مجلة الرسالة/العدد 20/الشاعر روبنيول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 20/الشاعر روبنيول

مجلة الرسالة - العدد 20
الشاعر روبنيول
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 11 - 1933


كوميدية في فصل واحد

للكاتب الفرنسي بول برولا

قلت للشاعر والشا ... عر ذو سهم يطيش

أنت إن عشت تمت جو ... عا وإن مت تعيش

جميل صدقي الزهاوي

(المنظر: ساحة قرية سانجان ديفين الوحيدة. يرتفع الستار فترى حركة غير عادية فالأهلون يتأهبون للاحتفال برفع الستار عن تمثال نصفي من المرمر للشاعر فرنسوا روبنيول الذي اختفى في أوائل الحرب الكبرى واعتقد الناس أنه ميت. يرى التمثال وسط الساحة وقد قام على قاعدة حفر عليها أسم الشاعر وتاريخا ميلاده وموته، وعلى جدار أحد المنازل كتب بحروف بارزة التنبيه الآتي: (ممنوع وقوف السابلة) ثم يرى خفير القرية مشغولاً بترتيب المقاعد حول النصب التذكاري استعدادا للحفلة. جموع من العمال والفلاحين والملاك والنساء والأطفال وبعض رجال المطافئ وأحد الشرطة).

المشهد الأول

العمدة. وكيل العمدة

العمدة - (مشرقا من الغبطة) أخيراً حل اليوم السعيد! كاد يفرغ صبرنا ونحن نتعجل هذه الساعة المجيدة!

الوكيل - كل هذا صنع يدك يا سيدي العمدة!. . لقد شاهدتك عن كثب ورأيت بعيني المتاعب الجمة التي تحملتها وحدك لتحتفل بهذا النصب التذكاري!

العمدة - فعلا كدت أرزح من التعب يا وكيلي العزيز وشريكي الفاضل في تهيئة هذا المهرجان الأدبي العظيم. . .

الوكيل - (متواضعا) أوه! شريكك! إن طيبتك الفطرية يا سيدي العمدة لتغالي في تقدير ما قمت به!. . . إني لم أجازف بأكثر من معاونتك و. . .

العمدة - (مقاطعا) حسن! حسن!. . آه يا صديقي. لقد أدرك الكل أخيراً أننا نحمل ف أعناقنا هذه الدية المقدسة نحو ذكرى شاعرنا الكبير فرنسوا روبنيول، مجد قريتنا الخالدة سانجان ديفين!. . . بفضل أشعاره الرائعة لم نعد مجهولين بين مواطنينا في أنحاء فرنسا! جميع صحف العاصمة تتحدث عنا وهي تمجد عبقرية فرنسوا روبنيول!. . .

الوكيل - (ينظر في ساعته) الساعة الآن الثانية والنصف وقد تقرر ميعاد الحفلة في الثالثة!. . . حضر وكيل المديرية ولم نعد ننتظر غير حضرة النائب المحترم الذي سيجيء خصيصا من باريس.

العمدة - آه! نعم! حدثني عن حضرة النائب المحترم! تصور يا صديقي أنه لم يكن قد سمع بفرنسوا روبنيول قبل الآن! أما اليوم فهو يشيع في كل مكان أنه أول من اكتشفه!. . .

الوكيل (ضاحكا) لم يفطن أحد إليه ولم يكن بين سكان القرية من يؤمن برسالته!.

العمدة - تخطيء يا صاحبي تخطيء!. . أنا، لم أشك لحطة واحدة في نبوغه!. . نعم، أعرف أنهم كانوا يذيعون عنه (في حياته) أن به مساً من الجنون لقرضه الشعر. . وكان ذلك مدعاة للسخرية منه والهزء به، ولكني الوحيد الذي اكتشف عبقريته الوليدة!

الوكيل - يا لروبنيول المسكين!. من كان يظن أنه سيصبح شهيراً. . بعد موته!. . من كان يتصور أن يقام له تمثال في القرية وأن يطلق أسمه على أهم شوارعها!؟. .

