مجلة الرسالة/العدد 187/سجين شيلون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 187/سجين شيلون

مجلة الرسالة - العدد 187
سجين شيلون
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 02 - 1937


للشاعر الإنجليزي لورد بيرون

بقلم الأستاذ محمود الخفيف

إلى الذين لا يلويهم شيء عما يعشقون من حرية

(المعرب)

تمهيد

كتب بيرون هذه القصيدة الجميلة في فندق صغير في قرية بالقرب من لوزان، حيث عاقته رداءة الجو عن متابعة سيره، وقد أثار مرأى ذلك الحصن العتيق (شيلون) في قلبه ذكرى فرنسوا دي بونفارد الذي سجنه فيه دوق سافوي من أجل مبادئه الجمهورية عام 1570م وقد جعله بيرون بطل هذه الأقصوصة الخيالية الرائعة.

- 1 -

لقد علق الشيب بشعري ولكن لم تلده السنون، كذلك لم تبيض رأسي في ليلة كما تبيض رؤوس الرجال بغتهم الرعب.

وتقوست ساقاي. وإن لم يك ذلك عن جهد، بل لقد صدئتا في سكون موبق مهلك، إذ كانتا نهب الدمار في سجن مظلم تحت الأرض

وكان حظي في هذه الدنيا حظ أولئك الذين لا يجدون في أرضها مضطربا، ولا في سمائها مسرحاً، إذ كان ذلك عليهم محرما

على أن ما ألاقيه، إنما هو من أجل عقيدة أبي! أجل، من أجل تلك العقيدة أقاسي الأصفاد وأغازل الموت طالبا يده!

ولقد قضى ذلك الأب نحبه مستشهدا على خشبة الصلب، في سبيل مبادئه، التي لم يكن لينثني عنها، وفي سبيل هاتيك المبادئ عينها، يجد أبناؤه مأواهم في ظلمات السجن

كنا سبعة، نحن الذين تراهم الآن واحداً فحسب، ستة في الشباب وواحداً في المشيب، انتهوا جميعاً كما بدأوا فخورين بما صبه الاضطهاد على رؤوسهم من نقمة.

ألقي بواحد في النار، وهلك اثنان في الميدان، حيث طبع الدم عقيدتيهما بخاتمه، وذهبا كما ذهب أبوهما في سبيل الله الذي أنكره أعدائهم، وألقي بالثلاثة الباقين في غيابة السجن حيث لم يعش منهم سواي أنا. . . حطامهم الباقي

- 2 -

هنالك في سجن (شيلون) ذلك السجن العتيق العميق، توجد سبعة أعمدة أقيمت على النمط القوطي، سبعة أعمدة ضخمة شهباء، تتراءى كالحة على بصيص منبعث من شعاع كئيب سجين، شعاع من أشعة الشمس ضل طريقه، فسقط من خلال الشقوق في الجدار الضخم على أرض السجن، واخذ يزحف فوق تلك الأرض الرطبة المبللة كأنه خيال المذنب انعكس في مستنقع

في كل عمود من تلك الأعمدة علقت حلقة، وفي كل حلقة ربطت سلسلة. آه. يا لهذا الحديد من آكل، فهاهي ذي أسنانه لا يزال أثرها في ساقي ولن يزول ذلك الأثر إلا بزوال هذا النهار الجديد، الذي تتأذى به الآن عيناي وتتألمان، لأنهما لم تريا الشمس هكذا تشرق منذ سنوات لا يسعني حصرها، فقد نسيت عددها وغاب عن وعيي تعاقبها الثقيل، منذ أحنى آخر اخوتي رأسه وفارق دنياه، وأنا بجانبه لا تزال تدب في جسمي الحياة!

- 3 -

أوثقونا كلا في عمود من تلك الأعمدة الحجرية وكنا ثلاثة معا، ولكن كل في معزل عن أخويه، ولم نك نستطيع أن نتحرك خطوة واحدة، ولم يك يتسنى لأحدنا أن يرى وجهي الآخرين لولا ذلك الضوء الشاحب الأغبش الذي جعل كلاً منا غريباً في عين أخيه: وهكذا كنا معا وإن كنا في الوقت نفسه منفردين، كانت أيدينا مغلولة مربوطة، ولكن قلوبنا كانت تذوي من الحزن.

