مجلة الرسالة/العدد 240/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 240/القصص

مجلة الرسالة - العدد 240
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 02 - 1938


أقصوصة حكيمة من جولد سمث

الجندي الأجذم

للأستاذ دريني خشبة

يجهل نصف الناس كيف يعيش نصفهم الآخر!!

تلك ملاحظة عامة شائعة؛ بل ليس فيما يلاحظ الناس أكثر منها شيوعاً. . . وهي مع ذاك ملاحظة صادقة؛ فهموم العظماء ما تلبث أن تفشو وتفشو، وتذيع أنباؤها حتى تصبح مِلء الأسماع، وملء الأفواه، وحتى تصبح حَبتها قبة، وحصرِ منها عِنَبَة؛ وذلك بما يمطها به الرواة، وما يُضْفون عليها من الزخرف الزائف، والبهرج العقيم. . . ويبتعث هذا في نفوس المهمومين طائفاً من الزهو فيلتذون همومهم، ما دامت تجعلهم أبطالاً في تقدير الأغرار

هذا، وليس فخراً أن نحتمل الرُّزْء في ثباتٍ وفي جلدٍ ليسا طبيعةً فينا، ولا أصلاً في جِبلتنا، بل هما صدىً للخُيَلاء التي يثيرها فينا إعجاب الناس بنا، واستعظامهم لنا

أما العظيم حقاً، فهو الذي ينزل بساحته الخطب فيصمد له، ولا يحفل به، في حين لا خِلٌ فيواسيه، ولا صديق فيشجعه. . . بل. . . ولا بارقة من أمل فتُسرى عنه. . . ذلك رجل ينبغي علينا احترامه، ويجب أن نتخذه لنا قدوة، مهما يكن. . . من السوقة هو. . . أو من عِلية الناس

يا ما أتعس حظ الفقير!!

إن الرجل الغني إذا أصابته ضرّاء، وقد لا تكون من الضرّاء في شيء، تناقل الناس ضرّاءه، فهولوا بها، وأفاضوا فيها، بَيْنَا يُرَزّأ الفقير بأضعاف ذلك فلا يلتفت إليه أحد، ولا يعتدّ به مخلوق. . . وإن مصيبةً واحدةً من مصائبه في سحابة يوم لترجح مصائب العصبة أولى الحول من السادة العظماء في حياتهم جميعا. ً. .

إن من أصغر جنودنا وبحارتنا العاديين مَنْ إن ينزل به الخطب لا تتصور فدحه عقولنا، فيصبر له في عظمةٍ وتسليم وإيمان، دون أن يشكو أو يتململ، أو يتسخط على قضاء الله، ودون أن يُشهد الناس!. . . هذا. . . وقد تكون أيامه كلهن نوازل يأخذ بعضها برقاب بعض

لشد ما كنت أضيق ذَرْعا بأوفيد وشيشرون ورابوتين حينما كنت أقرأهم فأراهم يشكون ويبرمون ويتسخطون، ويندبون حظهم العاثر، وطالعهم النحس.،. ولماذا؟؟ لأن أحدهم لم تسعده المقادير بزيارة هذا المكان أو ذاك، مما وقر في باله أنه كان حرياً لو قطف ثمار السعادة فيه. . . وليس هذا الهم من الهموم إلا سعادة صرفة إذا قيست بما يجرعه البائسون من غصص الحياة كل يوم. . .

لقد كان أولئك يحيون في بُلهنية وسعة، يحف بهم حشمهم، ويسجد تحت أقدامهم خدمهم، لا يحملون هماً من هموم المادة، ولا يبالون كلفة من كلف الحياة. . . كل هذا بينما كان كثيرون من بني جلدَتهم يجوبون الآفاق في ظمأ ومسغبة، لا يكادون يجدون الكِنّ الذي يدرأ عنهم عاديات الجو وتقلباته. . .

