مجلة الرسالة/العدد 240/نظر ونقد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 240/نظر ونقد

مجلة الرسالة - العدد 240
نظر ونقد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 02 - 1938


شعراؤنا في موكب الزفاف

كان زفاف الفاروق حرسه الله بهجة غمرت جنبات مصر، وهزت شعور أبنائها على اختلاف طبقاتهم بالجذل والسرور، فنهضوا يتسابقون في إعلان جذلهم وسرورهم بشتى المظاهر والظواهر، فإذا مصر من ذلك في صورة رائعة من الواقع رجحت الخيال، وأصغرت ما لها من الأشباه والنظائر في التاريخ، وأزرت بما يمثله القصص الموضوع عن (الليالي الملاح) في ألوان الترف والنعيم، واشتمال الأنس والصفاء، ومهارة العقل فيما أبدع، وجمال الفن فيما نوّق؛ على أنه تنفرد في هذا كله بجلال الإخلاص، وصفاء الحب، وروعة التمجيد. وسيكون للتاريخ من ذلك صفحة وضاءة مشرقة، لم تكن له في الأيام الخالية، أخشى أن يطالعها الناس فيما بعد فيقولوا: إنها تلفيق الخيال، وصنيع الكذب، كما نقول نحن في ليالي ومحافل ألف ليلة وليلة وأشباهها من القصص المختلق

لقد شهد المصريون جميعاً ذلك اليوم، وامتلأت نفوسهم وقلوبهم بروعته

وجماله، واستطاع كل فرد وكل جماعة أن تعبر عن شعورها بذلك

أوضح تعبير وأجمله، فكان اليوم في كل مناحيه ومظاهره يوم

الشعراء؛ الشعر يبدو في مجاليه، والحسن يزهو في حواشيه. هو دنيا

تفيض بالجمال والجلال، وشمس تشع على الكون نور البهاء والرواء،

فأينما سرحت النظر وجدت حفزاً للشعور، وإرهافاً للإحساس، وتزكية

للعواطف؛ والشعراء كما نعلم أوفر الناس شعوراً، وأرهفهم إحساساً،

وأزكاهم عاطفة، تلك هي مواهبهم التي تميزهم عن سائر الناس،

وتطوّع لهم الصناعة الشعرية دون غيرهم، فكان لا بد أن تفيض

نفوسهم بما رأوا قوافيَ كلها الإحساس بالجمال والجلال، وأن يجري

شعرهم بما في نفوسهم أوزاناً صادقة منسجمة هي لحن الزمن الباقي على الزمن، ونغمات الأجيال المتعاقبة على كر الدهور

على هذا الاعتبار كان الشعر سجلاً خالداً لحوادث التاريخ، وعظائم الدهر، وروائع الأيام؛ وعلى هذا الاعتبار اندفع الشعراء قديماً يتحدثون عن زفاف المأمون إلى بوران، وهو زفاف له في التاريخ خبر مشهور، وهو يشبه زفاف الفاروق في كثير من الأفراح والمعالم؛ وعلى هذا الاعتبار أيضاً انتظرنا وانتظر الناس ما وراء شعرائنا في اليوم الحافل، والزفاف الذي لم يعهد مثله في عصر من العصور، وقلنا: لعلهم يتركون في ذلك للأجيال المقبلة صفحة قوية بروعة التصوير وإبداع المعاني، وجمال الأسلوب، وانسجام الخيال، وسلامة الذوق