على أننا مع ما كنا نقاسيه من حرمان أنفسنا من عناصر الحياة الصافية وجدنا بعض العزاء أن كنا نستطيع أن نتحادث ويسمع كل منا كلام أخويه فيسري كل عن الآخرين بما ينشد من أمل جديد أو بما يذكر من أسطورة قديمة أو بما يتغنى به من نشيد حماسي من أناشيد البطولة ولكن هاتيك التعلات وا أسفاه تسربت إليها في النهاية برودة المكان، وصار لأصواتنا رجع كئيب موحش هو الصدى المرتد من أحجار ذلك السجن، صارت أصواتنا حبيسة ضعيفة ولم تعد كما كانت بالأمس طليقة مليئة. ربما كان ذلك وهما ولكني لم اعد أتبين في تلك الأصوات أصواتنا السوالف.

- 4 -

كنت أكبر هؤلاء الثلاثة، وكان علي أن أشد أزر أخوي وأسري عن قلبيهما، ولقد قمت من ذلك بأحسن ما استطعت، وكذلك قام كل منهما بما وسعه

وتالله لقد حرك الحزن نفسي من أعماقها، وبلغ الأسى منها كل مبلغ من أجل أخي الأصغر، ذلك الفتى الذي أحبه أبي لأنه كان يرى في جبهته جبهة أمه، وكان يرى في عينه لازورد السماء

وفي الحق أنه مما يذكي القلوب أسى أن يرى مثل هذا الطائر في مثل ذلك القفص. ذلك لأنه كان جميلاً كالنهار حين كان يبدو لعيني من جمال النهار بقدر ما يبدوا منه لأعين النسور الفتية المحلقة في جو السماء؛ كان جميلاً كنهار القطب، لا يرى الغروب حتى يتصرم صيفه، ذلك الصيف الصاحي الطويل زمن ضوئه ابن الشمس المتشح بياض الثلج.

كان أخي شبه ذلك النهار في نقائه وبريقه وكان عذب الروح يفيض بالمرح، ولا تعرف عيناه الدموع في شيء، اللهم إلا فيما ينال الآخرين من شقاء، وهنالك تفيضان كما يفيض الغدير المنحدر من الجبل، ولن يرقأ دمعه حتى يدفع ذلك الشقاء الذي أزعجه مرآه وأمضه

- 5 -

وكان الآخر مثله في صفاء الروح، ولكنه خلق محارباً مقداما، فكان قوي البنية، متين الأعضاء، له من قوة الإرادة ما يتحدى به العالم في ساحة الحرب، وكان أشد ما يبهج نفسه أن يتاح له الموت في طليعة الصفوف، لا أن يذوي هكذا في الأغلال.

ولقد أوهن روحه صليل تلك الأغلال حتى ذبلت كما تذبل الزهرة، ورأيتها تتساقط شيئاً فشيئاً، وفي الحق لقد نالني مثل ما ناله، ولكني تجلدت لأبقي على حشاشة هذا البيت العزيز الغالي، وكان أخي هذا صائداً يطارد الغزلان والذئاب على متون التلال، ولذلك كان يرى في هذا السجن أقبح هوة وفي تصفيد قدميه أسوأ عذاب.

- 6 -

كان تقع بحيرة ليمان تحت أقدام ذلك الحصن على عمق ألف قدم. وكانت لججها تتلاطم وتعج حتى لتصل إلى رأسه وتجعل قياس عمقه يبدأ من تلك الرأس البيضاء التي كانت تكتنفها الأمواج من جميع النواحي، وتجعل مع الحائط من الحصن سجنين؛ وتدعه كالقبر الحي!

وكان يقع القبو الذي ألقي بنا فيه تحت سطح البحيرة، وكثيراً ما سمعنا موجها فوق رؤوسنا يلطم الجدران بالنهار والليل ولقد أحسست ثبج الشتاء يضرب القضبان في الريح العاصفة ورأيته ينبعث صعداً نحو السماء الهانئة.

وعند ذلك أرتج الصخر وهو الصخر، وأحسسته يهتز وما هو بالمهتز، ذلك أني كنت حينئذ أستطيع أن ابتسم، أن أرى الموت الذي يطلقني من هذا الأسر!

البقية في العدد القادم

الخفيف