كل هذه الخواطر دارت بِخَلَدي حينما لقيت فجأةً، ومنذ أيام خلت، رفيقاً بائساً كنت أعرفه إذا أنا صبي؛ يطوف في أزقة المدينة وهو يتكفف الناس، وقد جعل يقْزل برجلين إحداهما من لحم وعظم. . . والأخرى من خشب. . . ومن فوق كاهله سترة بحَّار بالية، يتوكأ بها على عُكازةٍ نابية

وهالني أن أراه قد آل إلى هذا المال. . . فلقد كنت أعرفه أميناً دائباً شديد الدؤوب إذ كان يعمل في الريف. . . فبعد أن دسست في يده ما هو حسْبُه، رغبت إليه في أن يقص علي قصة حياته، وطرفاً من أنباء مأساته. . . وأرسل صديقي الجندي الأجذم، وقد كان جندياً حقاً وإن بدا في ثياب بحار، أظافره تعيث في جلدة رأسه، ثم انكأ على عكازته، فعرفت أنه يجمع أشتات الذكريات التي تتألف من أسرابها قصته، والتي ساقها في حديث طويل طلى هكذا:

(لا أستطيع أيها السيد أن أدَّعي أن مصائبي قد فاقت مصائب سواي، أو أنني لقيت من العنت ما لم يلق غيري، إذ أنني، فيما عدا هذه الساق المبتورة، وتلك الأصابع المجذومة، وما اضطررت إليه من المسألة والتكفف، لا أجد والحمد لله ما أشتكي منه!! وإن هذا زميلي تِبْز الذي فقد ساقيه جميعاً، وإحدى عينيه، والذي أقعده كل ذلك عن السعي وراء رزقه. . .

فأين أنا مما آل إليه؟ شكراً لله!

ولقد ولُدت في شُبْشَيَر، ومات أبي - وكان من العمال - ولما أبلغ الخامسةَ بعد، فأرسلت إلى ملجأ إحدى الكنائس ذوات الضياع. . . ورفض القساوسة أن يبقوا عليّ لأنني لم أستطيع أن أنتسب لديهم، ولأنني لم أستطع أن أخبرهم أين وُلدت؛ ومن لي بهذا وأبي - وقاك الله! - كان رجلاً آفاقياً، لا ينتهي من تطواف إلا إلى تطواف! وقذفوا بي من أجل هذا إلى ضيعة كنيسة أخرى، فأرسلتني بدورها، ولنفس الأسباب، إلى ضيعة ثالثة، فرابعة، فخامسة، وهكذا دواليك، حتى حسبتني أقضي الحياة في هذا التشرد الطويل دون أن أستقر، لولا أن تغلبت مروءة الإنسانية آخر الأمر، فخلجت إحدى الكنائس أن تطردني من ضيعتها، فبقيت ثمة، وألحقت بكُتَّابها لأتعلم الهجاء، بيد أنني وا أسفاه لم ألبث به طويلاً، إذ آنس في مُعلم المصنع الملحق بالكنيسة جسماً يافعاً وذراعاً مفتولة لا أيسر عليها من حمل المدق والمطرقة فاختارني لمعاونته في عمله. . . وبقيت هناك خمس سنوات كانت أسعد فترة في حياتي لسهولة العمل، وطراوة العيش، وإقبال الزمان. . . ذلك أنني لم أكن أعمل كل يوم أكثر من عشر ساعات (!)، ومع ذلك فقد كنت أعطي نصيباً وافراً من اللحم والشراب يتناسب مع مجهودي الضئيل، ومع أنني كنت أشتهي لو قضيت حياتي كلها ثمة فانهم كانوا يحبسونني داخل الكنيسة، بحيث لم يسمحوا لي قط أن أعدو وصيد بابها، خشية أن أفر إلى ملجأ آخر. . ولا أدري لماذا كانوا يظنون مثل هذا الظن، والكنيسة كلها كانت حِلا ّلي، وحوشها الكبير أمرح فيه حيث أشاء. .

