مجلة الرسالة/العدد 236/مقدمة حضارة العرب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 236/مقدمة حضارة العرب

مجلة الرسالة - العدد 236
مقدمة حضارة العرب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 01 - 1938


لغوستاف لوبون

(تتمة)

للأستاذ خليل هنداوي

والآن عرضنا من مناهج البحث ما نخاله كافياً فيما يتعلق بدرس الحوادث التاريخية، بل سيكفي منه ذكر الأكثر ضرورة

إن تصور العلة التي تهيمن اليوم على درس الأشياء العلمية تهيمن كذلك على درس المسائل التاريخية، والمناهج التي تتعلق بهذا تتعلق أيضاً بذلك. فإن حادثاً اجتماعياً إنما يجب درسه كحادث طبيعي أو كيميائي مهما ذهب أمره، فهو خاضع لبعض مذاهب، أو قل إنه خاضع لسلسلة مرتبة من الضرورات المحتمة. فالإنسان يعمل والقوة السامية تقوده سواء دعوت هذه القوة الطبيعية أو العناية أو القدر أو الحظ. ونحن منذ الولادة حتى الموت تفيض علينا قوات من الخير والشر لا نستطيع لها قهراً ولا غلبة. وغايتنا الكبرى هي الوصول إلى معرفة بعض أحوال وأسباب من مظاهرها

وتاريخ الإنسانية نستطيع أن نعتبره سلسلة واسعة كل أجزائها متماسكة. قد تعود أجزاؤها الأولى إلى أبعد جذور في أرضنا. والحادث التاريخي مهما ذهب أمره هو دائماً نتيجة حلقة طويلة الأحداث الداخلية. فما الحاضر إلا لدة الماضي. والماضي يحمل الغد في أطوائه كجنين، وفي الحوادث الحاضرة يستطيع العقل الموهوب أن يتلو التعاقب اللانهائي للأشياء. ولكن مثل هذا العقل يبدو أنه لن يظهر أبداً. فبينا نعمل على معرفة مجموعة العاملين الذين ولدوا الحاضر ومعرفة قوة كل واحد منهم نرى من المحال إخضاع هؤلاء العاملين للتحليل. فعلم النجوم يعجز عن أن يعين بواسطة الحساب الهدف الذي يرمي إليه جسم يخضع لثلاثة أجسام فقط، فكيف والحالة هذه في مسألة تضم ملايين الأجسام؟

إن كل الشرائع الوهمية التي يخال أنها تؤخذ من دراسة التاريخ ما هي في الحقيقة إلا تثبيت امتحاني لبعض الأعمال. وبها يمكننا أن نقارنها مع الملحوظات الامتحانية التي يقوم بها أصحاب علم تقويم البلدان هنالك مليون من الناس يستطيعون أن يتنبئوا بكل يقين عمن يموت منهم في عهد ما وفي عهد آخر، وعما ينشأ فيهم من جنايات لأن تجاريب الماضي تسهل لهم هذه التنبؤات. إن الصعود إلى أسباب الأعمال الملحوظة مستحيل أبداً، والعاملون الجازمون هم عدد كثير، واستمالة الصعود بعيداً في سلسلة الأسباب التي تعين أو تحدد حاثاً اجتماعياً قد ألقت شيئاً من الكره لعلم التاريخ في نفوس العلماء الذين حاولوا التعمق فيه. وهنالك عالم نبيه هو (رينان) نعت علم التاريخ بأنه علم حقير وهمي، لا يكاد يرفع حتى يتقوض بدون نهاية، ولا يشيد حتى يتهدم؛ وهو أحد الأشياء المهملة بعد مائة عام. على أنه سيأتي دور في حياة الإنسان نراه لا يتعلق بماضيه لمصلحة ما. وإني لأخشى جداً أن كتابة كتابنا في المجتمع الأدبي والفني الذين صححوا ووضحوا بعض الآثار التاريخية أن يبلوا قبل أن يتلوا)

