مجلة الرسالة/العدد 234/هل الحرب ضرورة؟

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 234/هل الحرب ضرورة؟

مجلة الرسالة - هل الحرب ضرورة؟

عباس العقاد
بتاريخ: 27 - 12 - 1937
هل الحرب ضرورة؟

للأستاذ عباس محمود العقاد

- 2 -

ظهور المذهب في الأمة شيء، وشيوع العمل بذلك المذهب شيء آخر

لكن ظهور المذاهب مع هذا لا يخلو من دلالة قوية على طبيعة الأمة ومعدن أخلاقها وطرائق معيشتها، ولو لم يعمل به الناس أو يتقيدوا بأحكامه في الحياة اليومية

فالجنود والفلاسفة ورجال المال وأصحاب التجارات الواسعة موجودون في بلاد الحضارة كافة، وربما تساوت (النسبة) بينهم في العدد والقوة والجاه، ولكن مما لاشك فيه أن البلد الذي (مثله الأعلى) رجل الحرب غير البلد الذي يتخذ له (مثلا أعلى) من الرجل الغني أو من الرجل الحكيم أو من الرجل الزاهد. فإذا ظهر في الصين حكيم يوصي الناس بالوداعة وحب السلم وكراهة القتال فليس بالمعقول ولا بالميسور أن يشيع العمل بوصاته حتى يمتنع ظهور الجند ووقوع القتال بين تلاميذه ومريديه؛ ولكن ليس بالمعقول كذلك إن نسوي بين هذا البلد وغيره من البلدان التي يتمنى حكماؤها شيوع الحرب أو شيوع الثروة أو شيوع الزهد والرهبانية، إذ يكفي أن يتمنى الإنسان شيئا ليكون مختلفا في تفكيره وشعوره ممن لا يتمنونه وقد يتمنون نقيضه، ولا يسوى بينهم بعد ذلك أنهم يشتركون في عمل واحد يعمله بعضهم مضطرا مسوقا إليه، ويعمله بعضهم مختارا شديد الرغبة فيه

لقد أوصى حكماء الصين بالسلام وبغضوا الناس في الحرب وفيمن يجعلها صناعته وهمه وهجيراه، فليس معنى هذا أن حربا لم تقع في الصين وأن حكيما لم يظهر بين أهلها يحثهم على الكفاح كلما دعت إليه حاجة أو قضت به مصلحة سياسية؛ فقد ظهر من الصينيين فلاسفة بالغوا في تمجيد الحرب كما يبالغ فيها اليوم فلاسفة المذاهب (الفاشية) أو مذاهب العسكريين. وقال أحدهم وهو (كنج سوف يانج): (إن الأمة التي تجتمع فيها القوة حقيقة أن ترهب وتصبح عظيمة البأس والمهابة؛ أما الأمة التي تلهو بالكلام فهي وشيكة التمزيق. ولو أن ألفا اشتغلوا بالزرع والحرب وواحدا بينهم أشتغل بنظم القصيد ورواية التاريخ وتنميق الأحاديث لأفسد عليهم أعمالهم أجمعين. . .) إلى أمثال هذا الكلام الذي يخيل إلى قارئه أنه من عربدة المعسكرات لا من نصائح الوعاظ والحكماء

ظهر في الصين من قال بهذا وظهر فيها من قال بغيره وهو الفريق الغالب والقدوة العامة المرموقة من الأكثرين، وربما كان ظهور الحكماء المسالمين وانتشار حكمتهم هو الباعث إلى ظهور المخالفين لهم وإغراقهم في دعوة الحرب وآداب القتال، كما يصيح الإنسان ويبالغ في الصياح كلما أحسن أنه ضائع الصوت والصدى محتاج إلى جذب الأسماع ولفت الأنظار؛ وإنما عبرة هذا جميعه أن النيات لها دلالة قوية وليست الدلالة كلها للأعمال والوقائع؛ فإذا رأينا أناسا ينوون السلم ويحاربون فليس بالصحيح أن نسوي بينهم وبين من ينوون الحرب ويحاربون: هم مختلفون وإن تشابهوا في عمل واحد، ونحن رابحون إذا أشعنا دعوة السلم وإن لم يتبعها على الأثر شيوع السلم وبطلان القتال