(ثم نقلت بعد أن شببت إلى مزرعة مجاورة لأعمل فيها من مطلع الفجر إلى غسق الليل، ثم أعود إلى الكنيسة لأنام، وكنت أحمد الله على أن يسر لي أمر طعامي وشرابي، وعلى أن حبب إلي عملي الذي كنت أقبل عليه في رضي وقناعة. . . ولما مات المعلم الذي لزمته طوال هذه المدة، كان طبيعياً أن أهجر الضيعة لأشق طريقي في الحياة بنفسي، ولأكدح في سبيل رزقي فرحت أزرع الأرض، وأنتقل من قرية إلى أخرى، وأشبع إذا لقيت ما أعمله فأوجر عليه، وأجوع إذا لم ألق عملاً حتى أوشك أن أقضي من الطَّوى

(ثم حدث أن كنت ماراً ذات يوم في طريق وسط مزرعة لحاكم الإقليم فلمحت أرنباً برياً يرتع ويلعب ويقضم العشب، فوسوس الشيطان في صدري أن أحذفه بعصاي. . . ففعلت.

وقصمت ظهره، ثم هرولت إليه فحملته وأنا فرح بهذا الصيد، وما كدت أمضي حتى لقيني الحاكم صاحب المزرعة نفسه وانطلق يسبني ويلعنني، ويرميني بكل موبقة، ويشتمني فيقول ويقول. . . ثم أمر بالقبض علي، وإحضاري أمامه لأثبت شخصيتي وليرى إن كنت متشرداً أو جَوّاب آفاق. . . وقد وقفت أقبل الأرض بين قدميه وأترضاه واستعطفه، ثم جعلت أسرد له ما أعرف من أرومتي ونشأتي وآبائي، حتى لم أبق شاردة ولا واردة إلا قصصتها. ولكنه وا أسفاه تجهم وقال: إني لم أستطع أن أثبت له شخصيتي. . ثم حوكمت بعد هذا - أعاذك الله - بتهمتين عجيبتين، أما إحداهما فخرق قوانين الدولة بما قصمت ظهر الأرنب، وأما الأخرى. . . فلأني فقير معدم. . . لا أمامي. . . ولا ورائي! وأرسلوني إلى نيوجيت بلندن لأنفى من أرض الوطن في زمرة المجرمين والمتبطلين

(وبالرغم مما يزعمه الناس عن الحياة في السجن، فلقد وجدته لطيفاً ظريفاً كما وجدت أي مكان غيره في العالم. . وماذا غير أن يأكل الإنسان ويشرب ملء بطنه، وينام ملء عينيه، دون أن يعمل عملاً ما. . .! لعمري لقد كنت أوثر أن أبقى هناك إلى الأبد، لو لم يأخذوني بعد خمسة أشهر إلى الميناء، حيث شُحنت أنا ومائتان غيري من ذوي البطالة في فُلك كبيرة، ما لبثت أن همت بنا في موج كالجبال إلى مزارع المستعمرات وراء البحار وقد تركونا لكثرتنا الهائلة ننام في ممر ضيق بين القمرات، فاختنق من اختنق، وعاش من عاش، وكانوا يقذفون بمن مات في اليم ليدفن في بطون السمك، وتالله لقد دفن فيها نصفنا أو يزيد. . . أما من نجا، فقد اعتل جسمه وخارت قواه، وهُزل هزالاً شديداً

(وبلغنا الشاطئ، وباعونا كالرقيق للمزارعين، وظللت أفلح الأرض مع العبيد، ولو قد تعلمت الهجاء لنجوت من حمارة الشمس الاستوائية، ولقمت بعمل أسهل. . . ولا أطيل عليك، فلقد لبثت في عملي المتصل سبع سنين سُرِّحنا بعدها وهفا القلب إلى الوطن. . . واشتاقت النفس إلى إنجلترا الأم التي أهواها من كل قلبي، وأخلص لها الحب من أعماقي، فلبثت أياماً أفكر في الأوبة وأعد ّلها عُدّتها، وحرصت على ألا أقع فيما وقعت فيه من قبل من تهمة البطالة والتشرد، فلم أذهب قط بعيداً عن حدود المدينة، بل رحت أذرعها مشرقاً ومغرباً وأنتظر يوم الرحيل. . واستعنت بأداء بعض الأعمال التافهة على التوقي من أعين الشرطة

