مجلة الرسالة/العدد 229/الكميت بن زيد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 229/الكميت بن زيد

مجلة الرسالة - العدد 229
الكميت بن زيد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 11 - 1937


شاعر العصر المرواني

للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

- 3 -

وقد كان لهذه القصائد في نصرة أهل البيت وتأليب الناس على بني مروان أثرها في النفوس، حتى لهج بها الخاصة والعامة، وصار الناس يتقربون إلى الله والرسول بحفظها وتلاوتها ويتناقلون في ذلك رؤى عن النبي ﷺ، كان الكميت يرى بعضها، وكان غيره يرى بعضاً آخر منها، فارتفعت بهذا منزلة الكميت وعلت درجته بين قومه بني أسد حتى كانوا يعدونه من مفاخرهم، ويقولون: فينا فضيلة ليست في العالم، ليس منزل منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت، لأنه رأى النبي ﷺ في النوم، فقال له أنشدني:

طَرِبتُ وما شوقاً إلى البيض أطْرَبُ

فأنشده فقال له: بوركت وبورك قومك

ويروي من طريق آخر أنه رأى النبي ﷺ في نومه وهو مختف بعد أن هرب من سجن بني مروان فيما سنذكره من سيرته، فقال له النبي ﷺ: مم خوفك؟ فقال: يا رسول الله من بني أمية، وأنشده:

ألم ترني من حُبِّ آل مُحمدٍ ... أروح وأغْدُو خائفاً أترقّبُ

فقال له النبي ﷺ: اظهر فإن الله قد أمنك في الدنيا وفي الآخرة

وحدث إبراهيم بن سعد الأسدي قال: سمعت أبي يقول: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقال: من أي الناس أنت؟ قلت: من بني أسد، قال: من أسد بن خزيمة؟ قلت: نعم، قال: أهلالي أنت؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الكميت بن زيد؟ قلت: يا رسول الله عمي ومن قبيلتي، قال: أتحفظ من شعره شيئاً؟ قلت: نعم، قال أنشدني:

طَرِبتُ وما شوقاً إلى البيض أطْرَبُ

قال: فأنشدته حتى وصلت إلى قوله: فما لِيَ إلا آل أحمد شيعةً ... وما لِيَ إلاَ مشْعَب الحق مشعب

فقال لي: إذا أصبحت فاقرأ عليه السلام، وقل له قد غفر الله لك بهذه القصيدة

وحدث نصر بن مزاحم المنقري أنه رأى النبي ﷺ في النوم ورجل بين يديه ينشده:

مَنْ لقلبٍ مُتيَّمٍ مستهامِ

قال: فسألت عنه، فقيل لي: هذا الكميت بن زيد الأسدي، قال: فجعل رسول الله ﷺ يقول: جزاك الله خيراً وأثنى عليه

وإذا كان الكميت قد نصر بشعره أهل البيت هذا النصر الذي كان له هذا الشأن، فإنه وهو الشاعر العالم لم يكن يتجاوز تأييدهم باللسان إلى تأييدهم بالفعل، وكان شأنه في هذا شأن القعدة من الخوارج كعمران بن حطان الشاعر وغيره، ولا غرابة في أن يكون للشيعة قعدة كما كان للخوارج قعدة، بل إن قعدة الشيعة كانوا أكثر من قعدة الخوارج لأخذ الشيعة بالتقية. وقد روى أبو الفرج الأصبهاني أنه لما خرج زيد بن علي كتب إلى الكميت: أخرج معنا يا أعيمش، ألست القائل:

ما أُبالي إذ أحفظتُ أبا لقا ... سم فيكم ملاَمةَ الُّلوَّامِ

فكتب إليه الكميت:

تجودُ لكم نفسي بما دونَ وَثْبَةٍ ... تظلُّ لها الغربانُ حوليَ تحجلُ

ولم يكن هذا منه يغضب أهل البيت عليه، بل كانوا هم أيضاً يضنون على نفسه ضنه عليها، ويحبون أن يبقى لهم بشعره الذي يفعل في هدم بني مروان ما لا يفعله بالسيف غيره

وكان على العراق في هذا العهد خالد بن عبد الله القسري، وعلى عرش بني مروان هشام بن عبد الملك، وقد اضطربت الروايات في وصول خبر الكميت وأشعاره إلى هشام اضطراباً كبيراً، فلنسق هذه الروايات المضطربة، ثم نأخذ بعد هذا في نقدها والترجيح بينها