والكاتب نفسه يفكر في أن المستقبل سيكون للعلوم الطبيعية لأنها هي العلوم التي ستعطينا سر الوجود والعالم والإله كما ينبغي أن يعطى هذا السر. لكل إنسان حق التأمل في هذا، ولكن شيئاً واحداً حتى الآن لم يحقق أملاً من آمالهم، ولا فكرة من أفكارهم. وهاهي ذي العلوم الوضعية لم تعطنا شيئاً عن العلة الأولى لحادث واحد، وهي لا تكتشف إلا بساطة العلاقات التي تؤلف قواها الظاهرة، حتى إذا اصطدمت بحوادث مركبة رأيتها تتلاشى وتضل في الظنون والأحداس. إن العلوم الحديثة قد بدأت بصورة ضعيفة أن تتمتم (من التمتمة) في الجواب عن أسئلة يضعها الإنسان كل يوم. فمن المهد إلى اللحد تغرس الطبيعة طريقنا بمسائل لا تقبل الحل. ورغبتنا في المعرفة، هذه الرغبة المتأججة لا ينطفئ أوارها أبداً. العلم يستدعي أفكاراً ولكنه لا يحل مسائل. وكرتنا الأرضية ستعانق في الفضاء العوالم القديمة الباردة قبل أن يجيب أبو الهول الخالد على سؤال واحد

يجب علينا ألا نقف على باب العلوم مغررين بأنفسنا، طالبين إليها أن تعطينا مالا تقدر عليه. إنها تقدر أن تعطينا ما نتبين به حالة إنسان أو حيوان أو مجتمع أو نبات، وما نضم به صورة أمينة لدراسة عصر ما. وما نعين به سلسلة من أمهات الحوادث التاريخية. وحذار أن نطلب أكثر من هذا إلى المؤرخ

على أن العمل مع هذا هو من العسر بمكان لما يقتضيه من الاعتناء. فالمواد التي تسمح لمؤرخ أن يضم منها صورة لحضارة ما يعسر عليه جمع أطرافها. والأعسر من ذلك أن يخرج بها إلى حيز العمل. إذ ليس في تسلسل ذراري الملوك، ولا في قصص المعارك والحروب التي تشكل لب التاريخ المدرسي نستطيع أن نبحث عن تلك المواد. وإنما نجدها في درس اللغات والفنون والآداب والمعتقدات والتعاليم السياسية والاجتماعية لكل عصر من العصور. وأما المواد الغريبة لحضارة ما فلا يمكننا أن نعتبرها نتيجة هوى الناس أو القدر أو إرادة الآلهة، ولكنها وليدة الحاجة والفكر والعاطفة في الذراري التي تجلت فيها، فإن ديناً ما وفلسفة ما وأدباً ما وفناً ما قد يحتوي على أشكال ثابتة من الشعور والتفكير ولا يحتوي على غيرها. ومما لا جدال فيه أن الأعمال والآثار تتلو علينا أفكار أصحابها. إنها تقرأ علينا أفكارهم وتسمح لنا بأن نؤلف صورة ذلك العصر. ولكن هذه الصورة تبقى ناقصة فيجب علينا أن نوضح تركيبها، لأن الشعب الذي يدرس في لحظة معينة لم يتكون في وثبة واحدة. وإنما هو وليد ماض طويل بعيد، ووليد مؤثرات مختلفة للبيئة التي نشأ فيها وخضع لها، ولذلك وجب علينا أن نرجع إلى ماضي ذلك الشعب حتى يمكننا تحليل وضعه الحاضر. وبالإمكان أن ندعو دراسة هذا التكوين القائم من مواد مختلفة متنوعة يتألف منها المجتمع بعلم الجنين. وهذه الدراسة تغدو قاعدة راسخة للمؤرخ في عمله، كما هو الحال في أن علم تشكل الكائنات الحية أصبح اليوم أمتن قاعدة وأصدق مرجع لعلماء طبقات الأرض

كائنات حية ومجتمعات يجب أن تمر بتطور بطيء يبدل مظاهرها الخارجية قبل أن تصل إلى حالات الكمال، وهذه المظاهر المختفية لا يوحيها علينا التاريخ دائماً. فكم من حدود لهذه المظاهر قد توارت حالياً! وإنما الملاحظة وحدها تسمح لنا بأن نستدعي الحدود الضرورية؛ وكالكائنات الحية نرى أن كل المجتمعات لم تبلغ بذات الأجيال انقلابها، وأنت ترى أن كثيراً منها لم يجتز بعد هذه المراحل التي انتهى العرب من اجتيازها، هذه المراحل التي تمثل صورة الماضي الثابتة. وقد يستطيع السائح في أرجاء الأرض أن يرى المجاري الرئيسية أو المراحل الأساسية لتاريخ الإنسانية منذ العهد الحجري حتى العهد الحاضر وبهذا يمكننا أن نتوصل إلى تمثيل ماضي شعب ما، وتمثيل تطور المواد التي تألفت منها حضارتها

