مجلة الرسالة/العدد 238/البريد الأدبي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 238/البريد الأدبي

مجلة الرسالة - العدد 238
البريد الأدبي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 01 - 1938


جوائز فاروق الأول

من الطوالع السعيدة لعهد فاروق الأول - حفظه الله - أن تحظى دولة الأدب والتفكير بأول قسط مشكور من حقها في التشجيع والرعاية؛ فقد انتهت وزارة المعارف بعد طول البحث إلى إقرار مشروع خطير لتشجيع العلوم والآداب يتلخص في ترتيب ستة جوائز ثمينة للمتفوقين في مختلف نواحي التفكير؛ وقد أشارت الرسالة في عددها الماضي إلى قيم هذه الجوائز وأنواعها. وصاحب الفضل الأول في تقديم هذا المشروع هو سعادة الدكتور حافظ عفيفي باشا وزير الخارجية المصرية سابقاً وسفير مصر الحالي في لندن؛ وهو فوق كونه من رجالات مصر المعدودين مفكر وأديب بارع، وله مواقف مشهودة في تعضيد الحركة الفكرية، وهو الذي أنشأ (السياسة الأسبوعية) التي كانت قبل أعوام أعظم الصحف العربية الأدبية

ومما يذكر بالحمد لوزارة المعارف أنها لم تنس الأقطار العربية الشقيقة في ترتيب هذه الجوائز الأدبية الثمينة، فقد تقرر أن يسمح لأبناء العربية من الأقطار الأخرى بالتقدم إلى هذه المباريات في جوائز الأدب والقصص والاجتماع نظراً لما هنالك من وجوه التعميم في هذه الميادين، ورغبة في تشجيع الآداب العربية بصفة عامة، وتقوية للروابط الفكرية والثقافية بين مصر والأقطار العربية الشقيقة

ونحن نغتبط بهذه الخطوة الموفقة التي تتخذها وزارة المعارف لتشجيع الحركة الفكرية في مصر والأقطار العربية؛ ويزيدها توفيقاً ويمناً أن الجوائز الجديدة تحمل اسم صاحب الجلالة الملك (فاروق الأول)؛ بيد أننا نحب أن نرى فيها باكورة فقط، ونرجو أن توفق مصر إلى المزيد منها على يد هيئاتها ومعاهدها العلمية الكبيرة. فعلى الجامعة المصرية والجامع الأزهر أن يساهما في ذلك العمل الجليل، وأن يرتب كل منهما جوائزه الخاصة لتشجيع الحركة الأدبية والعلمية؛ وعلى جميع هيئاتنا العلمية الأخرى أن تقوم بواجبها في ذلك السبيل

المتحف الزراعي المصري

في يوم الاثنين 17 يناير الجاري افتتح صاحب الجلالة الملك فاروق الأول متحف فؤ الزراعي بالدقي بالجيزة؛ وهذا المتحف على حداثته يعتبر في رأي الخبيرين أعظم متحف في العالم من نوعه. والفضل في إنشائه يرجع إلى جلالة المغفور له الملك فؤاد الأول. وقد بدئ بإنشائه في سنة 1930، وأراد الملك الراحل أن يكون معهد ثقافة زراعية علمية، فحملت إليه النماذج الزراعية من كل ضرب، وعرضت فيه مجموعات بديعة من الأزهار والحبوب والأدوات المنزلية، وهياكل الحيوانات المصرية الأليفة ومومياتها وأنواع الأسماك المتوطنة في النيل منذ القدم وأدوات صيدها؛ وعرضت النباتات المصرية منذ عصر الفراعنة والعصور الإسلامية. وبالجملة فقد غدا المعرض على حداثته معهداً عظيماً للثقافة الزراعية والنباتية والحيوانية خلال العصور التي توالت على وادي النيل. وسيعمل المتحف في القريب العاجل على ضم جميع التحف والعاديات التي لها علاقة بالزراعة القديمة، ونماذج من أدوات الزراعة والفلاحة والصيد التي كانت تستعمل خلال العصور المختلفة