ولقد قال شعراؤنا في يوم الزفاف ما وسعهم القول، ففاضت أنهار الصحف بكثير من الكلام المقفى المجنح الأشطار مقدماً بالتقاريظ والتزكية، وأقيمت حفلات متعددة (أراق) فيها الشعراء على (مناضد) الشعر ما أعدوا لذلك من كل (خريدة عصماء) رسم حدودها الخيال وياله من خيال. . . ونسق وشيها الذوق وإنه لذوق. . . وأبدع معانيها العقل وأي عقل. . . وقد سمعنا الجمهور يهتز لكل ذلك طرباً، ويصفق من العجب تصفيقاً عالياً مُدوياً أدمي الأكف، وصك المسامع، واضجر الأعصاب. ولو كان الحكم الأدبي ومقاييس الشعر هي على ما يرى الجمهور وتقدّر الصحافة لكان شعراؤنا على ذلك قد بلغوا الذروة التي لا تطاول، ولكان شعرهم آية الإبداع والاختراع، فمن حقه البقاء والخلود والإجلال والتقديس، ومن الواجب علينا أن نعتز به ونفاخر، وأن نكتبه في (القباطي) ونعلقه بأستار. . . بأستار ما لا أعرف!!

ولكن الحكم الأدبي في تقدير الفن والأدب إنما هو للذي يستطيع تعليل حكمه كما يقول العقاد. فإذا عجز عن الحكم استطاع أن يعلل عجزه بكلام سائغ في الأفهام، ولا يكون ذلك إلا ناقد ذو ثقافة أدبية واسعة، وطبيعة فنية موهوبة، ونظر مميز فاحص. فهو الذي يمكنه أن يميز الجوهر من الخزف، والدر من الصدف؛ وهذا التمييز هو المعول عليه في التقدير الحق، وهو الحكم الأدبي الصحيح الذي يرمقه المعنيون بدراسة التواريخ الأدبية للأمم والأفراد، ثم هو الذي سيبقى على الزمن على حين تطير الفواقع والقواقع، وتموت التقاريظ الأدبية الرخيصة، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. وأنت أبقاك الله تعلم حق العلم أن حكم الناقد إنما يكون له هذا المقام من الإجلال والإكبار والتقديس والتقدير إذا ما تجرد من الهوى والميل، وتنكب التدليس والتمويه، وارتفع عن الارتباطات الشخصية وعلاقات الصداقة، وكان القصد فيه الحق للحق، والفن للفن والأنصاف مجرداً عن كل غاية ومأرب، فان الأمور الشخصية والميل مع الهوى شر ما منيت به أعمال الخير في كل عصر ومصر، وشر ما منى به النقد الأدبي في مصر على الخصوص، وشر ما منى به الأدب في جميع نواحيه على تقدير صحافتنا سددها الله إلى الرشد، فكان من وراء هذا أن ساء ظن الناس في أهل الأدب والنقد، وأصبح وجود الناقد الحر في اعتقادهم كوجود الغول والعنقاء والخل الوفي!

ولقد انتوينا أن نتناول شعر الزفاف بالنظر والنقد على ما يتفق وحرمة النقد البريء، وكرامة الفن المهذب، ومهمة (الرسالة) الشريفة. سنقول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت. سننظر إلى ما قيل لا إلى من قال، لا نخضع في ذلك إلا لوازع الضمير وسلطان الحق، ومعايير الفن. ويعلم الله لقد حفلنا لذلك ما وسع الجهد، فسبقنا إلى كل حفل، ونهضنا إلى كل جمع، واستمعنا وقرأنا كل ما قيل وما نشر حتى ما لا يستحق أن يسمع ولا أن يقرأ. ولعلنا بهذا العمل نكون قد سجلنا على صفحات الرسالة، وهي سجل الأدب الخالد، لوناً طريفاً من ألوان الأدب لا يخلقه إلا المناسبات الطيبة، والفرص السعيدة، وما أقلها في تاريخ الأمم، وما أندرها في حياة الأفراد

ولا أكتمك الحق إذا قلت لك إن شعراء الزفاف قد قصروا عن الشأو، وقعدوا دون الغاية، وخيبوا الأمل، وكان الأمل فيهم كبيراً، وخذلوا الشعر وكنا نرجو للشعر على أيديهم نصراً مبيناً!! الأمر الذي جعلنا نعتقد اعتقاداً صحيحاً أن الميدان قد خلا من بعد صاحب الشوقيات، وأن الشعر عند شعرائنا تلفيق وشعوذة وصناعة احتطاب على حد تعبير الرافعي يرحمه الله، فليس هناك إلا إحساس ضئيل أن دل على شيء فإنما يدل على أن في نفس صاحبه شاعرية كنبوة مسيلمة. . .