وكنت أشعر بسعادة عميقة أثناء هذه الفترة التي تسبق عودة النازح إلى أرض الوطن. . . ولكن. . . حدث ما لم يكن قط في حسباني، فبينما كنت عائداً أدراجي من بعض عملي إلى منزلي، إذا رجلان قويان يلكمانني لكماً كاد يحطم رأسي، وإذا بي أهوي إلى الأرض في غير وعي. . . حتى إذا أفقت إذا هما يأمرانني أن أنهض ثم إذا هما ينطلقان بي إلى الحاكم الذي يطلب إلى ما يثبت شخصيتي! حتى إذا عجزت هذه المرة كما عجزت في الأولى، تُرك لي أن أختار إحدى اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن أنطلق من فوري فأعمل بحاراً على ظهر مركب يوشك أن يبحر أو أن أنضوي إلى صفوف الجند فأحارب أعداء المملكة. . . ولم يكن بد من أن أختار الجندية التي شعرت فيها بكرامتي خصوصاً بعد أن حاربت في وقعتين كبيرتين هما معركة الفال الخالدة، ومعركة فونتنوي التي لن أنساها ما حييت. . . ولم يمسسني ضر في أي منهما، اللهم إلا جُرْح هنا. . . في هذا المكان الرحب من صدري، استطاع طبيب فرقتنا الحاذق النطاسي أن يشفيه سريعاً

(وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، ودخلنا في السلم كافة، سُرّح كثير من الجنود فكنت منهم. . . ولم استطع أن أضطلع بالأعمال الشاقة التي كنت احتملها من قبل، لأن جرحي كان يَنْغَل أحياناً فيؤلمني ويقعدني عن أي عمل. . . ثم انضممت إلى جيش شركة الهند الشرقية فحاربت الفرنسيين في ست معارك دامية، أبليت فيهن جميعاً بلاء حسناً، ولو كنت قد أسعدني الحظ فثقفت بالكتابة والقراءة لارتقيت إلى مرتبة (أونباشي). . . وشاء الجد العاثر أن يلم بي مرض يقعدني عن الحياة العسكرية المقاحمة، فيهيج في قلبي حنينه القديم، وفي نفسي توقها إلى الوطن؛ فأنتوى الأوبة من جديد، وإن في جيبي لأربعين جنيهاً حمراً رنانة. . . وكان ذلك في إبان الحرب الحاضرة؛ وكم كنت أحلم أحلاماً لذيذة سعيدة إذ أنا على ظهر الفلك، وأفكر في كيف أنفق هذا القدر غير القليل من الذهب الوهاج. . . . وكانت الحكومة في حاجة ماسة إلى الرجال، فلما أهابت بأبناء الوطن انضويت إلى الصفوف وأنا في عرض الحر، فعملت بحاراً في إحدى وحدات الأسطول، من غير أن تكون لي أية دراية بأعمال السفانة الحربية ولا غير الحربية. . . . وطالما اتهمني الربان بأني أعرف من الأعمال البحرية ما أنا مخفيه، إيثاراً للعمل الحربي في البر، فكان يضربني ضرباً مبرحاً لم يكن يخفف من أوجاعه في نفسي إلا الأربعون جنيهاً التي ادخرتها واكتنزتها في جيبي، والتي كثرتها بما ضممت إليها مما كنت أقتصد بعد

وقد ضلت سفينتنا مرة، فأسَرتَنا وحدة بحرية فرنسية. . وبهذا - وا أسفاه - خسرت نقودي كلها. . . . . . ونزلنا إلى البر في ميناء برست، ولم يحتمل رفاقي الملاحون زهمة السجن وهواءه الخانق، فمات أكثرهم. . . أما أنا فقد بقيت فيمن بقي؛ ويبدو أن ما تعودته من الحياة في أشباه هذا السجن، قد جعلني أحتمل ما لم يحتمل زملائي

وبينما كنت نائماً على أرض السجن، وأنا ملتفع بغطائي الدافيء، إذا بي استيقظ على صوت الربان الذي جعل يلكزني لأصحو. . . وقال لي في صوت خافت، وهو يحمل مصباحاً أخفت من ضوئه: (جاك! جاك! هل لك في أن تحطم رأس (الديدبان) لنلوذ بالفرار يا صاحبي؟!) ولم يكن أحب إلي من أن أفعل. فوافقت على هذه المجازفة التي رغبها إلى كراهيتي للفرنسيين، الذين أعدهم أمة من العبيد. . . والذين لا يلبسون في أرجلهم إلا (القباقيب!)