هنالك مواد مختلفة: منها العمارة والأدب واللغة والتعليم والاعتقاد نستطيع أن نستفيد منها في بناء تاريخ الحضارة وتكوينها، ولكن من النادر أن نملك عليها جميعها. وفي مثل هذه الحالة نجتزئ بما نقدر أن نجمعه منها لنجد المفقود! وذات النظرية التي تسمح لنا بأن نعرف حيواناً ما بمجرد اطلاعنا على قطع من هيكله العظمي هي النظرية التي يجب أن نفرضها في التاريخ، إذ أن مظهر بعض الصفات يستلزم دائماً وجود صفات أخرى

على أن كل هذه المواد التي نحددها قد تكون ناقصة في بعض الحالات بالنظر إلى الوضوح، فالعلم الحديث سيترك مواد أكثر صحة ودقة للجيل القادم. وقد يسهل التنبؤ بأن مؤرخي المستقبل سيكتبون كتباً في التاريخ تختلف عن كتبنا فيه، ففي تاريخ حضارة القرن العشرين سيكون الموضوع خاضعاً بدون ريب لعنوان الأثر مرفقاً برسوم وخرائط وخطوط نافرة تمثل كل أطوار الحوادث الاجتماعية، وأن عظمة ما، وقوة ما، وبقاء ما ووزناً ما نستطيع أن نستشفه خلال خط مرسوم أو سطر مرقوم

وليس هنالك حادث نفسي أو اجتماعي مهما كان مركباً يفترض بأنه لا يمكن اعتباره كقيمة رياضية يمكن حلها عددياً، وإنما يكفي أن نجد له في مواده الضرورية مقياساً، فإن علم تقويم البلدان هو أقل العلوم الحديثة تقدماً في طريق التكوين. والذي علمنا إياه هذا العلم يسمح لنا بأن نستكشف ما سوف يعلمنا إياه في المستقبل. فإنتاج بلد وإنفاقه وغناه وحوائجه والقابلية الخَلقية والخُلقية للذرية التي تقطنه، واختلاف عواطفها ومعتقداتها وتأثير القائمين عليها، كلها أشياء قد جلاها لنا المقومون بأعداد يجمعونها اليوم

ونحن نرقب هذا الجيل القادم الذي تتبدل فيه المشاحنات التاريخية بصور وخرائط ومعارج هندسية تمثل حالة كل الحوادث الاجتماعية وأطوارها المتبدلة، وإنما يجب الجهد الكثير في انتقاء الصور الأكثر وضوحاً من الصور التي تركها لنا الماضي، ومن هذه المواد التي أحصيناها نمسك المواد الضرورية التي تقدم لنا صورة واضحة شاملة للحضارات الغابرة وتاريخ تكونها، ولكي نستطيع أن نخرج هذه المواد إلى حيز العمل وجب علينا أن ندرس هذه البقيات التي تركتها هذه الحضارات في مواطنها

فإن مشهد الأشياء وحده يمكن أن يعطينا من ماضي ذلك الغيب ما لا يمكن أثراً غيره أن يعطيه. والعلوم الطبيعية والاجتماعية لا يمكن أن يتعلمها الإنسان مجردة في الكتب، ولاسيما إذا كانت المسألة الشعبية كمسألة العرب الذين تعددت آثارهم في البلدان التي ازدهرت فيها حضارتهم وشعت مدنيتهم. فعند ذلك يجب أن تدرس بيئتهم درساً لازماً لا مندوحة عنه. وليس هناك إلا الرحلات والأسفار تنقذنا من نير الآراء المصنوعة والأوهام الثقيلة الموروثة. وسيجد القارئ الأصول التي طبقناها هنا بصورة موجزة. وهذه الأصول ستقود القارئ إلى أن يتجرد من الآراء المدرسية في أكثر المسائل التي تمس الشرقيين من ديانة محمد ﷺ والرق والحروب الصليبية والعلوم والمعارف والفنون وأثر العرب في أوربا وغير ذلك. . .