العمدة - في لهجة (خطيرة) انا نتدارك اليوم خطأ فاحشاً!

الوكيل - ونفخر جميعا بشهرته اللامعة!

العمدة (مقتربا من الوكيل يساره) ولو أن الآنسان عندما يتوسم هذا الوجه يصعب عليه أن يميز في سماته كل هذه الكفاءة النادرة!. .

الوكيل - (كمن يلقى حكمة غالية) يا سيدي العمدة لا يعرف قدر عظماء الرجال إلا بعد موتهم!. . (صمت قصير) يخيل الي أني ما زلت أراه سابحا أمامي في خياله. غائصا في لجة أفكاره العميقة كان يتأهب ولا شك لتدوين روائعه الخالدة!. .

العمدة - بينما الناس كانوا يتهمونه بالكسل ويتشككون في رجاحة عقله!. . حتى امرأته التي كانت لا تخفي عنه احتقارها إياه!. .

الوكيل - أما اليوم فقد عادت فخورة بحمل هذا الاسم العظيم!

العمدة - نعم. أصبحت الأرملة الشهيرة التي تشع حواليها هالة المجد! الوكيل - يقال أنها اعتزمت الامتناع عن الزواج!. . (ساخرا) إلا إذا أتيح لها أن تقترن بأحد الخالدين، إذ مما لا شك فيه أن روبنيول لو امتد به العمر إلى يومنا لأنتخب عضوا في المجمع الأدبي!

العمدة - يجب أن تعترف أن سلوكها الخلقي منذ ما توفي زوجها لا غبار عليه. .

الوكيل - (متخابثا) نعم. . منذ أن توفي!. . أما قبل ذلك. . على كل حال سوف نراها بعد حين في ثياب الحداد. . وكأنها تمثال الأسى الذي لا تنفع فيه تعزية!. .

(يستمران في الحديث ثم يتجهان نحو التمثال حيث يستقبلان الوافدين، مصافحات بالأيدي، تحيات الخ)

المشهد الثاني

العمدة الوكيل. شرطي. خفير القرية. المجهول

(يبدو المجهول فيتوسط الساحة وهو يتأمل الجمع من خلال نظاراته السوداء وقد أرسل لحيته الكثيفة وارتدى لباسا قرويا)

الشرطي - (لخفير القرية) ألم تلاحظ هذا المخلوق الغريب الذي يرود الناحية منذ هذا الصباح! لا يعرفه من أهل القرية أحد ولا أدري من أين جاء!. . .

خفير القرية - يبدو من ملابسه أنه في فقر مدقع! لا بد أن يكون أحد المتشردين!. . .

الشرطي - لن تغفل عيني عن مراقبته!

(يقف المجهول أمام بعض المارة يسألهم ولكنهم يدبرون في غير اكتراث)

الشرطي - ألم يقرأ المعتوه الإعلان الحكومي: (ممنوع وقوف السابلة)؟

خفير القرية - (ضاحكا) ربما كان لا يعرف القراءة!

الشرطي - لم تغفل عيني عن مراقبته! (يبتعد الشرطي مع خفير القرية)

المشهد الثالث

المذكورون. بعض المارين. معلم القرية

(يقترب المجهول من بعض الملاك ويتكلف الحديث بلهجة قروية)

المجهول - عفواً أيها السادة. أرجو أن تتفضلوا عليّ ببعض معلومات بسيطة. . .

أحدهم - ماذا تطلب؟

المجهول - قدمت إلى هنا بمناسبة المهرجان. . . نعم مهرجان الاحتفال برفع الستار عن تمثال فرنسوا روبنيول، وأريد أن أعلم في أية ساعة تحتفلون به؟

أحدهم - في الساعة الثالثة. . . ولا ننتظر إلا أولي الأمر. .

