مجلة الرسالة/العدد 190/النفس وخلودها عند ابن سينا

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 190/النفس وخلودها عند ابن سينا

مجلة الرسالة - العدد 190
النفس وخلودها عند ابن سينا
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 02 - 1937


للدكتور إبراهيم بيومي مدكور

مدرس الفلسفة بكلية الآداب

- 2 -

يدرس أبن سينا النفس من نواح كثيرة، فيحاول أولاً أن يثبت وجودها ومغايرتها للبدن، ثم ينتقل بعد هذا إلى حقيقتها فيعرض لجوهريتها وروحيتها ويبرهن على خلودها ببراهين شتى ووسائل متعددة. ولن تفهم حقيقة النفس فهما كاملا إلا إذا حددت وظائفها وبين في دقة عملها. وابن سينا يتحدث طويلا عن أنواعها المختلفة من نباتية وحيوانية وإنسانية، ويسهب بوجه خاص في حديثه عن قوى النفس الإنسانية الظاهرة والباطنة، وهذا الجزء يلخص تقريباً علم النفس عنده. وواضح أن مشكلة العقل التي تعد أحد الأحجار الأساسية في بناء الفلسفة الإسلامية والتي شغلت فلاسفة القرون الوسطى على العموم، تتصل اتصالا وثيقاً بقوى النفس الباطنة، وسنتبع هنا الخطوات السابقة لندلي بفكرة كاملة عن أبحاث ابن سينا في النفس، ولكنا سنجمل القول في أقسامه وتفصيلاته الكثيرة المتصلة بأنواعها وقواها لأن هذا في أغلبه أصبح من علم النفس البائد، وسنكتفي بأن نشير منه إلى مصادره اليونانية. وأما مشكلة العقل فهي من الأهمية بحيث لا تدرس عرضاً وفي ثنايا بحث كهذا، ولابد من دراسة مستقلة سبق لنا أن حاولناها في كتابنا عن الفارابي

لم يعن مفكرو اليونان كثيراً بالبرهنة على وجود النفس، وكأنهم كانوا يعدون وجودها واضحا بحيث لا يتطلب الإثبات، ومسلماً به إلى درجة لا تقبل الشك أو المناقشة. فالماديون منهم والروحيون متفقون على وجود النفس، وخلافهم فقط في بيان ماهيتها وتحديد وظائفها. وأطباؤهم وفلاسفتهم مجمعون على أن للظواهر النفسية مصدراً وأصلا تعتمد عليه بجانب الجسم. وعلى هذا يمكننا أن نقول إن المادية المتطرفة التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتي تنكر وجود النفس بتاتاً غير معروفة لديهم. ذلك لأن هذه المادية اثر من آثار الطب وعلم وظائف الأعضاء الحديثين، وكل همها أن تفسر الأحوال العقلية جميعها تفسيراً واقعياً تجريبياً، وفي اعتقاد أنصارها أن المخ والجهاز العصبي كفيلان بتوضيح كل أعمال الفكر السامية. لهذا نراهم يصرحون بأنه (لا تفكير بدون الفسفور) وأن (المخ يهضم الاحساسات بشكل ما ويفرز عصارة التفكير إفرازاً عضوياً) وما كان الطب متقدما عند اليونان تقدمه في التاريخ الحديث، ولا كانت وظائف الأعضاء واضحة وضوحها اليوم

ومن الغريب أن ابن سينا الذي تقبل كل مبادئ الطب وعلم وظائف الأعضاء اليونانيين قد عنى عناية خاصة بالبرهنة على وجود النفس وإثبات أنها تغاير البدن. ولعل ذلك راجع إلى أن بعض الماديين قد غالوا مغالاة الماديين المحدثين وتطرفوا تطرفهم، فوحدوا بين النفس والجسم أو أنكروا وجودها رأسا واعتبروا الجسم مبعث الظواهر العقلية على اختلافها. فلم ير بداً من أن يرد عليهم ويبين خطأهم، وقد أشار إليهم صراحة في إحدى رسائله. وفوق هذا فالمنهج القويم في رأيه يقتضي أن يبدأ الباحث بإثبات وجود النفس ثم ينتقل بعد هذا إلى شرح وظائفها وأعمالها. يقول: (من رام وصف شيء من الأشياء قبل أن يتقدم فيثبت أولا أنيَّته (يعني وجوده) فهو معدود عند الحكماء ممن زاغ عن محجة الإيضاح. فواجب علينا أن نتجرد أولا لإثبات وجود القوى النفسانية قبل الشروع في تحديد كل واحدة منها وإيضاح القول فيها