- 3 -

على أن البقايا التي تخلفت من حضارة العرب هي بقايا كثيرة العدد، كافية لأن ندرسها بأجزائها الضرورية. إننا سنأخذ أكثرها من الآثار الفنية والأدبية والعلمية والصناعية والاعتقادية؛ ومن بين هذه الآثار كلها ستكون اكثر استيحاء من الآثار التصويرية، فهي بشكلها الملموس تكلم عقولنا بوضوح. فيها نجد التعبير الصادق عن الحاجات والعواطف والأجيال التي ولدت فيها، وفيها نحس أثر الذرية والبيئة إحساساً جلياً. ففي آثار عصر ما مهما كان نوع منتجاته يستطاع استقراء ذلك العصر استقراء تاماً. فقافلة في العصر الحجري، وهيكل مصري، ومسجد أو كنيسة، وملجأ قطر، ومخدع غانية، وحسام ذو قبضتين، ومدفع ثقيل الوزن، في كل هذا ما هو أفصح بياناً من المناقشات. ولوصف الآثار الفنية للشعب يوجد طريقة واحدة هي تقديمها؛ فإن صور (البارتنون) والحمراء وفينوس في نظرنا أفضل من مجموعة كتب يكتبها كل مؤلفي العالم عليها. ولاعتقادنا بأهمية هذه الصور التي تنقل إلى العقل الصورة الكاملة للعصر الذي قامت فيه عمدنا إلى أن نلتقط هذه المنتجات؛ والقارئ الذي يلتفت فقط إلى الصور المرسومة في هذا الكتاب قد يكون أكثر علماً بحضارة العرب وأطوارها التي تحملتها في أقطار مختلفة من قارئ قصر اطلاعه على مطالعة الكتب التي تبحث عنها، وان وضع الآثار تحت العيون يغني في الوقت ذاته عن الأوصاف المسهبة التي لا تعطي أية فكرة عن الأشياء التي تزعم أنها تصفها وقد يقال بحق: إن مائة صفحة مكتوبة لا تساوي صورة تامة بل قل - ولا غلو - ولا مائة كتاب

عندما نعمل على تحديد الأشكال نجد أن الكلمات في أية لغة غير كافية. ولاسيما إذا كان الموضوع يمس الشرق حيث تكون الصور ضرورية. هنالك بالعيون وحدها تمكن معرفة مناظره ومعابده وآثاره الفنية والذراري المختلفة التي تولت أمره؛ والأسلوب الغني بتصويره لن يعطي أبداً ذلك التأثير الذي يعطيه مشهد الأشياء من حيث صورتها الأمينة

ولكن هذه الآثار وهذه المشاهد والأعمال الفنية وأشكال الذريات وفصول الحياة إنما ينبغي أن يذهب الإنسان بعيداً في درسها، وإذا أراد درسها بأمانة فإن الصورة وحدها تستطيع أن تعطيها، ومن الصورة تأخذ الصورة الأمينة. وإن أياماً تمدها أيام لا تسمح للفنان الماهر مهما ذهب بأن يبلغ الإتقان الذي تحققه الصورة في ثوان معدودة

إذا أريد الاختصاص فقط بتمثيل العمارات فإن فناناً ماهراً يكون له الزمن مادة لا قيمة لها قد يصل إلى أن يتنازع مع الصورة ولكن إزاء ألوف الفصول من الحياة الشاملة التي تؤلف جزءاً كبيراً من وجود الشعب لا يمكن أن يثار نزاع حولها. فالصورة الحقيقية هي وحدها القادرة على تصوير الأشياء في حركاتها بأمانة من شارع حي ومن جواد يعدو خبباً، ومن موكب عرس وغير ذلك. ومن عهد قريب شاعت مذاهب جديدة تدعوا إلى السياحة والرحلات وقد نفذت هذه المذاهب للمرة الأولى في هذا الأثر.

وقد لعب الرسم دوره في كل شيء وعمل على أن يظهر بأمانة من عمارة، ومن أكوان، فالصورة الشمسية يجب أن تحل محله الآن، والصورة في كتب العلم والتاريخ والأسفار تكون الوسيلة الوحيدة، ولقد تكون شاقة في الأسفار النائية، ولكنها ضرورية لكل مسافر ولكل عالم

فإذا كانت الصورة العامة بما تضمنت من عوامل تعطي القارئ صورة واضحة عن الزمان الذي قامت فيه فالغاية إذن أصبحت محققة والهدف المنشود موجوداً

(انتهت المقدمة)

خليل هنداوي