اثنان منهم - (للمجهول) وأنت من تكون؟

المجهول - كنت أعمل أجيراً في إحدى الضياع البعيدة. أما الآن فقد أصبحت عاطلا ولذا ترونني أتنزه.

المالك الثالث - تنزه يا صاحبي تنزه!.

المجهول - (في شيء من التردد والخجل) هل لي أن أسألكم. . .

المالك الأول - سر في طريقك يا رجل! لا نملك وقتا للرد عليك!. لو أن الآنسان أصغى لجميع الناس لما بقي لديه لحظة لنفسه!

(يبتعدون جميعا عن المجهول)

المشهد الرابع

المذكورون. التمثال

العمدة - (وقد وقف أمام التمثال يقول موجهاً قوله للتمثال): في غاية من الروعة والدقة تمثالك يا أستاذ.

الوكيل - طرفة حقيقة! يا للجبين الناصع! يا للرأس الجميل! والعجيب أننا جهلنا نبوغه المشرق!

العمدة - أعد نفسي سعيداً يا سيدي بأن أحمل إليك بشرى سارة: لقد حصلنا لك من وزارة الفنون الجميلة على وسام جوقة الشرف.

التمثال - هذا منك طيبة لا استحقها يا سيدي العمدة. . بل شرف عظيم يبهظ كفاءتي المتواضعة! لكني مع الأسف أحمله.

العمدة - تحمل ماذا؟

التمثال - (باسماً) وسام الشرف!

الوكيل - يا للخطأ الفاضح! التمثال - لا. لا داعي للكدر. لن يمنعني ذلك عن حمل وسامين.

(يضحكون ثم يحتاطون بالتمثال مصافحين الخ الخ. .)

التمثال - أشكركم! أشكركم يا أصدقائي الأعزاء! هذا اليوم أجمل أيام حياتي! (يستمرون في الحديث)

المشهد الخامس

المجهول. معلم القرية

(يجيل المجهول الذي ظل مدة من الزمن وحده في جانب من الطريق نظرة فاحصة حواليه فيبصر بمعلم القرية فيبتسم بسمة خبيثة ويتقدم إليه).

المجهول - تنازل واغفر لي فضولي الملح يا سيدي! هل تسمح لي أن ألقي عليك بعض الأسئلة؟ إنها تختص بشاعركم الكبير فرنسوا روبنيول!

معلم القرية - سل ما تشاء.

المجهول - هل كانت لسيدي معرفة شخصية بروبنيول؟

معلم القرية - (يشب بصدره مفاخراً) لقد كنت في المقاطعة أخلص أصدقائه. بل صديقه الوحيد. كان الناس ينكرون عليه نبوغه. وأنا وحدي فهمت تلك الروح الكبيرة الحائرة وعطفت عليها أستمع إلى نجواها السماوية. لذا اختصني المرحوم بشكاواه المرددة، وبهمس قلبه المعذب. إني معلم القرية!

المجهول - وهل تيقنتم من موته؟

معلم القرية - لو لم يمت لعلمنا بوجوده من خمس سنوات مضت على اليوم الذي اختفى فيه فجأة. . بالضبط في أوائل شهور الحرب الكبرى.

المجهول - و. . شكله؟

معلم القرية - كان ذا وجه صبوح. حليق اللحية والشارب. جبين مشرق. عين حالمة. تأمل تمثاله النصفي. إنه هو تماما!.

المجهول - (متأملا التمثال) في الواقع هذا رأس جميل!. وكيف كان يعيش؟

معلم القرية - في أحلامه دائماً. كانت عاداته وطباعه تنم عن بساطة شديدة. وكان أحب شيء إليه أن يرود قمم الجبال وحيداً، ويفكر ويتأمل. أن النفوس الكبيرة لا تجد قوتها إلا في الوحدة!