قال أبو الفرج الأصبهاني: كان خالد بن عبد الله القسري فيما حدثني به عيسى بن الحسين الوراق قال: أخبرنا أحمد بن الحارث الفزاري عن ابن الأعرابي، وذكره محمد بن أنس السلامي عن المستهل ابن الكميت، وذكره ابن كناسة عن جماعة من بني أسد أن الكميت أنشد قصيدته التي يهجو فيها اليمن وهي:

ألا حُيِّيتِ عنا يا مدينا

فأحفظته عليه، فروى جارية حسناء قصائده الهاشميات، وأعدها ليهديها إلى هشام، وكتب إليه بأخبار الكميت وهجائه بني أمية وأنفذ إليه قصيدته التي يقول فيها:

فيا ربِّ هل إلاَّ بك النصر يُرْتجَى ... ويا ربِّ هل إلاَّ عليك المعوَّلُ

وهي طويلة يرثي فيها زيد بن علي وابنه الحسين بن زيد (كذا) ويمدح بني هاشم، فلما قرأها أكبرها وعظمت عليه واستنكرها، وكتب إلى خالد يقسم عليه أن يقطع لسان الكميت ويده، فلم يشعر الكميت إلا والخيل محدقة بداره، فأخذه وحبس في المحبس. وكان أبان بن الوليد عاملاً على واسط، وكان الكميت صديقه، فبعث إليه بغلام على بغل وقال له: أنت حر إن لحقته والبغل لك، وكتب إليه: قد بلغني ما صرت إليه وهو القتل إلا أن يدفع الله عز وجل، وأرى لك أن تبعث إلي حبي - يعني زوجة الكميت وهي بنت تكيف بن عبد الواحد وهي ممن يتشيع أيضاً - فإذا دخلت إليك تنقبت نقابها ولبست ثيابها وخرجت، فإني أرجو ألا يؤبه لك

فأرسل الكميت إلى أبى وضاح حبيب بن بديل وإلى فتيان من بني عمه من مالك بن سعيد، فدخل عليه حبيب فأخبره الخبر وشاوره فيه فسدد رأيه، ثم بعث إلى حبي امرأته فقص عليها القصة وقال لها: أي ابنة عم، إن الوالي لا يقدم عليك ولا يسلمك قومك، ولو خفته عليك لما عرضتك له، فألبسته ثيابها وإزارها وخمرته وقالت له: أقبل وأدبر، ففعل، فقالت: ما أنكر منك شيئاً إلا يبساً في كتفك، فاخرج على اسم الله، وأخرجت معه جارية لها، فخرج وعلى باب السجن أبو وضاح ومعه فتيان من أسد فلم يؤبه له، ومشى الفتيان بين يديه إلى سكة شبيب بناحية الكناس، فمر بمجلس من مجالس بني تميم، فقال بعضهم: رجل ورب الكعبة، وأمر غلامه فأتبعه، فصاح به أبو وضاح يا كذا وكذا لا أراك تتبع هذه المرأة منذ اليوم، وأومأ إليه بنعله فولى العبد مدبراً، وأدخله أبو وضاح منزله

ولما طال على السجان الأمر نادى الكميت فلم يجبه، فدخل ليعرف خبره، فصاحت به المرأة: وراءك لا أم لك. فشق ثوبه ومضى صارخاً إلى باب خالد فأخبره الخبر، فأحضر حبي فقال لها: يا عدوة الله احتلت على أمير المؤمنين وأخرجت عدوه. لأمثلن بك ولأصنعن ولأفعلن، فاجتمعت بنو أسد إليه وقالوا: ما سبيلك على امرأة منا خدعت؟ فخافهم فخلى سبيلها

قال: وسقط غراب على الحائط فنعب فقال الكميت لأبي وضاح: إني لمأخوذ، وإن حائطك لساقط، فقال له: سبحان الله! هذا ما لا يكون إن شاء الله، فقال له: لابد من أن تحولني، فخرج به إلى بني علقمة وكانوا يتشيعون، فأقام فيهم ولم يصبح حتى سقط الحائط الذي سقط عليه الغراب

