مجلة الرسالة/العدد 19/الموسيقى في مصر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 19/الموسيقى في مصر

مجلة الرسالة - العدد 19
الموسيقى في مصر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 10 - 1933


للأستاذ محمد كامل حجاج

لا ريب أن الموسيقى من أعظم الفنون الجميلة التي أصبحت من

الضروريات عند كل الطبقات، وقد بلغت أوجها عند الأمم الراقية،

وتمشت مع التمدن حتى أصبحت معيار المدنية والرقي.

الموسيقى الراقية كالشعر بل هي متممة له، لأن كثيراً من الحالات النفسية العميقة لا يستطيع الكلام أن يعبر عنها، وإني أضرب لك مثلاً سهلاً:

إذا قرأت أمام أمي جاهل مرثية من أروع الشعر الجاهلي فهل يظهر عليه أي تأثر؟

أعد الكرة أمام الرجل نفسه وأسمعه مرثية موسيقية راقية فلا ريب أنها تهزه وتحزنه حتى تقرأ علامات الحزن على وجهه ولربما لا يقوى على ضبط نفسه فيتأوه أو يخونه الدمع إن كان رقيق الشعور.

إن لم تكن الموسيقى واصفة ومصورة لكل ما تقع عليه العين من محاسن الطبيعة، ومعبرة كالشعر عن أسمى العواطف وأرق الشعور والوجدان، فأولى بها أن تسمى لغطاً وجلبة تصدع الرؤوس وتسئم النفوس.

لقد اهتمت مصر بالعلوم والآداب والفنون وأحرزت نصيباً يقارب الضروريات، ولكنها متقهقرة في الموسيقى. ولم نر واحداً من أبناء الأغنياء أولع بهذا الفن وحاول أن يدرسه دراسة تامة تؤهله لخدمة الموسيقى والنهوض بها إلى أوج الكمال. ولا يتأتى بلوغ هذه الغاية إلا بدراسة الموسيقى الإفرنجية، ثم العربية مع نصيب كاف من الثقافة العامة ولاسيما الآداب وتاريخ الفنون الجميلة، لأنهما يثقفان الذوق ويشحذان الخيال ويرهفان العواطف.

إننا بدراسة الموسيقى الإفرنجية بفروعها من سولفيج وأرموني وكونتريوان وتوزيع الموسيقى على الآلات نتمكن من إتقان الإملاء الموسيقي بأن نكتب موسيقى الدور أو القطعة بمجرد سماعها، ونرقى في التلحين إذا نبغنا في الارموني واستطعنا أن نسترشد بها لوضع أرموني تتناسب مع موسيقانا العربية. أما الكونتريوان فأنها تتمشى مع موسيقانا ولا تتنافر معها ولا تحدث فيها أية شائبة.

إن موسيقانا لا تتعدى على الجملة: الضروب والمقامات، وهي لا تؤهل الإنسان للتلحين ما لم يكن الموسيقار قد وهب استعداداً طبيعياً وموهبة فنية وذوقاً سليماً كالشيخ سلامة حجازي وعبده الحمولي ومحمد عثمان، وبهم أسترشد ومنهم اقتبس جميع ملحنينا العصريين. المشتغلون بالموسيقى في مصر هم المحترفون والهواة وصبية رياض الأطفال وصبيات السنتين الأولى والثانية من مدارس البنات الابتدائية والجيش والبوليس والملاجئ وسنتكلم عن كل طائفة منهم.

إن المحترفين من عازفين ومفنين ومنشدين وملحنين يقنعون بالوصول إلى درجة متوسطة أو دونها، وليس عند أغلبهم ميل إلى الفن، والغاية التي ينشدونها هي كسب العيش بدرجة يغبطون عليها من القناعة، والهواة من الشبان يكتفون بحفظ بعض البشارف والسماعيات وجانب من المارشات والأدوار دون أن يهتموا بقواعد الفن وأصوله. وأما الفتيات فأغلبهن يتعلمن منهاج المرحومة ماتيلدة على البيانو، ويقلقن به الجيران إلى ما بعد منتصف الليل، ولا يعزفن نوتة واحدة ويستثنى منهم أفراد قلائل من الشبان والفتيات بلغن غاية عظيمة ويقولون دائماً هل من مزيد؟ ولكن لا يتجاوز عددهم أصابع اليد. اغتبطنا حين رأينا مدة انعقاد المؤتمر الموسيقي أطفال رياض الأطفال ومدارس البنات الابتدائية يمثلون قطعاً استعراضية تمثيلية غنائية في غاية من الرواء والإتقان، ويمثلون أدوارهم برشاقة واسترسال ويغنون ألحانها غناءاً صحيحاً شجياً، وقد أعجب بهم أعضاء المؤتمر أيما إعجاب. ويسرنا أن نرى وزارة المعارف مهتمة بتنفيذ قرارات المؤتمر الذي أوصى بنشر التعليم الموسيقي في المدارس الابتدائية والتجهيزية، إذقررت الوزارة في هذا العام تعليم بنات السنة الثانية من المدارس الابتدائية.

أما موسيقى الجيش والبوليس والملاجئ فقد ترقت كثيراً في السنوات العشر الأخيرة، ولاسيما موسيقى البوليس فأنها تعزف كثيراً من القطع الإفرنجية ومنتخبات الأوبرات المشهورة فضلاً عن القطع العربية الراقية، كما أنهم اهتموا بتوحيد طراز آلاتهم حتى يكون فيها انسجام. وهم يعزفون عليها بلباقة وحسن تعبير ورقة لم تكن موجودة فيما مضى وإني أورد مثالين يظهران شدة الاهتمام بالموسيقى والتضحية العظيمة في سبيلها.