المجهول - هذا حق! (صمت قصير) وكيف تكشفتم عبقريته الدفينة؟

معلم القرية - في ذات يوم كتب أحد كبار نقاد العاصمة بحثاً مستفيضا عن أعمال الشاعر فرنسوا روبنيول الأدبية بمناسبة موته في ميدان القتال. وكان مما كتبه قوله: (لقد نكبت الآداب الفرنسية بخسارة أخرى فادحة) ثم قال بعد ذلك: (إلا أن روبنيول من أولئك النوابغ الذين واتاهم الحظ السعيد فتراهم يحيون بعد موتهم. . أنهم يحيون في أعمالهم الأدبية الخالدة، في شعرهم الذي يجالد القرون المتعاقبة زاهيا وضاء كأول فجر أشرف على الإنسانية. .) هذا البحث الأدبي البديع نقلته جرائد مقاطعتنا عن جرائد العاصمة وعقبت عليه بشتى التقريضات. . وهكذا انتشرت دواوينه الشعرية بيننا وأثارت الكثير من الحماس والإعجاب. . (صمت قصير) كيف أمكننا أن ننكر نبوغ رجل مثل هذا!.

المجهول - (يطرق مفكراً ثم يقول) نعم، أنه لخير عظيم للشاعر أن يموت! (بعد فترة وجيزة) وأرملته؟

معلم القرية - لا تجد إلى التعزية سبيلا!. لن تتوانى عن الحضور. سوف تراها بعد قليل.

المجهول - هل لك أن تقدمني إليها؟

معلم القرية - وهل لك حاجة إليها؟

المجهول - نعم. أود أن أقدم إليها قصيدة من الشعر ألفتها للمناسبة تمجيداً لروبنيول.

معلم القرية - (دهشا) أأنت أيضا شاعر؟

المجهول - (متواضعا) نعم!

معلم القرية - (ضاحكا) حسبتك أحد القرويين.

المجهول - أني قروي أيضا (ضاحكا) الشاعر القروي!

معلم القرية - عجيب وربي! ومع ذلك، لم لا؟. انظر! ها هي الأرملة المجيدة!

المشهد السادس

المذكورون. والأرملة

(تبدو الأرملة العظيمة وقد ارتدت كامل ثياب الحداد، بطيئة الخطوة، مرفوعة الرأس، مهيبة الطلعة، فيحتاط بها الناس ثم تجلس على مقعد كبير. عندئذ يتقدم إليها المجهول فينحني أمامها انحناءة عميقة ثم يخرج من جيب ردائه ملفاً من الورق)

المجهول - سيدتي! إسمحي لي أن أرفع إلى مقامك السامي احتراماتي. . وهذه الأبيات التي كتبتها إشادة بمجد الشاعر العظيم الذي تحملين أسمه الخالد!

الأرملة - (في عدم اكتراث ظاهر) أكانت لك به علاقة سابقة؟

المجهول - كلا يا سيدتي. . غير أني أحفظ جميع قصائده عن ظهر قلب. . ولا أزال شديد الإعجاب بها.

الأرملة - (متقبلة الورقة التي يقدمها في خشوع) عفواً ماذا تُسمى؟

المجهول - جوزيف. . جوزيف فيليو

صوت - ما أسمج الرجل!. . لقد أطال الحديث!

صوت آخر - يغالي في إستغلال الفرص!

الأرملة - (للمجهول) أتقيم في البلدة؟

المجهول - لا يا سيدتي! مضى زمن طويل على هجرتي منها. . هذا هو السبب الذي جعل الكل ينكرون معرفتي.

(تكونت دائرة من الناس حول المجهول والأرملة)

صوت - ما الذي جاء يفعل هنا، هذا الغريب؟

صوت آخر - تأملوا حذاءه البالي. . تأملوا سترته الممزقة وسرواله المتسخ!. . لا شك أنه شحاذ!. .

صوت آخر - ربما كان لصاً؟

صوت آخر - من الصواب أن يطرد خارج القرية!

معلم القرية - على كل حال لا أراه يزعج أحداً. . وله الحق في أن يعجب بروبنيول كغيره من الناس!