ويقدر ما أنفق على هذا المتحف المصري العظيم منذ إنشائه إلى اليوم بنحو ثلاثمائة ألف جنيه مصري، وهي قيمة يدل إنفاقها على ما وصل إليه المتحف من الضخامة وحسن الاستعداد لأداء مهمته

وقد تفضل جلالة الملك فتفقد أقسام المتحف المختلفة، وشاهد عرض فلم علمي زراعي يبين تربية النحل وحلج القطن

ومما يبعث على الغبطة أن مدير المتحف الحالي هو مصري من الأخصائيين في الشئون الزراعية، وقد كان إلى عهد قريب من الأجانب

فصل المؤتمرات الدولية بالقاهرة

أصبحت القاهرة من العواصم العالمية التي تتجه إليها أنظار المؤتمرات الدولية، وفيها يعقد كل عام في فصل الشتاء على الأخص عدة مؤتمرات دولية هامة، بدعوة سابقة من الحكومة المصرية وقد عقد بها في هذا الفصل إلى الآن مؤتمران دوليان كبيران هما مؤتمر الرمد الدولي، ومؤتمر توحيد قانون العقوبات الذي اختتمت اجتماعاته منذ أيام قلائل. وسيعقد في القريب العاجل مؤتمران دوليان آخران هما مؤتمر القطن الدولي، ويفتتح في 26 يناير الجاري، ومؤتمر اللاسلكي ويفتتح في أول فبراير؛ والأول من المؤتمرات الدولية التي تعلق عليها مصر أهمية خاصة باعتبارها في مقدمة دول العالم التي تنتج القطن وتعتمد في مواردها على تصريف محصوله. وقد كانت مصر دائماً عضواً بارزاً في مؤتمرات القطن الدولية وكانت لها في هذه المؤتمرات جهود مشكورة في التنويه بأحوال الزراعة القطنية وتجاربها العلمية وآفاقها وتصنيف محاصيلها. ولا يقل مؤتمر اللاسلكي عن سابقه أهمية لأن مصر أصبحت بعد تقدم اللاسلكي من أهم المراكز العالمية للمواصلات الأثيرية، وتشترك معظم الدول الكبرى في كلا المؤتمرين

محاضرة عن فلوبير بالقاهرة

ألقى العلامة الفرنسي الأستاذ هنري جيلمان نزيل مصر الآن، بدعوة من كلية الآداب، في قاعة الجمعية الجغرافية الملكية، محاضرة شائقة عن الكاتب القصصي الفرنسي الكبير جوستاف فلوبير، قدم فيها عنه لسامعيه صورة مؤثرة؛ وذكر أن فلوبير إنما يدرس في كتابات شبابه وما خلفه منها بعد موته، وأنك تجد فلوبير في أطوار حياته شخصاً يبدو في ألوان مختلفة. وقد مرض فلوبير في حداثته مرضاً عصبياً خطيراً حول مجرى حياته إلى ناحية لم يكن يتوقعها، فلم يفكر في أن ينشئ له حياة أو مدرسة، ولكنه جنح إلى التفكير العميق، وانتهى إلى اعتناق المبادئ التي جعلت منه شخصية مدهشة. وخلاصتها احتقار الوصول إلى الغايات الشخصية ورفض استخدام المواهب لتحصيل الربح المادي، وتخصيص الحياة للفن (العقيم) ومجانبة هذا المجتمع وهذا العالم. ومن ثم كان فلوبير يصور في كتبه هذا العالم بطريقة يترك الحكم عليها لقارئه، ولا يتدخل هو للتأثير فيه

على أن فلوبير لم يستطع أن يحرص على هذا المثل دائماً، فقد خرقه في حياته مرتين: الأولى بسبب امرأة هي لويز كوليه، والثانية بسبب محاولة الحصول على النجاح. بيد أنه لم يكن محباً مستسلماً، ولم تملكه المرأة إلا ردحاً ضئيلاً وانتهى بينهما كل شيء في سنة 1755؛ ولم يمض طويل على ذلك حتى اضطر فلوبير أن يسعى إلى المال والشهرة لكي يتدارك النكبة المالية التي أصابت ابن أخته، فتقدم إلى المسرح بقطعته (المرشح) ولكنه لقي خيبة أمل؛ فارتد إلى عمله وكتاباته التي كانت تلخص كلها في وصف الحياة البشرية، وكانت (مدام بوفاري) و (التربية العاطفية) و (القلب الساذج) من أروع ما كتب في هذا الميدان ونالت محاضرة الأستاذ جيلمان نجاحاً عظيماً؛ وكان الأستاذ يلقي محاضرته بذلاقة خلبت ألباب السامعين.

