مجلة الرسالة/العدد 194/جميل صدقي الزهاوي بمناسبة ذكراه الأولى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 194/جميل صدقي الزهاوي بمناسبة ذكراه الأولى

مجلة الرسالة - العدد 194
جميل صدقي الزهاوي بمناسبة ذكراه الأولى
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 03 - 1937


(3)

كأنما تفتح عقل الزهاوي قبل أن يتيقظ هواه، وحلق فكره قبل أن ينهض خياله، وأدرك علمه قبل أن يولد شعره! فلقد كان يهدف للثلاثين من عمره وليس له من أولمب الشعر وحي، ولا في بَرْناس الشعراء محل؛ إنما كان في صدر شبابه ينظر في العلوم الفلسفية والطبيعية؛ وسبيله إلى ذلك ما تُرجم من المقالات في الكتب والمجلات، لأنه لم يعرف من اللغات غير العربية والفارسية والتركية والكردية، وكلها لا تصل فكر الإنسان بالتطور، ولا تنقع غلة الظمآن إلى المعرفة. ومع ذلك استبطن الزهاوي دخائل هذه العلوم بعقله النافذ حتى ألف كتاب (الكائنات) في الفلسفة، وكتاب (الجاذبية وتعليلها) في الطبيعة، ذهب فيهما مذهباً خالف به أقطاب العلم وجهابذة النظر، كقوله: إن علة الجاذبية ليست جذب المادة للمادة، وإنما هي دفعها لها بسبب ما تشعه من الإلكترونات. وسواء أنهض دليله أم دحض فإنه يدل على النظر الثاقب والفكر المستقل. ورجاحة عقله هي التي حملته وهو في ربيع العمر على أن يشرف على ظواهر الكون وحقائق الوجود من سماء فكره لا من سماء خياله؛ والمعهود في عامة الشعراء أن يكونوا على النقيض من ذلك. فلما هيأته الأقدار الجميلة لرسالة الشعر كان فكره أقوى من خياله وأسمى من عاطفته؛ والفكر والخيال والعاطفة هن ملكات النفس الأدبية الثلاث، يصدر عنهن فيض القريحة، ويَرِد إليهن إلهام العبقرية؛ ولكن الشعر لا يهيمن عليه إلا الخيال والعاطفة؛ أما حاجته إلى الفكر فمحدودة بمقدار ما يضيء لهما الطريق حتى يأمنا الضلالة. فالفكر للعبقرية بمثابة العين، والخيال والعاطفة لها بمثابة الجناحين. فإذا تغلبا عليه كان الشرود والزيغ، وإن تغلب عليهما كان الجفاف والعقم؛ ومن هنا جردوا أكثر ما قال أبو العلاء وأقل ما نظم أبو الطيب من الشاعرية. والزهاوي شاعر من شعراء الفكرة، له البصيرة الناقدة والفطنة النافذة، وليس له الأذن التي (تموسق) ولا القريحة التي تصنع. فاللفظ قد لا يختار، والوزن قد لا يتسق، والأسلوب قد لا ينسجم، ولكن الفكرة الحية الجريئة تعج بين الأبيات المتخاذلة عجيج الأمواج المزبدة بين الشواطئ المنهارة.

الزهاوي عقلية أفاقة وحيوية دفاقة وطبيعة ساحرة؛ وهذا التوثب الحماسي ف جعله يؤثر النظم في تقييد خواطره. وهذه الحماسة قد تنفك أحياناً عن الفكرة لكلالها أو ابتذالها، فيذهب الشاعر، ولا يبقى الفيلسوف، ويكون الزهاوي معك كالآلة تدور مليئة متزنة ما دامت على شيء، فإذا نفذت مادتها على فجأة انطلقت تدور على الفارغ سريعة مضطربة، ذلك لأن الفكرة الفلسفية هي المادة الأصيلة في شعر الزهاوي. وليس الشعر كله فكرة. وإنما هو فضلاً عنها صورة يرسمها الخيال، وشعور تبعثه العاطفة. على أن فكرة الفيلسوف واضحة، وجمالها في هذا الوضوح وفكرة الشاعر خفية، وسحرها في هذا الخفاء. فإما أن تدرس الطبيعة لتعرفها وتشرحها فتكون صاحب فلسفة، وإما أن تدرسها لتقلدها وتصورها فتكون صاحب شعر. أما الخلط بين الفلسفة والشعر لأن الشاعر يدرس ظواهر الكون، فكالخلط بين التصوير والتشريح لأن المصور يدرس بواطن الجسم.

كان الزهاوي كشوقي حريصاً على متابعة العصر ومسايرة التطور؛ ومنشأ هذا الحرص فيهما طبع مرن يطلب التجدد، وحس مرهف يأنف التخلف. ويزيد الزهاوي أن الفخر يزهاه، والتيه يذهب به، فيحب الثناء ويبغض النقد. فهو لفَرَقه من صفة القدم يسبق الشباب إلى التجديد، ولنفوره من معرة الجمود يذهب بالرأي إلى التطرف، ولطمعه في نباهة الذكر يجاري ميول الخاصة ويعارض هوى العامة. ومن ثم كان أكثر شعره تشنيعاً على الاستبداد بمهاجمة أهل الحكم، وزراية على الجمود بمحاربة أهل الدين، وتحقيراً للتأخر بمصادمة مألوف الأمة.

والزهاوي بعد هذا وفوق هذا كان رسولا من رسل الفكرة الإنسانية، وبطلاً من أبطال النهضة العربية. كان يهزج بأغاريد الفجر على ضفاف دجلة فتتردد أصداؤها الموقظة على ربوات بَرَدى، وخمائل النيل، وسواحل المغرب. وأدب الزهاوي وأمثاله هو الذي وصل القلوب العربية في مجاهل القرون السود بخيوط إلهية غير منظورة، حتى استطاعت اليوم أن تتعارف وتتآلف وتتحالف؛ ثم تسعى لتعود أمة كما كانت، وتقوى لتصبح دولة كما يجب أن تكون.

أحمد حسن الزيات

-