الأرملة - (وقد انشغلت أثناء الحوار الأخير بتلاوة الأشعار)

نعم. . . لا بأس بهذه الأبيات!. . (تقرأ بصوت عال) (لا تحزن فما الموت إلا كلمة جوفاء! عندما توارى في التراب) (وتحجب ظلمة القبر عن عينيك دنيا النور، عندما تشعر) (بجثمانك البارد وقد فارقته حرارة الحياة وبدأت ديدان الأرض تأكله) (فلا تصدق أنك إلى الفناء، لأن قلبك المرتعش ما زال ينبض) (وما زالت في عمق أعماقه نطفة الحياة والخلود!)

(توجه الحديث إلى من حواليها تقول في شيء من التسامح:)

الأرملة - لا بأس بهذه الأشعار! خصوصا والشاعر مبتدئ. . (للمجهول) ربما واتاك النبوغ. . . يوماً ما!. . (تعيد إليه ملف الورق)

المجهول - (في صوت خافت وهو يشير إلى التمثال) نعم مثله. . بعد موتي!

صوت - هذه أشعار تافهة!

صوت آخر - باهتة!

صوت آخر - بائخة!

صوت آخر - ليرحل عنا هذا الشويعر! لقد أتعبنا مرآه!.

المشهد السابع

المذكورون، النائب المحترم. وكيل المقاطعة

(حركة عامة وضوضاء فجائية. يدخل النائب المحترم متبوعا بوكيل المقاطعة. يصافحان الحاضرين ثم يأخذ كل مكانه لبدء الحفلة يجلس النائب المحترم على كرسي الرياسة وإلى يمينه الأرملة وإلى يساره وكيل المقاطعة والعمدة. يسود صمت عميق مدى لحظة ثم يقف النائب)

النائب - الكلمة لحضرة العمدة!

(يقف العمدة وينحني يمينا ويسارا متكلفا الرزانة والوقار ثم يبدأ بقراءة الخطبة وقد وقف إلى جانبه معلم القرية)

العمدة - حضرة النائب المحترم! سيدي وكيل المقاطعة!، سيدتي، مواطني الأعزاء!

إن هذا اليوم ليس يوم حداد. . إننا لا نبكي ميتا. . إذ أن هناك أموات كما قال الشاعر يو. . يو. . (يتوقف عن القراءة لرداءة الخط)

معلم القرية (يلقنه) يحطمون. .

. . . يحطمون بجمجمتهم صخر قبورهم!. . (حركة ارتياح وموافقة من الجميع. يرفع عقيرته) فرنسوا روبنيول أيها السادة ما زال حيا بيننا! نعم ما زال حياً في ذكريات كل منا. . وسوف يحيا إلى الأبد في ذاكرة البشر لأن العبقرية تهزم الزمن، والفناء لا سبيل له إلى الخلود!

الجميع - جميل جداً! جميل جدا! ليحيا الخطيب!

العمدة - (مستمراً) وا أسفاه! أيها السادة وأنا أستعرض أمامكم صورة هذا المواطن الذي أصبح في الخالدين والذي تشرفت قريتنا المتواضعة بفتح عينيه للنور، تواردت إلى خاطري الحزين كلمة باسكال المأثورة: ما الحياة إلا نوم عميق لا نصحو منه إلا. . إلا. . . .

معلم القرية - (يلقنه) ساعة الموت!