أسواق الأدب بين الركود والازدهار

خطب الروائي الإنكليزي الكبير السير هوج والبول في معرض للكتب أقيم أخيراً في جلاسجو، فقال انه توجد أزمة كتب في العالم البريطاني، وأهم أسبابها تخفيض أثمان الكتب إلى حد غير معقول. وقد ترتب على ذلك أن فقد كثير من الكتاب مورد أرزاقهم؛ ووقعت الأزمة بنوع خاص على الكتب القيمة لأنها اليوم ضحية منافسة شديدة من كتب تنشر بالملايين ولا يجد القارئ وقتاً للتحقق من قيمتها. ومن رأي الكاتب الكبير أن البؤس الذي تعانيه الحركة الأدبية من جراء هذه الحالة لا يقل عما كانت تعانيه منذ ثلاثين عاماً

وقد أنشئ في إنجلترا (مجلس قومي للكتب) مهمته أن يعمل على ترقية القراءة وترويج الكتب، وهو يسعى إلى هذه الغاية بمختلف الوسائل، ومن ذلك إقامة المعارض السنوية، وإقامة أسابيع خاصة لأصناف من الكتب المختلفة؛ وقد ساعدت هذه الوسائل على تخفيف الركود الذي أصاب حركة النشر في الأعوام الأخيرة

على أنه بينما يشكو العالم البريطاني من ركود الكتب وبؤس الحركة الأدبية إذا بسوق الأدب والكتب تزدهر في روسيا السوفيتية ازدهاراً شديداً. وقد نشر أخيراً إحصاء مدهش عما أخرجته دور الكتب الروسية التي تعمل تحت رقابة الحكومة من الكتب في عهد السوفييت، خلاصته أن هذه الدور كانت تخرج في سنة 1918 في اليوم 300 ألف مجلد؛ ولكنها أصبحت في سنتي 1936 و1937 تخرج في اليوم مليوناً وربع مليون مجلد. ومن هذه طبعات رخيصة من الآداب الروسية والعالمية. ومنذ سنة 1917 إلى اليوم أخرج من كتب مكسيم حوالي 32 مليون نسخة، و19 مليوناً من كتب الشاعر بوشكين، و14 مليوناً من كتب تولستوي، وأخرجت ملايين أخرى من كتب الكتاب الروس الآخرين. هذا عدا ما تخرجه دور النشر الروسية من الترجمات للكتاب الأجانب، وأشهرهم اليوم في روسيا سنكلير، وموباسان، وهوجو، وزولا، وبلزاك، وأناتول فرانس ودكنز؛ وفي ذلك ما يدل على التقدم الهائل الذي حققته روسيا السوفيتية في مكافحة الأمية وترقية التعليم

وفاة الأستاذ محمد صادق عنبر يعز علينا أن ننعى لقراء الرسالة في بهجة الفرح وبهرة السرور بزفاف المليك أديباً من أعلام البيان العربي، هو الأستاذ صادق عنبر

كان الأستاذ طيب الله ثراه بقية خير من تلك الطائفة الرشيدة الصالحة التي غذت الناشئين وبصرتهم بالأساليب المشرقة منذ ثلث قرن، فكان من أنصار الديباجة القوية، والأسلوب البياني المستمد من بيان القرآن ونبعته. وكان أسلوبه يشبه أسلوب المرحوم الأستاذ الرافعي، فقد كان يعجب بفنه وطريقته، ويأخذ نفسه على الجري في حلبته. ولقد عمل في الصحافة مدة من الزمن، فاشتغل في اللواء ثم في الأخبار ثم في الأهرام، ولكنه ظل على سليقته الأدبية، وظل أسلوبه أسلوب الأديب له روعته ورونقه. وآخر ما أخرجه من الآثار جملة من الرسائل الغرامية وضعها على لسان ليلى وقيس، ونحا فيها منحى الرافعي في أوراق الورد، ثم (كلمات في كلمة) كان ينشرها منذ أيام وكان ينوي جمعها في كتاب. فلعل أصدقاءه يقومون له بحق الصداقة فيجمعوا من آثاره ما تناثر كما قام بحق الوفاء لصديقه المرحوم أمين الرافعي

