجي موسخين، وسرنا في طريقنا السادر الموحش مدبرين!

وطَلّنا رذاذ خفيف حلو فأنعش نفوسنا التي وجمت منذ حين

وعند المنعطف الذي يؤدي إلى المدينة حيث تنتثر الحصباء الناصعة كالدر فوق الأرض المرصعة بالبَرَد، لقينا جنازة مقبلة. . جنازة صغيرة متواضعة. . . أربعة أشخاص لا غير يحملون نعشاً حزيناً. . . عاطلا!

وكان الظلام قد نشر فوق الكون طيلسانه، فأخذ حاملو النعش يهرولون بحملهم وهم يتزلجون ويتخلجون، والآلة الحدباء تتأرجح فوق أكتافهم ذات اليمين وذات الشمال

(يا رفاق! ما هذه الدنيا؟ إننا لم نمكث هنا غير ساعة أو ساعتين، وهذا هو الميت الرابع!. . . هلموا بنا. . .)

دريني خشبة