مجلة الرسالة/العدد 229/أبو الفرج الببغاء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 229/أبو الفرج الببغاء

مجلة الرسالة - العدد 229
أبو الفرج الببغاء
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 11 - 1937


للأستاذ عبد العظيم علي قناوي

- 4 -

أهلَّ أبو الفرج الببغاء في أعقاب عصر، وفي طلائع عصر آخر؛ أما العصر الأول فكانت الكتابة فيه جزلة مرسلة، تسير ذللاً لا أمت فيها ولا عوج، وترسل طبيعية لا تعمل فيها ولا تكلف، لا يلتفت الكاتب إلى غير المعنى الواضح الناصع في اللفظ المحكم والنسج المبرم؛ فقد كانت الأمة حينئذ - أواخر دولة بني أمية وأوائل دولة بني العباس - لا يزال بها رسيس من بداوة، وكتابها لا يفتأون ناهجين في أساليبهم نهج العروبة الخالصة، لم تشبها كدرة العجمة. ومن كان منهم أعجمي التفكير فإنه عربي قح في التعبير، ومن أريدت له من أبناء العجم - وما أكثرهم - المنزلة الرفيعة والحظوة المكينة لدى رجالات عصره وسراة دولته، فأداته الأولى حذق العربية والتبحر فيها، وممارسة الأدب والبراعة فيه، والاحتفال له، واتخاذ صناعة الكتابة وسيلة زلفاه، وسبب علياه، والمشرع الذي يشرعه لا يحلّئُه عنه أحد، ولا يذوده دون وروده ذائد؛ هو شدو اللغة بين بدوها، ينهل من قطرها ونبعها. ولقد كان أرباب السلطان يهيبون بمن يتخيلون فيهم مخايل الفطنة والموهبة والذكاء والنبوغ أو يتوسمون منهم فوقاً وحذقاً وبراعة ونبلاً؛ يهيبون بهم أن يهبطوا أول أمرهم في البادية تشرق فيها قرائحهم عن أفكار صافية، وتجري ألسنتهم على الألفاظ السليمة الخالصة، ثم يعوجوا إلى رهط الحضر يعبُّون من أخيلته السامية، ويعلُّون من معارفه الزاخرة، ولم تكن الفارسية قد زحمت العربية إلا بقَدر، والعجمة لا تزال محدودة البيئة والوطن؛ لأن كلتا الدولتين الغاربة والشارقة، أو الأموية والعباسية إبان ذلك تبغي مأرباً واحداً؛ فالأولى تريد لعرشها نهوضاً ولملكها رسوخاً، على ظبات الرماح وعلى أسلات اليراع؛ والأخرى تطلب لنجمها الصاعد سطوعاً وتبني ملكاً ثابت الأساس، فرجالهما في حاجة إلى من يملك أسماع جمهور العامة بفصاحته الضَّافية، ويخلب ألباب قارئيه من الخاصة ببلاغته الصافية؛ وما حديث عبد الحميد الكاتب إلا شاهد ما نقول من أن دولة الكتابة كانت - ولا تزال - عماداً قوياً لدولة السياسة

قام أبو مسلم الخراساني بالدعوة العلوية أو العباسية وظهر في كثير من الأقاليم، وذاع أمره واستشرى خطبه، فأراد عبد الحميد أن يحاربه بكتبه لا بكتائبه، وأن يأسره بلسانه لا بسنانه، فكتب إليه على لسان مولاه مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية كتاباً يستصفيه وده ويستخلصه إليه، وقال لمولاه: قد كتبت كتاباً متى قرأه بطل تدبيره؛ فإن يك ذلك وإلا فالهلاك. ولكن أبا مسلم داهية الفرس ودهقانها وقائد خراسان ومحنكها لم يكن بالغر يلعب بعقله الأدب، وتشغله عن واجبه الكتب، فلم يعبأ بالكتاب ولا بالاه، بل أمر بإحراقه وتركه تذروه الرياح، وكتب على قطعة منه إلى مروان:

محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كل جانب

في أعقاب عصر عبد الحميد وابن المقفع وأضرابهما وفي طلائع العصر الثاني الذي تحوّل فيه حال الكتابة وتبدل أمرها؛ إذ طغى العجم على العرب واستهتر الكتاب بالمجون والخلاعة، وصّيروا الكتابة أداة من أدوات اللهو، وسبباً من أسباب الدعة، وجعلوا لها من الأغراض ما للشعر وزيادة، أهلَّ أبو الفرج، وعلى لوائها أبو الفضل بن العميد، وقد فُتن ومن لاحقه باللفظ المبهرج والأسلوب المزخرف، فالعبارات موشحة مرصعة، والفقرات مجنسة مطبقة، وأنواع البديع في الكتابة كزهر الربيع إلا أنها لا تجيء عفو الخاطر أو ربيبة القريحة كما كانت قبلا، بل تأتي بكد ذهن وعصر مخ وإعمال فكر؛ أما المعنى فكانت له لدى كتاب هذا العصر المنزلة الدنيا، فالأفكار ضيقة، والأخيلة محصورة محدودة؛ لذلك سرى في الكتابة روح غير روحها الأول، وسار الكتاب وئيداً إلى غير النهج الأمثل. على أن ابن العميد ولداته ومنهم أبو الفرج لم يغلوا غلواً ممقوتاً، ولا تطرفواِ تطرفاً ممجوجاً، فعل من أتى بعدهم ممن سار على دربهم، فلم يصلوا إلى ما وصل إليه أسلافهم، فقد كانت أخيلة ابن العميد فارسية في حلة عربية، وألفاظه زائنات معانيه، ومعانيه درر كشفت عنها ألفاظه. ولقد ضرب به المثل فقيل: (بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد) وكأني بصاحب هذا المثل يريد أن يكسف شموساً أشرقت من بعده وفي عهده، وأن يخسف بدوراً سطعت على كثبه لا فضل له عليهم إلا أن الدنيا لم تسر في ركابهم، والملك لم يقف على بابهم. وهذا أبو الفرج سرى على ضوئه وارتشف من نبعه حتى روي؛ وسار في عدوائه وضرب، حتى بلغ غاية المتأمل، ووصل إلى مرتبة المتفضل. وسأعرض قطعة من غرر نثر ابن العميد ترسل إلينا قبساً من سناه، وتكشف لنا عن سمو نثره وعلاه، ثم أقدم بين يدي القارئ الكريم أخريات لأبي الفرج، وأترك الحكم للحاذق الفهم. ولا أظن أن الببغاء قصر كثيراً عن رئيس الكتاب سوى أن الدنيا أقبلت على الرئيس ابن العميد فمنحته محاسن غيره، وسلبت غيره محاسنه وأولته مثالب ومساوئ

كتب ابن العميد إلى أبي العلاء السرويّ وهو من أصفى خلصائه فالكتابة إليه في نهاية الجودة كما يقول الثعالبي (لصدوره عن صدر مائل إليه محب له مناسب بالأدب إياه) كتب إليه يشكو شهر رمضان وهو من الأغراض التي لم يحاك فيها سابقاً قال:

(كتابي - جعلني الله فداك - وأنا في كد وتعب منذ فارقت شعبان، وفي جهد ونصب من شهر رمضان، وفي العذاب الأدنى - دون العذاب الأكبر - من ألم الجوع ووقع الصوم، ومرتهن بتضاعف حرور لو أن اللحم يصلى ببعضها غريضاً أتى أصحابه وهو منضج، وممتحن بهواجر يكاد أوراها يذيب دماغ الضب، ويصرف وجه الحرباء عن التحنق، ويزويه عن التبصر يقبض يده عن إمساك ساق، وإرسال ساق:

ويترك الجاب في شغل عن الحقب ... ويقدح النار بين الجلد والعصب

ويغادر الوحش وقد مالت هواديها

سجوداً لدى الأرطى كأن رءوسها ... علاها صداع أو فواق يصورها

ومنها:

(وممنو بأيام تحاكي ظل الرمح طولاً، وليال كإبهام القطاة قصراً، ونوم كلا ولا قلة، وكحسو الطائر من دماء الثماد دقة، وكتصفيقة الطائر المستحر خفة. .

كما أبرقت قوماً عطاشا غمامة ... فلما رجوها اقشعت وتجلت

(و)

كنقر العصافير وهي خائفة ... من النواطير يانعَ الرطب)

وهي طويلة وفيما قدمنا منها غنية عما تركنا. وقد جلت لنا طريقته في الكتابة التي سلكها من عاصره ومن تابعه. ونعرض صوراً متنوعة من كتابة أبي الفرج علنا نؤدي واجبه كاملا دون تحيف أو تزيد

هنأ ممدوحه سيف الدولة بظفره في إحدى وقائعه فقال من كتاب طويل:

والشجاعة أقل أدواته، والبلاغة أصغر صفاته، تطرق الدنيا إذا نطق، وينطق المجد إذا افتخر، فالآمال موقوفة عليه، والثناء أجمع مصروف إليه، نهض بما قعدت همم الملوك عن ثقله، وضعف الدهر عن معاناة مثله، بهمم سيفية، وعزائم علوية، فرد شمل الدين جديداً، وذميم الأيام حميداً، بحق أوضحه، وخلل أصلحه، وهدى أعاده، وضلال أباده

فلا انتزع الله الهدى عز بأسه ... ولا انتزع الله الوغى عز نصره

وأحسن عن حفظ النبي وآله ... ورعى سوام الدين توفير شكره

فما تدرك المداح أدنى حقوقه ... بإغراق منظوم الكلام ونثره

لأن أدنى نعمة تستغرق جميع الشكر، وأيسر منة تفوت المبالغة في جميل الذكر، فأما هذا الفتح الشريف خطره، الحميد أثره، المشهور بلاؤه، الواجب ثناؤه، الباسق فرعه، العام نفعه، فأشرف من أن يحد بالصفات، أو يعد بأفصح العبارات)

وله من أخرى فيه أيضاً:

(شهاب ذكاء، وطود وفاء، وكعبة فضل، وغمامة بذل، وحسام حق: ولسان صدق، فالليالي بأفعاله مشرقة، والأقدار لخوفه مطرقة، تحمده أولياؤه، وتشهد له بالفضل أعداؤه

يقابلنا البدر من برده ... ويشملنا السعد من سعده

ولو فخر المجد لم تلقه ... فخوراً بشيء سوى مجده)

ولما مات سيف الدولة ولي نعمته كتب إلى عُدَّة الدولة يذكر له رغبته في خدمته وأن يطوي باقي أيام حياته تحت رحمته قال:

(ومن أبرز لسيدنا صفحة رجائه، ووفق للانقطاع إلى سعة نعمائه، فقد استظهر لما بقي من عمره، وحكم لنفسه بالفوز على دهره

فما يقدح الفقر في حاله ... ولا يطمع الدهر في قصده

وكيف وقد صار ضيف الغما ... م وهو قريب على بعده

ومن علقت بأبي تغلب ... يداه احتذى البدر من سعده

همام قضى الله من عرشه ... له بالإمارة في مهده

فطود السيادة في دسته ... وشمس الرياسة في برده)

وقد أجاب الأمير مسألته، وأناله مألكته، فكتب إليه من رسالة طويلة:

(أفصح دلائل الإقبال، وأصدق براهين السعادة - أطال الله بقاء سيدنا - ما شهدت العقول بصحته، ونطقت البصائر بحقيقته، ونعمة الله تعالى على الدين والدنيا بما أولاهما من اختيار سيدنا لحراستهما بناظر فضله، وسترهما بظل عدله، مفصحة بتكامل الإقبال، مبشرة بتصديق الآمال)

وفيها:

(للصدق كلامه، وللعدل أحكامه، وللوفاء ذمامه، وللحسام عناؤه، وللقدر مضاؤه، وللسحاب عطاؤه:

دعوته فأجابتني مكارمه ... ولو دعوت سوى نعماه لم تجب

وجدته الغيث مشغوفاً بعادته ... والروض بجنى بما في عادة السحب

لو فاته النسب الوضاح كان له ... من فضله نسب يغني عن النسب

إذا دعته ملوك الأرض سيدها ... طراً دعته المعالي سيد العرب)

هذه فقر مشرقة الديباجة مزهرة الرقعة، انتظمت الحسن كله، وضمنت الجمال جميعه، فهي على - حد تعبيرنا الحديث - الشعر المنثور، أو النثر المنظوم، والدر المنضود، أو السحر المرسوم أوحى به عقل أبي الفرج، وجرى به خاطره، فسجله الزمان في كتبه؛ وما استعرضناه من نثره يبيح لنا أن نقول:

إنه كان مغرماً بالسجع القصير الفقر الموشي الحبر، فالجناس يزينه، والطباق يجمله، هذا إلى الاستشهاد بالأمثال السائرة والأبيات الشاردة

وإني أرجو أن أكون قد وفيت ما إليه قصدت من تفصيل حياة رجل غمر غمره التاريخ وطواه. فإن أكن قد بلغت فللرسالة أكبر الفضل، وإلا فعلى رمضان بعض العتب، وما توفيقي إلا بالله قصرت أو أوفيت

عبد العظيم على قناوي