مجلة الرسالة/العدد 202/ضوء جديد على الدين الدرزي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 202/ضوء جديد على الدين الدرزي

مجلة الرسالة - العدد 202
ضوء جديد على الدين الدرزي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 17 - 05 - 1937


الحياة والمعيشة الدرزية

للأستاذ محمد خالد ظاظا

يقول الأستاذ (عنان) إن كافة الرواة أجمعوا على أن الحاكم ذهب (ضحية المؤامرة والجريمة المدبرة) مع أن أنصار الحاكم ومؤيدي مذهبه يدعون أن الحاكم ارتفع إلى السماء امتحاناً للمؤمنين ولم يقتل أبداً؛ وعن قريب سيعود من البلاد الصينية ومعه الجيوش الجرارة فيفتح هذه البلاد جميعها ويعيد الحالة إلى ما كانت عليه؛ وسوف لا يبقى إلا الديانة الدرزية الحقة. لأنه بحكم الواقع تلغي جميع الأديان عند قدومه. وهؤلاء المؤمنون نزحوا من البلاد المصرية وقطنوا البلاد الشامية في الجبال الشرقية منها، وأسسوا مدناً وقرى اشتهر منها السويداء ومجدل شمي وبعقلين. وقد كانت لهم هذه الجبال معاقل تصد عنهم غارة الأمم الفاتحة حتى أصبح يخشى بأسهم وشدتهم، ولم يختلطوا مع الأقوام السورية، بل تجنبوهم حتى أنهم لبثوا ليومنا هذا محافظين على تقاليدهم وعاداتهم برغم تطور الزمان وانقلاب السلطان، وبقيت هذه الديانة سراً مدفوناً إلى حين نشوب الثورة السورية في عام سنة 1926 فأذاعت من أسرارهم وديانتهم ما خفي طيلة هذه الأعوام الماضية. فالدروز ثاروا ودافعوا عن بلادهم وساهموا بقسط وافر من الوطنية، واضطروا بحكم الشدة أن يتركوا بلادهم تفعل بها نيران القنابل والمدافع فعلها، فلعبت الأيدي بكتبهم المقدسة وتراثهم المدفون وانتقلت هذه الكتب إلى أيدي الكثيرين

وقد أكد لي أحد رجال الدروز العقل أن كتابهم المقدس الذي يسيرون بموجبه ويتبعون أثره هو خلاصة عدة كتب مقدسة، أو بالأحرى خلاصة جميع الكتب الدينية ويزاد عليه بعض الحكم والنصائح. ويندر وجود هذا الكتاب عند كل درزي لأنه ينسخ ويخبأ عند رئيس الدين الأكبر لا يقرأ به إلا في الخلوة - أي الجامع. وكيفية قراءته أن الشيخ يجلس في صدر المكان ويلتف حوله السامعون بشكل حلقة مكتفي الأيدي، مطأطئي الرءوس والأبصار، خاشعي البصائر، يسمعون ما يقوله، ويفعلون ما يأمرهم به. ولا يدخل في هذه الخلوة إلا من استكملت به درجة الرجولة التامة، وبلغ مبلغ الرجال العقل، وهم بحسب ديانتهم ينقسمون إلى درجات ثلاث: الدرجة الأولى: الجهال وهؤلاء لا دين لهم ولا يعلمون شيئاً من أمور الديانة الدرزية، وهم على الأغلب دون الثلاثين

الدرجة الثانية: العقل ولا يصل الرجل منهم إلى هذه المرتبة إلا بعد أن يبرهن أمام القوم أنه أخلد للسكينة وترفع عن الأفعال الدنيئة. وعليه قبل أن يصبح عاقلا أن يحلق رأسه بالموسى ويترك لحيته تسترسل في نموها نحو الصدر وكلما طالت كان أجره عظيما، وثوابه جزيلا. وعلية أن يتعمم بالعمة البيضاء الكبيرة.

الدرجة الثالثة: الأجاويد، وهذه الطبقة هم الأكثر تقشفاً والأعظم أجراً، وهم رؤساء الديانة الدرزية ومشايخ المؤمنين الموحدين وبيدهم الأمر والنهي، فإذا ما وجدوا أمراً ساءهم من أحد العقل طردوه من الخلوة وأخذوا الدين منه. وبذلك يصبح المطرود لا دين له، فلا يحق لهم الجلوس معه ولا السلام عليه ولا الأكل والشرب قربه، يفر منه كل من يراه، حتى أن عائلته تنفر منه وتكرهه؛ وإذا مات في هذه الأثناء يموت مسلماً وتنتقل روحه إلى كلب أو نصراني أو يهودي أو أي حيوان آخر. وأما إذا مات درزياً ومعه الدين فينال الحسنات وتنتقل روحه إلى درزي آخر أو تذهب إلى بلاد الصين، وهناك تعيش قرب الحاكم بأمره والأخوان الصالحين. ويعتقد الدروز بالتقمص ويقولون أن الروح تنتقل من رجل إلى آخر كما أسلفنا.

والمرأة الدرزية حكمها في الدين حكم الرجل، ولها ثلاث درجات بخلاف مذهب النصيرية الذين يعطون للمرأة ديناً مطلقاً، والدين عندهم من خصائص الرجال دون النساء. والدروز لا صلاة ولا صوم مفروض عليهم، ولا يعرفون شيئاً من أنواع الطرب لأنها معدودة عندهم من المنكرات المحرمة في الدين. وأقسامهم المغلظة هي: بالنبي شعيب واليعفوري، والحدود الستة، والحكمة المقدسة.

وللنبي شعيب احترام عظيم في نفوسهم ولا يعتقدون إلا بنبوته دون كافة الأنبياء. وأما اليعفوري فهو أحد أوليائهم الصالحين ذوي الكرامات له مقام يقع بين قرية مسعدة وقرية مجدل شمي في القسم الجنوبي من سورية. ويقصده الدروز من أماكن بعيدةللتبرك به والدعاء له. ولعل أغرب ما في مذهبهم أنهم لا يتزوجون من المسلمين ولا يزوجون بناتهم منهم بحجة أنه يسمح للمسلم أن يتزوج بنصرانية أو يهودية، أو يحق لمن يدخل في الدين الإسلامي أن يتزوج مسلمة مهما كان شأنها، ولا يقبلون أحداً أن يدخل في دينهم مهما كان شأنه، ولا يسمحون لأحد منهم أن يترك دينه ويدخل في دين آخر وإن فعل ذلك عرض نفسه للقتل المحتم. وإذا خطفت فتاة منهم يتحرون عنها حتى يجدوها فيقتلون الخاطف والمخطوفة خوف إفشاء السر - هذا إذا علموا مكانهما.

والدروز ذو أجسام كبيرة وقامات طويلة ووجوه دموية يغلب عليهم الشجاعة، يسترون رؤوسهم بالعمائم الكبيرة البيضاء ويحتذون الزربول ويلبسون السروال والصدرية والعباءة ذات الأكمام القصيرة، ديانتهم عندهم إلى التقشف في كل شيء في الحياة رغبة في نوال الآخرة والجنة المعهودة.

وتحرم عليهم تعاطي المسكرات والملذات وشرب الدخان ومن فعل ذلك منهم يطرد كما أوضحنا سابقاً. وأما النساء فيتلثمن بالشاشة البيضاء ولا يظهرن من وجوههن إلا عيونهن ويرتدين الثياب الطويلة حتى الأرجل، والشرف هو الواجب الأول عندهن - وهن على العموم يتمسكن بأهداب الفضيلة وترك الرزيلة. . .

محمد خالد ظاظا