تماثل النابغة مي

شق على نفس الأدباء كثيراً ما ألم بنابغة الأدب الآنسة مي من مرض لازمها نحو عامين، فحال بينها وبين القلم، وحجبها عن ميدان لها فيه جولات صادقة، وجهود موفقة، حتى برز اسمها بين الأعلام البارزين في الشرق العربي.

ولقد تناقلت الصحف العربية في مصر وسوريا ولبنان هذا الأسبوع الخبر بأن الآنسة النابغة قد تماثلت من مرضها، وقد أذن لها أطباؤها في الخروج من المستشفى الذي كانت تعالج فيه إلى منزل استأجرته في بيروت في مكان هادئ لائق، وستكون معها ممرضتها التي لازمتها مدة المرض

ونحن نرجو للآنسة الفاضلة تمام التماثل، ونسأل الله أن يسبغ عليها ثوب العافية، وأن يمد في حياتها العزيزة، فإنها ولا شك ثمرة ناضجة قلما يجود بها الزمن على الشرق الحديث

مجمع اللغة الملكي في مؤتمر بغداد الطبي

قرر مجمع اللغة العربية الملكي الاشتراك في المؤتمر الطبي العاشر المزمع عقده ببغداد في الفترة القائمة بين التاسع والثالث عشر من فبراير. وقد ذكر المجمع في مذكرته إلى وزارة المالية أن الغاية من هذا الاشتراك هو تبادل الرأي في توحيد المصطلحات الطبية في اللغة العربية، واقترح ندب الأستاذين الشيخ أحمد علي الإسكندري وعلي الجارم بك لتمثيل المجمع في تلك الدورة وقد وافقت وزارة المالية على هذه المذكرة

كتاب شائق عن شعب غريب

صدرت أخيراً ترجمة فرنسية لمؤلف يمتاز بطرافته العلمية والتاريخية هو كتاب العلامة الدانمركي بركت سميث عن قبائل الإسكيمو، وعنوانه والعلامة بركت سميث هو مدير المتحف الوطني في كوبنهاجن، وهو أشهر حجة معاصر في أحوال هذا الشعب القطبي الغريب. وتسكن قبائل الإسكيمو كما هو معروف في أطراف الجزيرة الخضراء (جرينلند) وشمال ألاسكا وعلى أطراف بوغاز بيرنج وأطراف الأرض الجديدة الشمالية؛ وكان أول من عرفه بعض الملاحين من جزيرة (ايسلنده) في القرن التاسع الميلادي، ثم عرفه النورمانيون واحتلوا شواطئ الجزيرة الخضراء حيناً حتى أواخر القرن الخامس عشر؛ وجاء من بعدهم الرحالة الإنكليزي مارتن فروبشر فازدادت معرفة العالم المتمدن بقبائل الإسكيمو. وقام المكتشفون الروس والدنمركيون برحلات عديدة في هذه الأنحاء الثلجية النائية. ولما احتلت الدانمارك أطراف الجزيرة الخضراء قام علماؤها بمباحث كثيرة عن أصل الإسكيمو وأحوالهم؛ وأنشئ في كوبنهاجن متحف طبيعي للإسكيمو هو أعظم متحف من نوعه

وقد اختلفت آراء العلماء في أصل هذا الشعب الغريب الذي لا يزيد تعداده اليوم على أربعين ألف نسمة موزعة بين هذه الأنحاء الشاسعة، فذكر بعضهم أنه من سلالة (الفليولوتين) الذين يرجعون إلى العصر (المجدليني) ولكن الظاهر أن هذا الرأي لا يعتبر نهائياً من الوجهة العلمية. وما زال علماء الأجناس والبيولوجيا والأنثروبولوجيا يحاولون الوقوف على أصول هذا الشعب. ويمتاز الإسكيمو بقصر القامة وبسطة العظام؛ وهم ضعاف على الأغلب ويعيشون في ثلج دائم وينقرضون بسرعة. وقد رأت الأمم التي تهتم بمصير هذا الشعب والمحافظة على بقيته الباقية من الانقراض أن تعقد في شهر أغسطس الأتي مؤتمراً علمياً لمباحث الأجناس والأنثروبولوجيا، وسيكون للإسكيمو من مباحثه أكبر شأن