كلنا نعرف هكتور برليوز أعظم موسيقي أنجبته فرنسا، وكان من أول أمره طالباً في مدرسة الطب، وكان أبوه طبيباً فلم يجد الولد في نفسه ميلاً إلى الطب ورجا والده أن يدخله في معهد الموسيقى فرفض وهدده بقطع مرتبه، ولم يستطع الابن أن يستمر في الطب فدخل الكونسرفاتورا. فما كان من والده إلا أن قطع مرتبه، فأضطر أن يعطى دروساً موسيقية بفرنك واحد للدرس، واستمر في دراسته وهو يغالب الزمن للحصول على قوته حتى نبغ، وهو الذي ابتدع الرومانتيزم في الموسيقى في فرنسا.

والمثال الثاني يبين لنا اهتمام الهمج بالموسيقى بدرجة لا تجدها في المصريين.

كنت في صغري أقضي عطلة المدارس في قريتنا بين أهلي، وكان منزلنا في ربوة عالية تشرف على جميع القرية، وكان في الحي الذي يلينا بيت تسكنه فئة من العبيد يحيون الليل جميعه في الغناء والعزف والرقص إلى أن تطلع الشمس، ثم يذهبون إلى عملهم وهو التجوال في القرى لجمع (البجم) من أشجار الأثل بقصبة طويلة بطرفها شص كبير وهو يستعمل في الصباغة.

كنت في الصغر طلعة أحب الوقوف على كل شيء، وكنت أرقب هذا البيت الصادح الباغم من الأصيل بمنظار، فكنت أرى النساء يكنسن فناء الدار ثم يرشونه ويفرشون الحصر ويصفون الآلات الموسيقية من دلوكات وطبول مختلفة الأنواع والكستلوفون الفطري المصنوع من قطع الخشب الرنانة المختلفة الاحجام، والكيزان الصفيح المحشوة بالحصى الصغير يحملونها في أيديهم ويهزونها لتحدث (دوكة) مخصوصة وقت التوقيع. وحينما يقبل رجالهن بعد الغروب يهيئن لهم ثريد العدس، ثم يصف أقداح البوظة، ثم يدخنون ويتسامرون ساعة إلى أن يأتي وقت الموسيقى فينشطون لها ويأخذ كل منهم آلته الموسيقية ويتهيأ الباقون للرقص والغناء، ويستمرون في لهوهم إلى مطلع الشمس دون أن يناموا، ثم يذهبون إلى عملهم ويقنعون بأن يقيلوا ساعتين بعد الغداء في ظل شجرة.

إن الموسيقى الشرقية كنز زاخر بالجواهر واللآلئ واليواقيت، ولكننا لا نعرف كيف نستخرجها ونبريها بذوق سليم حتى تليق لأن نزين بها تيجان الملوك. إن للموسيقى العربية مائة نغمة (مقام) أو اكثر من مائة وزن (الضروب) ولكن اين النابغة المثقف الذي يحسن التأليف والتلحين.

إن بعض الملحنين ينزعون في تلحينهم إلى اختطاف ألحانهم من الإلحان القديمة، ثم يخلطونها بشيء من الموسيقى الإفرنجية المنحطة التي تسمعها في أفقر المقاهي الإفرنجية ويضنون لسذاجتهم انهم جددوا الفن ونهضوا به، وما دروا انهم شوهوه وفضحوه وهذا جرم كبير لا يغتفر، عيّرنا به كثير من المستشرقين.

كانت الموسيقى المسرحية قد خطت أول خطوة في سبيل النجاح. ولكن القائمين بأمرها لم يحسنوا إدارتها، وكان ينقصهم الحزم والتدبير والذوق الفني، فلذلك فشل المشروع في عامه الثاني واستمرت الموسيقى المسرحية في التمثيل الهزلي، والحمد لله قد نشطت هذه المسارح وسارت في سبيل الرقى لولا ما يصادفها من عقبة لم تذلل وهي ندرة المطربين والمطربات الحائزين للأصوات الجميلة القوية الرنانة والثقافة الموسيقية الصحيحة.

إننا معشر المصريين مقصرون في تجميل بيوتنا وإنعاشها بالفنون الجميلة حتى نسكن إليها بعد عناء العمل، ونجد فيها من وسائل السرور والأنس ما ينسينا آلامنا وينعشنا ويجدد قوانا.

نجد الأسر الإفرنجية تهتم بتعليم أبنائها الموسيقى، وتعنى ربة الدار بنظام الحديقة وتنسيقها حتى تصبح جنة مصغرة ترتاح إليها النفوس المتعبة، وفي المساء تجتمع الأسرة فتحيي حفلات موسيقية ترقص لها القلوب وتنسى فيها الهموم والآلام.

أما بيوتنا التي تجردت من جميع مظاهر الجمال والأنس حتى نفرت منها النفوس ولم يطق الأبناء أن يطيلوا المكث فيها فينصرفون إلى المفاسد من تجوالهم ومعاشرة ذوي الأخلاق الضعيفة فلا يلبثون أن تتسرب إليهم عدوى الرذائل ويضحون في عداد الحشرات المؤذية.

أن الموسيقى لغة القلوب ومهذبة الأخلاق، ومرفقة الطباع ومبددة الهموم والأشجان، وخير لنا أن نهتم بها في أوقات فراغنا ونسعى في رقيها حتى نعيد عصر زرياب وأسحق الموصلي.