لقد كان يوم الزفاف حافلاً بمعالم الزينة والبهجة، يفيض كما قلنا بالجمال والجلال، والبهاء والرواء، فكان في كل منظر شعر، وفي كل مظهر سحر، وفي كل وضع فن، فلو فاز ذلك اليوم بشاعر كابن الرومي أو شوقي لربح الشعر والفن؛ ولكن كل هذا لم يكن له مع الأسف أدنى أثر في إحساس شعرائنا، فطاروا بخيالهم إلى عنان السماء، يصفون النجوم وجمالها، والأفلاك ومداراتها، وراحوا يُنطقون الطيور بالسجع، والعنادل بالتغريد، وقفزوا إلى الربُى قد غطاها الزهر والنور وما في مصر شبه رابية من ذلك! واهتموا كثيراً بداوود ومزماره، وعنوا جميعاً أن يُذكرونا بيوم الحشر والنشر، وكأنهم لم يعرفوا من سجايا المليك إلا الذهاب إلى المساجد وصباحة الوجه فوقفوا عند هذا الحد وما زادوا!! ثم هم قد جروا على طريقة لا تُرضى في الأسلوب الشعري. يريد بعضهم أن يقوي فيتعجرف، ويروق لبعضهم أن يلين فيسخف؛ أما الإحساس بما كان من بهجة الزفاف، وروعة الزينة، واشتمال الصفة، وفرح الشعب، وتزاحم المواكب، وعرض الجيش؛ وأما الملك يبادل شعبه على هذا كله حباً بحب، وعطفاً بعطف، كل هذا لا نجد له ذكراً في شعر الزفاف. فكأن غاية القول عندنا أن نترسم السابقين في إحساسهم وخيالهم وأسلوبهم، لا أن نقول كما نحس وعلى ما نرى وبما نسمع!!

إن شعر الزفاف في الواقع قد جاء فاقداً للخصائص المميزة، وهي لاشك كل شيء في الشعر خصوصاً شعر الوصف والمديح. فمن السهل جداً أن يحول ذلك الشعر إلى حفل آخر، ومن السهل جداً على شعرائنا أن يقصدوا به إلى أي موقف. فلو وقفوا مثلاً في يوم عيد الميلاد الملكي المقبل ينشدون شعرهم هذا للجمهور لصفق لهم الجمهور وقرظتهم الصحافة. أليس من الزوال كما يقول المعري أن يقف أحد أولئك الشعراء فيلقي مطولة في حفل حافل وكلها تمجيد لجلالة الملك وإشادة بأخلاقه وليس فيها ذكر للزفاف ولا أي خبر عنه؟! ومن يدري لعل ذلك الشاعر كان قد قال قصيدته هذه في عظيم من قبل، ولعله ينوي أن يقولها في عظيم من بعد! وقديماً دخل أحدهم على سلم الخاسر فوجده يعمل قصائد بعضها في رثاء أم جعفر وأم جعفر باقية، وبعضها في مدح رجال لم تعين أسماؤهم بعد! فقال: ما هذا يا سلم؟ قال: وما أصنع يا أخي وقد تحدث الحوادث فجأة فيطلب إلينا القول ولا يرضي منا إلا بالجيد!!

ولكن ما عذر شاعرنا وزفاف الفاروق لم يكن فجأة وإنما كان حديث الناس منذ زمن طويل يتسع لكل شيء

نحن لا نتجنى على الحق، ولا نحب أن نلقي الكلام على عواهنه، ولكن نحب أن نشرح ونعلل، وأن نقدم الأمثال والشواهد، ولذلك آثرنا أن نقف مع كل شاعر على حدة فنقرر ما له وما عليه، وموعدنا بذلك المقالات الآتية إن شاء الله

(م. ف. ع)