ويستعرض الأستاذ بركت سميث في كتابه المشار إليه تاريخ الإسكيمو وأحوالهم الجنسية والاجتماعية، ويستند في معلوماته إلى الدرس والمشاهدة الشخصية لأنه عرف الأرض الخضراء منذ حداثته، وعاش بين الإسكيمو ردحاً من الزمن، ودرس لغتهم وعاش عيشتهم، ويصف لنا عقليتهم وأحوالهم النفسية والاجتماعية ببراعة، وكتابه كالقصة الشائقة ينتقل الإنسان فيه بين عجائب وغرائب مدهشة

ويهيب الأستاذ بركت في كتابه بالأمم الأوربية أن تعمل لصون هذا الشعب المسكين من الانقراض، وأن تبذل وسعها للمحافظة على هذه التحفة الإنسانية)

هل يشفي غبار الصحراء مرض السل

من أنباء ألمانيا الأخيرة أن حواراً علمياً هاماً يدور فيها حول اختراع طبي قام به العلامة الطبيعي الدكتور أرنست جيركي لشفاء مرض السل. وللدكتور جيركي رأي غريب في ذلك وهو أن السل يمكن شفاؤه باستنشاق غبار الصحراء، وقد انتهى إلى ذلك بعد تجارب طويلة، وأنشأ بالفعل لذلك جهازاً طبياً يعرف بجهاز جيركي يمكن للمريض أن يستنشق بواسطته غبار الصحراء المودع فيه بطريقة فنية، وتفيده المثابرة على ذلك فائدة كبيرة وتنتهي بتقوية الرئتين والسير نحو الشفاء. ويقول الدكتور جيركي أن ما يلاحظ من شفاء المرضى الذين يقيمون في أعالي الجبال إنما يرجع إلى استنشاق هذا الغبار بالذات وهو يهب من الصحراء في مواسم معينة حتى يصل إلى هذه الأنحاء، وأنه يمكن بواسطة جهازه أن يستغني المرضى عن الإقامة في المناطق الجبلية والسفر إلى مصر وغيرها من الأقاليم الصحرية

وقد أنكر بعض العلماء نظرية جيركي وحمل عليه بالأخص عالم طبيعي سويسري هو الدكتور ميركوفر، وقال إن نظريته لا ترجع إلى أصول علمية، وأنها مضاربة لا تزيد عن زعم أولئك الذين قالوا من قبل بأن السرطان يمكن أن يشفى بالأشعة وأمثالها؛ وأن غبار الصحراء لا يهب إلا على شواطئ البحر الأبيض المتوسط والجهات القريبة ولا أثر له في أعالي الجبال

وما زالت النظرية موضع الجدل الشديد في مختلف الأوساط العلمية.

مناهج التاريخ العام ورأي الحكومة المصرية

تلقت وزارة المعارف من القومسيون الدولي لعصبة الأمم كتاباً انتظم مشروع تصريح خاص بإعادة النظر في الكتب المدرسية. وقد جاء فيه أن العصبة ترغب في توطيد العلاقات وتوثيقها بين الأمم والممالك المختلفة، ومن أجل هذا ترغب ألا يقف الأمر في دراسة التاريخ في المدارس عند التاريخ القومي، بل يجب أن يتضمن المعلومات الوافية عن الأمم الأخرى

ورغبة في توكيد ارتباط المصالح بين الدول، فإن الرأي يتجه في تدريس التاريخ العام إلى استنباط العناصر التي تهيئ أسباب هذا التوكيد والارتباط

وترى العصبة أن يستبعد من الدراسات التاريخية في الكتب تقرير كل إيعاز أو إيحاء، وكل تفسير للأحداث التي تثير في الناشئين روح الحقد واالكراهية، والتي يكون من نتائجها تكوين رأي في أمة ضد أخرى