قال ابن الأعرابي قال المستهل: وأقام الكميت مدة متوارياً حتى إذا أيقن أن الطلب قد خف عنه خرج ليلاً في جماعة من بني أسد على خوف ووجل، وفيمن معه صاعد غلامه، فأخذ الطريق على القطقطانة وكان عالماً بالنجوم مهتدياً بها، فلما صار سحيراً صاح بنا: هوِّموا يا فتيان، فهوَّمنا وقام يصلي، قال المستهل: فرأيت شخصاً فتضعضعت له، فقال: ما لك؟ قلت: أرى شيئاً مقبلاً، فنظر إليه فقال: هذا ذئب قد جاء يستطعمكم، فجاء الذئب فربض ناحية فأطعمناه يد جزور فتعرقها، ثم أهوينا له بإناء فيه ماء فشرب منه وارتحلنا، فجعل الذئب يعوي، فقال الكميت: ما له ويله؟ ألم نطعمه ونسقه؟ وما أعرفني بما يريد! هو يعلمنا أنا لسنا على الطريق: تيامنوا يا فتيان، فتيامنا، فسكن عواؤه، فلم نزل نسير حتى جئنا الشام فتوارى في بني أسد وبني تميم. وأرسل إلى أشراف قريش وكان سيدهم يومئذ عنبسة بن سعيد بن العاص، فمشت رجالات قريش بعضها إلى بعض وأتوا عنبسة فقالوا: يا أبا خالد هذه مكرمة قد أتاك الله بها. هذا الكميت بن زيد لسان مضر، وكان أمير المؤمنين كتب في قتله فنجا حتى تخلص إليك وإلينا. قال فمروه أن يعوذ بقبر معاوية ابن هشام بدير حنيناء، فمضى الكميت فضرب فسطاطه عند قبره، ومضى عنبسة فأتى مسلمة بن هشام فقال له: له يا أبا شاكر مكرمة أتتك، بها تبلغ الثريا إن اعتقدتها، فإن علمت أنك تفي بها وإلا كتمتها، قال: وما هي؟ فأخبره الخبر، وقال: إنه قد مدحكم عامة وإياك خاصة بما لم يسمع بمثله، فقال: عليّ خلاصه فدخل على أبيه هشام وهو عند أمه في غير وقت دخول، فقال له هشام: أجئت لحاجة؟ قال: نعم، قال: هي مقضية إلا أن يكون الكميت فقال: ما أحب أن تستثني علي في حاجتي، وما أنا والكميت! فقالت أمه: والله لتقضين حاجته كائنة ما كانت، قال: قد قضيتها ولو أحاطت بما بين قطريها، قال: هي الكميت يا أمير المؤمنين، وهو آمن بأمان الله عز وجل وأماني، وهو شاعر مضر، وقد قال فينا قولا لم يقل، قال: قد أمنته وأجزت أمانك له، فاجلس له مجلساً ينشدك فيه ما قال فينا. فعقد له وعنده الأبرش الكلبي، فتكلم بخطبة ارتجلها ما سمع بمثلها قط، ومدحه بقصيدته الرائية، ويقال إنه قالها ارتجالاً وهي قوله:

قِفْ بالديار وقوفَ زائِرْ

فمضى فيها حتى انتهى إلى قوله:

ماذا عليك مِنَ الوقو ... ف بها وإنك غيرُ صاغِرْ

درجتْ عليها الغاديا ... تُ الرائحاتُ من الأعاصر

وفيها يقول:

فالآنْ صرتُ إلى أُمَيَّ ... ةَ والأمورُ إلى المصاير

وجعل هشام يغمز مسلمة بقضيب في يده فيقول: إسمع إسمع، ثم استأذنه في مرثية ابنه معاوية فأذن له فأنشد قوله:

سأبكيك للدنيا وللدين إنَّني ... رأيت يد المعروف بعدك شُلَّتِ

أدامتْ عليك بالسلام تحيةً ... ملائكةُ الله الكرامُ وصلَّتِ

فبكى هشام بكاء شديدا، فوثب الحاجب فسكته، ثم جاء الكميت إلى منزله آمناً فحشدت له المضربة بالهدايا، وأمر له مسلمة بعشرين ألف درهم، وأمر له هشام بأربعين ألف درهم، وكتب إلى خالد بأمانه وأمان أهل بيته، وأنه لا سلطان له عليهم. وجمعت له بنو أمية فيما بينها مالا كثيراً، وودع هشاماً وأنشده قوله فيه:

ذكر القلبُ إلْفَهُ المذكورَا

وهذه هي الرواية الأولى فيما كان بين الكميت وخالد بن عبد الله وهشام بن عبد الملك بسبب تلك القصائد السابقة

عبد المتعال الصعيدي