العمدة - (يعيد بقوة) ساعة الموت!. . . وفي واقع الأمر يخيل إلي أن روح فرنسوا روبنيول كانت تنتظر بفارغ الصبر اللحظة التي تفارق فيها جسده البالي كما تتجلى أمامنا. أيها السادة لقد عبر شاعرنا العظيم وادي الألم هذا مجهولا من الجميع، مجحود الفضل، دون أن يتململ راضياً كفيلوسوف قانع بأسم بما ارتضاه له القدر من حظ عاثر ومكان وضيع فكان بعمله هذا حكيما إذ أن المجد أغلى نعم الدنيا ثمناً! وحم القضاء أيها السادة فتلقفت أيد قدسية أعماله الأدبية المتناثرة وضمتها إلى بعضها في دواوين حفظتها للخلود! هكذا أتيح لصحافتنا ولجريدتين من أمهات جرائد العاصمة أن تدرس أشعاره العلوية وأن تزف إلى فرنسا وإلى العالم المتحضر أبكار معانيه الساحرة وأوزان قوافيه الموسيقية. حينذاك أصغى الناس إلى هذه الأنغام السماوية وشاع الحماس في كل الأوساط فكتب ناقد كبير يقول: (إن فرنسا الشاعرة تضم إلى شعرائها الخالدين شاعراً غنائياً عظيماً، هو منهم في الصدر) أيها السادة إن هذا المجد المتلألئ يضيء اليوم قرية سانجان ديفين التي تذكر لأول مرة في تاريخ الأدبيات الفرنسية. فقد تغنى شاعرنا الراحل بمناظرنا الطبيعية الرائعة في قصائده الخالدة. . . وهكذا أصبح لنا بفضله وجود وخرجت قريتنا العزيزة من دياجير الظلمة والجهل إلى نور الشهرة الباهرة.

(تصفيق حاد عنيف متواصل)

(يستمر) نعم أيها السادة، كان فرنسوا روبنيول بين ذلك النفر الممتاز الذي يحيا وقد مات! لقد صاغ بنفسه هذا المعنى في أبيات كتب لها الخلود!.

(لا تحزن فما الموت إلا كلمة جوفاء! عندما توارى في التراب) (وتحجب ظلمة القبر عن عينيك دنيا النور، عندما تشعر) (بجثمانك البارد وقد فارقته حرارة الحياة وبدأت ديدان الأرض تأكله) (فلا تصدق أنك إلى الفناء، لأن قلبك المرتعش ما زال ينبض) (وما زالت في عمق أعماقه نطفة الحياة والخلود!)

(تصفيق كهزيم الرعد)

أصوات مختلف - ما أجمل هذه الأشعار! بديع! عظيم! يا للشاعر الفحل! يا للعبقرية!

(هنا تنفجر ضحكة هائلة فيلتفت الجميع فإذا بالضاحك هو المجهول! هرج ومرج! يندفع الكل إليه حانقين)

صوت - (في أشد حالات الغضب) من تكون يا رجل؟

صوت آخر - ماذا تعمل هنا؟ لست من أهل الناحية!

سيد - (يأخذ بتلابيبه) اعترف بأنك مرتش من أعدائنا لتثير فضيحة!

أصوات عديدة - ليطرد! ليطرد!

وكيل المقاطعة (للشرطي) أيها الشرطي، فتش هذا المخلوق!

النائب المحترم - سله أن يبرز أوراق إثبات الشخصية!

(موافقة من الجميع)

الشرطي - (يدافع الجمع الحاشد) سأفعل يا حضرة الوكيل! ويتقدم من المجهول ويمسك بذراعه: عجل بتقديم أوراقك!

المجهول - (يخرج من جيبه شهادة ميلاده وأوراقا أخرى)

الشرطي - (لا يكاد يلقي نظرة على شهادة الميلاد حتى يقول مصعوقاً) ما معنى هذا؟ يا للشيطان! تسخر من السلطات الحكومية يا رجل؟

وكيل المقاطعة - (يتقدم هو أيضا ويلقي نظرة جائلة على الأوراق فيصرخ دهشاً): أممكن هذا؟ لا أفهم!