ونوه سكرتير العصبة العام في كتابه باقتراح يرمي إلى إنشاء هيئات محلية في كل دولة تتصل بالشعبة الدولية في جنيف، وأن يترك لها أمر الحلول التي تؤدي إلى الأغراض المتقدمة. ولهذا حرصت جامعة الأمم على توجيه هذه الآراء والأفكار إلى الممالك والدول المشتركة وغير المشتركة فيها

وقد أحالت وزارة المعارف هذا الموضوع إلى الأستاذ محمد قاسم بك ناظر دار العلوم، فدرس المشروع دراسة دقيقة ووضع تقريراً عنه، وقد أقرته الحكومة المصرية وتقرر رفعه إلى العصبة

وقد جاء في هذا التقرير أن المناهج المصرية الدراسية تتفق والأغراض المشار إليها، وذلك لعدة أسباب، منها ما يرجع إلى موقع البلاد الجغرافي وحكم مركزها القديم واتصالها بالشرق والغرب، فضلاً عن أن مناهج التاريخ ولا سيما في الدرجات الثانوية من التعليم بل والابتدائية لا تقتصر على الجانب القومي

وأما عن توكيد ارتباط المصالح بين الدول، وخاصة في العصور الحديثة، فان مفردات مواد التاريخ وضعت من الوجهة الفنية في مصر على قاعدة اشتراك المصالح بين الدول الأوربية المختلفة وأشار التقرير إلى مسألة الإيعاز والإيحاء وتفسير الوقائع فقال إن الروح القومية المصرية السائدة في الكتب المصرية عامة هي روح الصداقة والود والتعاون بين أمم العالم قاطبة بغير استثناء. على أن هذا لا يمنع من تسرب بعض التعليقات التي تسيء إلى بعض الأمم في الكتب الدراسية من غير قصد، ومرجع هذا تأثر بعض المؤلفين بالمراجع الأجنبية التي يأخذون عنها فينقلون وهم حسنو النية بعض الآراء والتعليقات التي تسيء إلى بعض الدول وقد لا تتفق والواقع. وكثيراً ما يتأثر بعض المؤلفين بالبيئة التي يدرسون فيها والمراجع التي يرجعون إليها

ماني والمانوية

ما يزال العلماء الأجانب يعنون بفلاسفة المشرق عناية عجيبة، على حين لا نعني بهم نحن إلا عناية طفيفة تجيء مع تفاهتها ذيلاً لما يكتب غيرنا عنهم. . . وقد تصفحنا كتاباً بالإنجليزية عن ماني والمانوية وضعته الأديبة الفاضلة أ. س. دروور وطبعته جامعة أكسفورد على نفقتها الخاصة، وحسبك هذا دليلاً على قيمة الكتاب. وقد حدث أن عُين زوج المؤلفة الفاضلة مستشاراً قضائياً في العراق سنة 1922، فانتهزت هي هذه الفرصة وكانت تسكن في بغداد، فاختلطت بأحفاد المانوية الذين لا يتجاوز عددهم خمسة آلاف في كل العراق، وعرفت الكثير عن عقائدهم وعاداتهم وطقوسهم المذهبية وحفلاتهم الدينية، ثم عقدت أواصر الصداقة بينها وبين زعمائهم فاستطاعت أن تطلع على كتبهم القديمة النادرة التي لم يتيسر لأحد العلماء الاطلاع عليها من قبل لشدة حرص أصحابها عليها واحتفاظهم بها جيلاً بعد جيل. والفصول التي كتبتها المسز دروور عن المانوية قيمة حقاً، ولا نغالي إذا قلنا إنها نور جديد ألقته المؤلفة الفاضلة على هذا الدين القديم لا نكاد نجد مثله فيما كتبه ابن حزم أو الشهرستاني أو البيروني أو ابن نباتة أو اليعقوبي أو غيرهم من مؤرخي المسلمين - بل لا نغالي أيضاً إذا فضلناه على ما كتبه العلامة بيرون في كتابه عن المانوية - والكتاب خليق بأكثر من هذه الشذرة وسنعود إليه