ومن الأشياء التي لها دلالتها في العصر الحديث كثرة الناعين على الحروب بين الأمم الحرة، وكثرة المنكرين لمظاهر الزهو التي كانت تحيط فيما مضى برجال الفتوح والغزوات، فسيكون لذلك كله أثره كما كانت له دلالته وكانت له دواعيه. وحسبنا أن العمل في هذه الوجهة ليس بالعبث ولا بالعقيم، بل حسبنا أنه واجب محمود، بل حسبنا أنه ليس بذميم، ليكون ذلك من أسباب المضي فيه والإقبال عليه

يقال إن الضراوة ليست من طبيعة الوحش في حالة التأبد والسهولة. ويقول هدسون: إن ألبوما - وهو من أشد السباع الأمريكية - لا يهجم على أحد إلا وهو مدافع عن حياته. ويقول كومستوك: إن الثعابين والدببة وغيرها من السباع لا تتعلم الضراوة إلا حين يظهر بينها الإنسان ويوغل بينها في الصيد والاعتداء والتحرش والإيذاء. وحسبنا من ذلك أن الضراوة ليست أصلا في الخليقة حتى بين السباع والعجماوات، وإنها ضرورة وليست بشهوة مطلوبة، وأنها تحول إذا امتنعت الضرورة وتغيرت الأسباب. فلا نزعم كما يزعم الفاشيون أن تربية الإنسان على الحرب فضيلة متى ثبت أن الحرب رذيلة ليس عنها محيد: ذلك خطأ لا ريب فيه، لأنه لم يثبت أولا أن الحرب طبيعية في الأحياء، ولن يثبت بعد ذلك أن الرذيلة تصبح فضيلة مرغوبا فيها متى علمنا أنها عسيرة الاجتناب

ولست أكبر من شأن الدلالة التي أشار إليها الكاتب (الدوس هكسلي) صاحب كتاب الغايات والوسائل حين قال: إن الإنسان في دور الفطرة لم يكن يعرف الحرب على نظامها المعروف بين أصحاب الحضارة، فإن الرجل الذي يحارب ليس بأبشع ولا أقسى من الرجل الذي يقتل بعد تدبير وإصرار؛ ولعله أقل بشاعة وقسوة لأنه يقتل وهو مهتاج مستثار بما يثير الجنود في حومة الصراع. إلا أنني أومن بما تواترت به الآراء عن قلة الضراوة بين الأحياء التي تعيش على الفطرة في حالة التبدي والسهولة، فإن ذلك معناه أن الحرب آفة قابلة للعلاج في زمن من الأزمان، وأنها متى بطلت أسبابها الأولى ووضحت أضرارها الجسام وكثر المصابون بتلك الأضرار خفيت من عالم الإنسان المتحضر كما خفيت من عالم الإنسان الفطري أو من عالم الحيوان

وربما لاح عجيبا للمصريين أن يعلموا أنهم أول أمة في العالم قد اخترعت (فن الحرب) على النظام المعروف؛ فقبل الحضارة المصرية لم تكن حرب منظمة ولا تعبئة مدروسة ولا حركات يتعلمها القادة كما يتعلم صناعته كل ذي صناعة محفوظة الأصول والقواعد؛ وإنما كانت هناك مشاجرات يدخل فيها استخدام السلاح ولا تعتمد في فنون التعبئة على نظام سابق. فما أعجب أن يكون المصريون الموادعون هم اسبق الأمم إلى اختراع فن القتال! وما أعظم ما في ذلك من دواعي التفاؤل عند أناس ودواعي التشاؤم عند آخرين! فأما التفاؤل فذاك لأن هذه العجيبة دليل على أن الحرب ضرورة معيشة في بعض حالات الحضارة الأولى، وليست بشهوة مقرونة بالوحشية التي تناقض الوداعة والمسالمة؛ وأما التشاؤم فذاك أن يقول القائل: هذا شأن الموادعين فكيف بالضراوة المقتحمين؟!