وهو في برهنته على هذا الوجود يسلك سبلا عدة ويستخدم وسائل متفرقة. فليلجأ تارة إلى العرف العام والاستعمالات الدارجة مستمدا منها بعض الملاحظات الدالة على أننا نؤمن بوجود حقيقة فينا تخالف الجسم. ويركن تارة أخرى إلى بعض القضايا الفلسفية المسلمة من القدامى ليستعين بها على تحقيق هذه الغاية. ويبتكر أحيانا فروضا وتعليلات دقيقة تقربه من بعض الفلاسفة وعلماء النفس المحدثين. فيلاحظ أن الإنسان إذا كان يتحدث عن شخصه أو يخاطب غيره فإنما يعني بذلك النفس لا الجسم. فحين تقول: أنا خرجت أو أنا نمت لا يخطر ببالك حركة رجليك ولا إغماض عينيك، بل ترمي إلى حقيقتك وكل شخصيتك. وقد صاغ ابن سينا هذه الملاحظة على الصورة الآتية (إن الإنسان إذا كان منهمكا في أمر من الأمور فإنه يستحضر ذاته حتى أنه يقول إني فعلت كذا أو فعلت كذا؛ وفي مثل هذه الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه. والمعلوم بالفعل غير ما هو مغفول عنه، فذات الإنسان مغايرة للبدن. وأنا لنلمح في ثنايا هذه الملاحظة فكرة الشخصية أو فكرة (أنا) (? التي هي مثار بحث طويل بين علماء النفس المعاصرين. فالشخصية أو (الأنا) في رأي ابن سينا لا يرجع إلى الجسم وظواهره، وإنما يراد به النفس وقواها

ومن جهة أخرى تبدو علينا آثار لا يمكن تفسيرها إلا أن سلمنا بوجود النفس، وأهم هذه الآثار الحركة والإدراك. فأما الحركة فضربان: قسرية ناتجة عن دفعة خارجية تصيب جسما ما فتحركه، وغير قسرية وهي التي تتصل بنا هنا. وغير القسرية هذه منها ما يحدث على مقتضى الطبيعية كسقوط حجر من أعلى إلى اسفل، ومنها ما يحدث ضد مقتضى الطبيعة كالإنسان يمشي على وجه الأرض مع أن ثقل جسمه كان يدعوه إلى السكون، أو كالطائر الذي يحلق في الجو بدل أن يسقط إلى مقره فوق سطح الأرض. وهذه الحركة المضادة للطبيعة تستلزم محركا خاصا زائدا على عناصر الجسم المتحرك، وهو النفس. وأما الإدراك فأمر امتازت به بعض الكائنات على بعض، وإذن لابد للكائنات المدركة من قوى زائدة على غير المدركة. هذا هو البرهان الطبيعي السيكولوجي الذي يعتمد عليه ابن سينا في إثبات وجود النفس. وهو كما لاحظ لانداور مستمد في أغلب أجزائه من كتابي (النفس) و (الطبيعة) لأرسطو. ففي الكتاب الأول يصرح الفيلسوف اليوناني بأن الكائن الحي يتميز من غيره الحي بميزتين رئيسيتين: هما الحركة والإحساس. وفي الثاني يقسم الحركة إلى أقسام عدة لم يعمل ابن سينا شيئا سوى أن رددها وبنى عليها برهنته السابقة. بيد أن هذه البرهنة، فوق أنها برهنة باللازم، غير مقنعة وخاصة في جزئها الطبيعي. فأنه لو كانت الأجسام كلها مكونة من عناصر متحدة لكان لهذه البرهنة قيمتها. فأما وهي مختلفة التكوين فلا مانع من أن الجسم الذي يضاد الطبيعة العامة بحركته متمش مع قوانين طبيعته الخاصة ومشتمل على عناصر تسمح له بالحركة. وكم من جهازات وآلات تتحرك حركات مضادة للطبيعة ولا يخطر ببال أحد الآن أنها تحتوي على نفس أو قوة خفية أخرى، وقد انقضى الزمن الذي كانت تعتبر فيه النفس أصل الحياة والتفكير في آن واحد، أو مصدر الحركة والإدراك إن شئنا أن نستعمل لغة ابن سينا، واصبح علماء الحياة يفسرون الظواهر الحيوية تفسيراً آلياً أو (ديناميكياً) بمعزل عن القوى النفسية تاركين للنفسيين توضيح النفس وظواهرها، وهؤلاء الأخيرون حتى الممعنون في الروحية منهم لا يذهبون اليوم مطلقاً إلى أن للنفس عملا فوق الظواهر العقلية ويتقبلون التفسير الآلي للحياة والحركة. ويظهر أن ابن سينا قد تنبه إلى ضعف برهنته بدليل أنه لم يطنب فيها إلا مرة واحدة وفي مؤلف تقوم كل الدلائل على أنه كتبه في صباه. أما في (الشفاء) و (الإشارات) وغيرهما من مؤلفات الشيخوخة: فإنه يمر بها مسرعة ويحاول أن يثبت وجود النفس معتمداً على آثارها العقلية؛ وهذه هي البراهين التي تدل على العبقرية والابتكار.