ولم يكن معنا سلاح ما. . . بيد أننا كنا على ثقة دائماً من أن إنجليزيا واحداً يسعه أن ينتصر على عشرة من الفرنسيين. . . وهكذا انطلقنا إلى حيث انكمش الحارسان في ركن بعينه من البرد، فانقضضنا عليهما، وانتزعنا منهما سلاحيهما، ثم حطمنا رأسيهما، ولذنا بالفرار إلى الشاطئ. . . ولحق بنا تسعة ممن بقي من أسرانا، فركبنا زورقاً كبيراً، وأبحرنا من فورنا

(ولبثنا نصارع الموج ثلاثة أيام سوياً، حتى أضرّ بنا الجوع، وأوشك أن يهلكنا الظمأ. . . ثم اقتربنا من مركب كبير فحسبنا أن يد العناية قد أرسلته إلينا لتنشلنا مما نحن فيه. . . فإذا هو مركب من كراكب (قراصين) البحر، استطاع رجاله أَسرَنا. . . وكم كان فرحهم بنا عظيماً، لأننا أيد عاملة تنفعهم فيما هم بسبيله من أعمال القرصنة. . . وقد رضينا نحن بالعمل معهم، إذ كان لابد مما ليس منه بد. . . ولم يكن حظنا بساماً هذه المرة، فلقد شاء سوء الطالع أن نشتبك في قتال بيننا وبين الـ (بومبادور) القوية التي يملك قراصينها أربعين مدفعاً صالحة كلها للعمل، بينا لم نكن نملك أكثر من عشرين وثلاثة مدافع. . . ومع ذاك فقد قاومنا ما وسعنا أن نفعل، بل بدا لنا أننا نرى النصر قاب قوسين أو أدنى، في نفس اللحظة التي تمت هزيمتنا فيها. . . وعلة ذلك كثرة من قتل من رجالنا، وقلة الأيدي التي لم يكن يسعها أن تُعمل المدافع كلها لنحوز النصر. . .

(وهكذا شاءت المقادير أن أكون مرة أخرى في قبضة الفرنسيين. . . ولشد ما فزعنا أن يرسى بنا ثانية في برست، إذن ما كان جزاؤنا إلا القتل هناك. . . ولكننا رسونا في ميناء أخرى، فنجونا. . . وقد نسيت أن أذكر لك أنني فقدت إحدى ساقيّ، وأربعاً من أصابعي، وأصبت بأربعة جروح كبيرة في هذا القتال الهائل. . . أواه يا سيدي؟! أواه لو أسعدني الحظ فكنت قد فقدت هذه الساق وتلك الأصابع فوق بارجة من بوارج الوطن. . .؟! إذن لكفلتني الحكومة، وحبست على معاشاً كاملاً طوال الحياة. . . ولكن. . .! ما حيلتي؟ إن من الناس من يولد وفي فمه ملعقة من فضة، وإن منهم من يولد وفي فمه مغرفة من خشب. . .!! على أنه مهما يكن من أمري، فأني أحمد الله القدير الذي حباني عافية وصحة، ووهبني النعيم والحرية ورزقني محبة بلادي. . . بلادي ذات المجد. . . إنجلترا. . . إنجلترا الأم. . . عاشت إنجلترا!)

ثم مضى عني، وغادرني في حيرة من رضاه بما هو فيه، وتسليمه الجميل لما صنع الله!! حقاً. . . إن التمرس بالبؤس يعلمنا كيف نستهين به، أضعاف ما تعلمنا ذلك الفلسفة!!

دريني خشبة