ومع هذا نقول ويقول هكسلي: إن علاج الحرب نفسي وليس باقتصادي على زعم الاشتراكيين أصحاب التفسير المادي للتاريخ، وإن المعيشة تابعة لحالة النفس قبل أن تكون الحالة النفسية تابعة للمعيشة. فهذب الرجل وأصلح من ذوقه وتفكيره ينتقل من منزل إلى منزل ومن حي إلى حي ومن كساد إلى كساد ومن طعام إلى طعام، وهكذا يكون العلاج لآفات الأمم في هذا الزمان

وقد وعدنا في المقال السابق أن نلم بأسباب الحرب الاقتصادية كما يراها مؤلف الكتاب. فأهمها وأسبقها تاريخا في نظره هو التماس المرعى الخصيب وانتزاعه من أيدي مالكيه؛ ثم تبدل هذا الباعث في زماننا فحل التماس الأسواق محل التماس المرعى الخصيب، وأدى التماس الأسواق إلى إنشاء المصانع في البلاد المستعمرة فقام النزاع بين المصالح في أيدي الأقوياء والضعفاء على السواء ومن أهم أسباب الاقتصادية معامل السلاح ونفوذ المنتفعين بترويج الأسلحة بين المتحاربين. وليس من العلاج الناجع في رأي هكسلي أن تستولي الحكومات على هذه المعامل فتبطل الدعاية للحروب، لأن الحكومات تحتاج إلى المال كما تحتاج إليه الشركات؛ ويزيد على المشكلة مشكلة جديدة وهي أن الحكومات أقوى على الجملة من الشركات

ويمضي الكاتب في سرد أمثال هذه الأسباب مجتهدا في إبراز غرضه الأصيل من كتابة الكتاب وهو تغليب العوامل النفسية على العوامل الاقتصادية وتوجيه الأذهان إلى ابتغاء العلاج الأدبي مع العلاج الاقتصادي في وقت واحد. وخلاصة العلاج الأدبي ترجع بنا إلى مذهب كمذهب أهل الهند أو مذهب المتصوفة القائلين بأن عظمة الإنسان على مقدار استغنائه عن قيود اللذات والشهوات وقيود الأوجاع والهموم، وأن المثل الأعلى في التربية هو الترفع عن الحاجات وليس الخضوع لها والانقياد لغوايتها. أما خلاصة العلاج الاقتصادي فهي العناية بالوسائل الزراعية التي يجريها الدكتور ولكوكس صاحب كتاب (الأمم تعيش على مواردها الداخلية)؛ وفحواها أن الأمة بالغا ما بلغ عدد سكانها قادرة على استخراج طعامها من أرضها إذا هي عمدت إلى تطبيق بعض الأساليب العلمية التي حققها بالتجربة المشهودة. ويتوقع هكسلي أن طريقة ولكوكس ومثلها طريقة الأستاذ جريك في كليفورنيا ستحدثان في العالم انقلابا شاملا لا يذكر إلى جانبه انقلاب الصناعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلا كما تذكر التوافه واللمم في معرض الأخبار الجسام

وجميع هذه الخلاصات إنما هي فهرس للعناوين يشوق من يعنيه الأمر إلى المراجعة والاستقصاء. فإذا راجع واستقصى علم أن الجزاء أكبر من العناء، وأن من مباحث الزراعيين في عصرنا هذا ما يلذ القارئ كما يلذه البحث في الأدب والفن والفلسفة وأصول العقائد وقوانين الاجتماع، فلا سبيل إلى علاج عالمي يعصف بآفات القرون الأولى ويحيط بعواملها الفكرية والشعورية ما لم يكن مصحوبا بدراسة هذه الشؤون

عباس محمود العقاد