فيلاحظ أولا أن في الأحوال النفسية تناسقاً وانتظاماً يؤذن بقوة مهيمنة عليها ومشرفة على نظامها، وهي برغم تنوعها وتخالفها بل تنافرها أحياناً تدور حول مركز ثابت وتتصل بمبدأ لا يتغير، وكأنها مرتبطة برباط وثيق يضم أطرافها المتباعدة، فنسر ونحزن، ونحب ونكره، وننفي ونثبت، ونحلل ونركب، ونحن في كل هذا صادرون عن شخصية واحدة وقوة عظمى توفق بين المختلف وتوجد المؤتلف؛ ولو لم تكن هذه القوة لتضاربت الأحوال النفسية واختل نظامها وطغى بعضها على بعض. وما النفس من آثارها إلا بمنزلة الحس المشترك من المحسوسات المختلفة؛ كلاهما يلم الشعث ويبعث النظام والترتيب.

وهنا يشير ابن سينا إلى ذلك البرهان المشهور الذي كثيراً ما ردده أنصار المذهب الروحي من علماء النفس المحدثين. ويتلخص في أن وحدة الظواهر النفسية ? تستلزم أصلا تصدر عنه وأساساً تعتمد عليه. وضعف هذه الوحدة أو انعدامها معناه ضعف الحياة العقلية أو القضاء عليها

يدنو ابن سينا من المحدثين، بل ومن المعاصرين بشكل أوضح من هذا في برهان آخر يصح أن نسميه برهان الاستمرار. وملخصه أن حاضرنا يحمل في طياته ماضينا ويعد لمستقبلنا، وحياتنا الروحية هذا الصباح ترتبط بحياتنا أمس دون أن يحدث النوم أي فراغ أو انقطاع في سلسلتها، بل وترتبط بحياتنا منذ أعوام مضت. ولئن كانت هذه الحياة متحركة ومتغيرة فإنما تتحرك في اتصال وتتغير في ارتباط. وليس هذا التتابع والتسلسل إلا لأن أحوال النفس فيض معين واحد ودائرة حول نقطة جذب ثابتة. يقول ابن سينا: (تأمل أيها العاقل في أنك اليوم في نفسك هو الذي كان موجوداً في جميع عمرك حتى أنك تتذكر كثيراً مما جرى من أحوالك. فأنت إذن ثابت مستمر لا شك في ذلك. وبدنك وأجزاؤه ليس ثابتاً مستمراً بل هو أبداً في التحلل والانتقاص. . . ولهذا لو حبس عن الإنسان الغذاء مدة قليلة نزل وانتقص قريب من ربع بدنه. فتعلم نفسك أن في مدة عشرين سنة لم يبق شيء من أجزاء بدنك، وأنت تعلم بقاء ذاتك في هذه المدة، بل جميع عمرك. فذاتك مغايرة لهذا البدن وأجزائه الظاهرة والباطنة) وفكرة استمرار الحياة العقلية واتصالها من الأفكار التي أثبتها حديثاً وليم جيمس وبرجسون وعداها من أخص خصائص الظواهر النفسية ومن اكبر الدلائل على وجود (الأنا) أو الشخصية. وفي رأيهما أن تيار الفكر لا سكون فيه ولا انقسام ولا انفصام، وهو في حركة متصلة مطردة. وما أشبه الحياة العقلية بقطعة موسيقية مكونة من نغمات مختلفة ومتميزة قد امتزجت واختلط بعضها ببعض فأنتجت لحناً منسقاً يقول جيمس: (من الصعب جداً أن نجد في شعور واقعي حالا نفسية مقصورة كل القصر على الحاضر بحيث لا نستكشف فيها أي شعاع من أشعة الماضي القريب). فابن سينا ببرهانه المتقدم يسبق عصره بعدة أجيال ويدلي بآراء يعتد بها علم النفس الحديث كل الاعتداد

(يتبع)

إبراهيم مدكور