المجهول - لا تفهم؟. . لقد قرأت جيداً! هذه شهادة ميلادي: (فرنسوا روبنيول ولد في قرية سانجان ديفين يوم الأحد 17 يناير سنة 1890) وأنا هو فرنسوا روبنيول: آه يا سادة! أنتم لا تتعرفون سحنتي والحق معكم: تغيرت كثيراً عما كنت عليه قبل هذه السنوات الخمس التي مضت. . فقد أرسلت لحيتي وشاربي. . تأملوني مع ذلك جيدا. . (ينزع منظاره عن عينيه ويرى يميناً وشمالا) ألا تذكرني يا جنتران؟ ولا أنت يا باتاريل؟ وأنت يا جيشو؟ ألا تذكر أيام كنا ننطلق معا إلى الجبل؟. هذا هو مسكني (مشيراً إلى أحد المنازل) (دهشة عامة. يستمر في حرارة متزايدة) لكم آلمتموني! لقد نغصتم علي عيشي فلم أطق الحياة بينكم. . ولذلك اختفيت. ادعيت الموت فعاد علي ذلك بالخير العميم والمجد العظيم. . . (ضاحكا) لأن الناس لا يعدلون إلا مع الأموات! إذن حسبتموني ميتا أيها السادة! وا أسفاه، ما زلت من سكان هذا العالم! وها أنا ذا أقول لكم: انتهت المهزلة. . . . فتعالوا نضحك معا سويا. . .

العمدة - هذا الرجل مخلوق كاذب!

الجميع - كفى! كفى! إنه يريد الهزء بنا! أخرسوه اطردوه.

النائب المحترم - (في هياج شديد) من العار أن نسمح لهذا الدعي أن يسخر منا!

معلم القرية - إنه مشعوذ سخيف!

المجهول - (في صوت جهوري) هنا مع ذلك شخص لا يمكنه أن ينكر معرفتي! (يشير إلى الأرملة) هذه المرأة!. . (غمغمة عامة: فضول!)

الأرملة - (في احتقار) لا أعرف هذا الإنسان!

الجميع - أرأيت؟ أنت مجنون!. . ألقوا به إلى الخارج! اقبضوا عليه!. . إلى السجن! إلى السجن! (يقفز المجهول إلى المنصة ويصيح بين الضحكات والاحتجاجات العاصفة)

المجهول - أيها الحمقى! إنما أقمتم هذا التمثال لأنفسكم. . لغروركم الوضيع. لم يكن فرنسوا روبنيول بالشاعر الكبير. بل كان فنه كاذبا وعبقريته مزيفة. فلو كان عظيما حقا لما فهمتموه! إنكم إما مجدتموه لأنه مرآة نفوسكم الخاملة، وصورة أذهانكم المحدودة. إنه لم يمت، وها هو ذا أمامكم، لا في صورة تمثال من المرمر بل حيا يرزق، وفي استطاعتي أن أبدي فيه رأيا صريحا خيراً من أي واحد منكم. لأنني. أو بعبارة أخرى لأنني كنت. . .

(لكنه لا يستطيع الاستمرار فصرخات الاحتجاج تغطي صوته (يصيح الكل: انتزعوه من على المنصة) ألقوا به إلى النهر أصبح السخط عاما. يتقدم الشرطي وخفير القرية من المجهول ويستاقانه في غلظة)

الشرطي - (يجذبه بعنف) كفاك سفسطة! إلى السجن!. . . لا تعاند! تقدم معي!

(يمضي الشرطي بالمجهول فتصدح الموسيقى بنشيد المرسلين)

النائب - (يقف ويشير إلى الجمع بالصمت) يا أصدقائي الأعزاء! هذا الحادث السخيف الذي أثاره مجنون (أصوات نعم نعم) لا ينبغي أن تمنعنا عن أداء واجبنا المقدس نحو ذكرى شاعرنا الكبير فرنسوا روبنيول!

(أصوات: ليحيى روبنيول!)

النائب - أيها السادة، الحفلة مستمرة. إن مجد فرنسوا روبنيول هو مجد قريتنا العزيزة سانجان ديفين. . . وموته خسارة لا تعوض على العالم المتمدن!. . .

(يستمر في الخطابة بينما يسدل الستار شيئا فشيئا)

فتوح نشاطي