مجلة الرسالة/العدد 229/بين القاهرة واستنبول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 229/بين القاهرة واستنبول

مجلة الرسالة - العدد 229
بين القاهرة واستنبول
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 11 - 1937


للدكتور عبد الوهاب عزام

1 - دمشق

يا صديقي صاحب الرسالة

أحسبك رأيت من قبلُ دمشق فآنقك مرآها، ونفحتك ريّاها، وآنستك ذكراها، ودارت بك منازهها وطرقها بين الماضي المجيد، والحاضر المجهود، والمستقبل المنشود. ولعلك أشرفت من قاسيون على البلد الجميل تحيط به الحدائق الشجراء متصلة بين المُزة والغوطة فسرحت الطرف والقلب في مرأى جميل ومنظر بهيج. ولا ريب رأيت بَرَدَى يتبطن الوادي، ويتسنم الجبل، وينسرب في شرايين المدينة فيسري في دورها ومساجدها وحماماتها وشوارعها، وتسمع أحياناً خريره في جوف قناة أو جدار لا تتبين مأتاه ومذهبه. ومن قبلُ قال ياقوت:

(فقلّ أن تمرّ بحائط إلا والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يشرب منه، ويستقي الوارد والصادر. وما رأيت بها مسجداً ولا مدرسة ولا خانقاها إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان، ويسحّ في ميضته)

وأحسبك يا أخي مررت بمعاهدها فأحسست وقدة بين الضلوع، أو طرحت كما يقول البحتري ثقلا من الدموع

أدخلت إلى الجامع الأموي من باب جيرون ورأيت في الطريق المفضية إلى الباب صفا من العمد العادية، وتمثلت القرون تنسخ القرون، والعصور تحطم العصور، وولجت الباب العظيم إلى الصحن الفسيح فالتفت إلى شمالك فرأيت صور الدور والأشجار والأنهار مصورة بالفسيفساء منذ عهد الوليد. ثم ملت إلى اليمين فدخلت الجامع تروعك العمد العالية الضخمة تمتد في صفوف مديدة، ورأيت أمام القبلة قبة النسر الشامخة تزهى بما أشرفت على التوحيد في محرابه، وأظلت الحق في جماله وجلاله

وما أحسبك رقيت في المنارة الشرقية، وشهدت في مرتقاك حجرة يقال إن الغزالي كان يعتكف فيها، ثم بلغت القمة بعد جهد فجمعت أمامك المدينة، وزويت الأرض كأنك تطالع منها صورة في رقعة فقلت: صعدت في قمة التاريخ مأذنة ... لها من الحق والتاريخ أحجار

فإذا تركت الجامع الكبير فهناك مشاهد أخرى عظيمة، وذكريات جليلة

- هل مررت بالرجل الصالح نور الدين محمود ثم البطل المجاهد صلاح الدين يوسف؟ هل وقفت على ابن أيوب فقلت:

فيا لك قبراً على قربه ... تظل العقول به في سفر

ويالك قبراً كعين البصي ... ر يحوي العوالم منها صِغر

وهناك المدرسة العادلية وبها المجمع العلمي اليوم، والمدرسة الظاهرية حيث ضريح الملك الظاهر بيبرس وبها دار الكتب، ودار الحديث الأشرفية وكان من نزّالها العالم التقي الذي لم تأخذه في الحق رغبة ولا رهبة محيي الدين النواوي. ولا تزال حجرته بها معروفة. ويقول بعض المحدثين ولعله ابن حجر:

وفي دار الحديث لطيف معنى ... أطوفّ حول مغناه وآوي

لعلي أن أصيب بحُرّ وجهي ... مكاناً مسّه قدم النواوي

وهل صعَّدت في الصالحية إلى ضريح محيي الدين بن عربي أم نفرت من هذا الشيخ الغريب واللغز العجيب؟ على أن بجانبه بطلاً من أبطال الجهاد وسيفاً من سيوف الجلاد: الأمير عبد القادر الجزائري. وإن أردت مزار الرجل العالم الصالح الصوفي الشاعر ذي المناقب الحميدة وصاحب التأليفات الكثيرة الشيخ عبد الغني النابلسي فليس بعيداً من ضريح محيي الدين تسلك إليه طريقاً مقفرة بها مدارس دارسة، منها المدرسة القمرية

فإذا صعدت في الصالحية فهناك من الآثار ما يشق تعداده: مدارس ومساجد ومستشفيات، وهناك جامع الحنابلة الذي قرأ به الذهبي وابن قدامة وغيرهما من كبار العلماء، والمدرسة الضيائية وكانت تحفظ بها خطوط كبار المحدثين وهي اليوم كتَّاب، حتى ينتهي الصعود إلى مقبرة الصالحية حيث قبر محمد بن مالك النحوي في قبور كثيرة للعلماء والكبراء

وفي أطراف المدينة مشاهد كثيرة للصحابة فمن بعدهم. ولا تنس وقفة على قبر بلال في مقبرة الباب الصغير لترى الأذان مضمراً في كتابه، وتسمع الصوت مكنوناً في نايه، بل تسمعه جهيراً مدوّياً يملأ الفضاء، ويبلغ عنان السماء (كالخط يملأ مسمعي من أبصرا) أو كإشارات الموسيقى خطوط في البصر، ونغمات في الأذن، ووجْد في القلب. وهل الأذان في المشرق والمغرب إلا صوت بلال مردداً قد بقي في القبة الزرقاء صدى توالت رُواته واتصلت نغماته؟

وهل جُلْتَ في الغوطة تحنو عليك أشجارها، وتترقرق عليك ظلالها، وتطالعك من بين الغصون شمسها، وتتمادى بك مسالكها بين الزروع والأشجار:

سقى الله أرض الغوطتين وأهلها ... فلي بجنوب الغوطتين شجون

وهناك ضريح سعد بن عبادة قد اعتزل الناس في مماته، كما اعتزلهم في آخر حياته:

وهل سرت إلى دوما ومررت بجَوبَر فذكرت قول القائل:

إذا افتخر القيسي فاذكر بلاءه ... بزرّاعة الضحاك شرقي جوبرا

أو قول الأمير شكيب أرسلان في الصديق الأديب الشاعر خليل مردم بك:

(وإليه تجبى جوبر وكنيسها)

يا أخي وكيف تجيش الفِكَر وتنبع الذِكَر حين يقترب المسافر من المدينة الخالدة فيلقى نضارتها ويجد رَوحها عند الهامة. فإذا أجاز إلى دُمّر فهناك برَدى عن اليمين والشمال متدفقاً في ظلال الأشجار - أشجار الحور الباسقات - ولله مجلس على بردى تذوب في مائه النظرات، وتتساقط عليه من الحور نغمات. فإذا بلغت الشاذروان فَغَمَك عَرف دمشق، وشممت أخلاطاً من الروائح الطيبة أمدّت بها الأشجار والأعشاب، روائح يعجز عنها الوصف إلا أن يسميها (نفحات دمشق). وهل جلست بالربوة فسمعت المعجبين بها يقولون: إنها الربوة التي ذكرها القرآن الكريم في قوله: (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) هناك بَردَى سبعة أنهر تجري في الوادي وعلى الصدفَين وفوق الجبل. ويخر من نهر يزيد - وهو فوق الجبل لا يرى - شلال على الربوة لا يمل الشاهد مرآه ومسمعه

أما أنا يا أخي فلست أملّ التردّد بين دمشق ودّمر أجد هناك جمالاً لا يحد، وسحراً لا ينفد. وقد رُدت هذه المشاهد مرات، ورأيت لها في القمراء آيات؛ يتمعّج بنا الوادي بين الجبال والأشجار، ومياه بردى تسيل بها ربوة أو يوسوس بها ثعب، أو يتغنى بها بستان، فلا تفتأ تسمع منه حديثاً يؤلّف مع حفيف الريح موسيقى هذا الجمال الفتان، والوادي يدور بنا دوراته، والقمر يلاعبنا بطلعاته، عن اليمين والشمال وأمام وخلف. وللقلب بين ذلك مضطرَب، وللشعر مذهب أيّ مذهب. كان يخيل إليّ أن هذه المياه الثرثارة حُزَم من الأشعة، وأن أشعة القمر رشاش من بردى، وأن هذا النسيم المعطر مزيج من الماء والضياء ينضح وجوه السابلة: شعر تفيض به الأرض والسماء، وسحر ينفثه الماء والهواء، وإلهام يفيض به الجنان، ويعجز عنه البيان

يا صديقي قد صدق البحتري إذ قال:

إذا أردت ملأت العين من بلد ... مستحسن وزمان يشبه البلدا

يُمسي السحاب على أجبالها فرقاً ... ويُصبح النبت في صحرائها بددا

فلست تبصر إلا واكفاً خضلا ... أو يانعاً خِضراً أو طائراً غرِدا

دمشق 22 تموز 1937

عبد الوهاب عزام