مجلة الرسالة/العدد 18/مناظر من موقعة صفين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 18/مناظر من موقعة صفين

مجلة الرسالة - العدد 18
مناظر من موقعة صفين
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 10 - 1933


للأستاذ محمد فريد أبو حديد

وكان معاوية معروفا بالمغالاة في التوسل بهذه المكائد في سبيل الانتصار، فاذا أردنا أن نعرف سبب نجاح مكيدة المصاحف فلا بد لنل من أن نفترض أن صفوف علي لم تكن خالية من عيون معاوية، وليس التدليل على ذلك ببعيد المنال. فقد ارتفع في أثناء القتال صوت بعد صوت يحاول إحداث الفشل في صفوف المقاتلين. غيران الظروف لم تكن قد تهيأت لذلك بعد. فقد قام شيخ من شيوخ الأزد في أثناء المعركة فجعل يرثى قبيلته وينعى من مات منها في سبيل نصرة على وجعل يقول: (والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا وما هي إلا أجنحتنا نجذها بأسيافنا. . . الخ) غير أن صيحته اضمحلت في حماسة إخوانه وماتت في جلبة المعركة. وكان رئيس ربيعة متهما بالميل إلى معاوية، وقد حدث في أثناء القتال أن انهزم بعض الضعفاء من ربيعة مع ثبات أهل الرايات والشجعان. وقد انصرف ذلك الرئيس منهزما عندما شهد فرار أول المنهزمين، فلما رأى ثبات سائر أصحابه عاد واعتذر عن هربه قائلا انه كان لا يريد إلا إرجاع المنهزمين. فلا بد لنا من أن نفترض وجود هذه التيارات الخفية التي كانت تعمل في جيش على حتى تستقيم الصورة وتصبح ملائمة لطبيعة الأمور. وكان علي لا يحفل بالبحث عن مثل هذه الدسائس. بل لقد كان إذا عرفها ورأى عند صاحبها شبهة البراءة لم يمد إليه يدا بسوء. وكان علي من الشجاعة والاستهانة بالموت في المحل المعروف، وكانت شجاعته هذه تجعله يرتفع عن أن يعبأ بكشف هذه المكائد أو مقابلتها بمثلها. فقد كان رجل كفاح صريح. على أن هذه التيارات الخفية لم تكن بأدعى إلى فشل علي من اضطراب الأهواء تعصف ببعض قلوب من معه، وكان مسلكه الحر لا يكبح هذه الأهواء بل كان يكتفي بأن يشير إلى المبدأ السامي الذي يسعى إليه، ويحض الناس على التمسك به، ويكلهم بعد ذلك إلى نفوسهم ومقدار ما فيها من الإيمان والحرص على الحق. فكان بعض قواده يتنافسون فيما بينهم فلا يعبأ بأن يلتفت إلى تلك المنافسة، بل يحاول أن يصرف حماستهم إلى مقصدهم الأسمى. وإنا ضاربون هنا مثلا بصاحبين من أصحابه كان بينهم تنافس خفي أدى إلى نتائج جليلة في وقعة صفين، ونعني بهذين: الأشعث بن قيس والأشتر النخعي وهو مالك بن الحرث. وكان الأشعث بن قيس كما تقدم حاكما على أذربيجان في مدة خلافة عثمان، فلما قتل عثمان وتولى علي لم يخرج عليه، بل بقى على عمله وأخذ البيعة له، واما الأشتر فقد كان من أهل العراق وكان رئيسا له شهامة وفيه صرامة، وقد غضب على حكام العراق في أيام عثمان وثار بهم حتى كان يمنعهم من الاستقرار والحكم، ثم سار إلى المدينة مع جماعة من أصحابه فكان من رؤساء الثوار الذين حاصروا عثمان بالمدينة. ولما قتل عثمان كان هو متكلم القوم والساعي في اختيار الخليفة الجديد حتى اختير علي، فكان من أكبر قواده، وكان الأشتر من اصلب قواد علي عودا وأحصفهم رأيا ولعله كان من أكبرهم إخلاصا في رغبة الإصلاح العام والعدل في حكومة الدولة العربية. غير أنه كان صارما لا يقبل هوادة، ولا يداري في رأيه. وكان يأخذ على علي إنه قدم الأشعث بن قيس وجعله من قواده. لأنه كان من أكبر رؤوس الثوار على عثمان فلا يثق فيمن سبقت لهم ولاية الحكم في أيام عثمان. فلما كانت موقعة صفين تقدم الأشعث في يوم القتال على الماء فأبلى أحسن البلاء حتى تصايح الجنود أن الأشعث هو صاحب الفخر في ذلك اليوم، وكان المنتظر بعد ذلك أن نراه في طليعة القوم في كل المواطن. غير إنا لا نكاد نسمع له بعد ذلك ذكرا في مدة القتال العظيم بين الجيشين وقد دام اكثر من عشرة أيام، في حين إنا نجد بطل القتال هو الأشتر مالك بن الحرث، نراه في يمين القتال وقلبه، وأنى سار نجد النصر والحماسة. أكان هذا عفوا غير مقصود؟ إذن فاسمع ذلك الانفجار الذي حدث بين الأشتر والأشعث لتعلم مقدار ما كان في أعماق نفسيهما من الحقد والكراهية. لما رفعت المصاحف وطلب معاوية التحكيم انقسم الرأي في جيش علي. ولسنا بسبيل عرض هذا المنظر وإنما نقصد أن نقول أن الأشعث بن قيس كان من أول القواد الذين رضوا بالتحكيم وإيقاف الحرب، وسعى في ذلك سعيا كثيرا إلى حين كان الأشتر قد قرب بجنوده من قلب جيش معاوية حتى أصبح على وشك الوصول إلى شخصه، وحتى فكر معاوية في الانهزام والهرب، وقد اضطر علي عندما رأى انقسام أصحابه وفشله إلى أن يرسل إلى الأشتر يأمره بإيقاف القتال والانصراف عن العدو، وقد آبى الأشتر وتردد ثم اضطر إلى الطاعة وهو كاره ساخط، فلما عاد الأشتر إلى علي ورأى ما رأى من سعي الأشعث في تضييع النصر من يده ثارت حفيظته وكان بينه وبين الأشعث منظر عاصف. قال الأشتر (أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور؟) فقال الأشعث حانقا (إنك والله ما رأيت ظفرا ولا جورا) ثم تدارك الأمر بعد ذلك وعلم انه قد أنكر أمرا عرفه الجميع. فخاطب الأشتر موادعا. قال (هلم إلينا فانه لا رغبة بك عنا) فقال الأشتر غاضبا (بلى والله لرغبة بي عنك في الدنيا للدنيا والآخرة للآخرة. ولقد سفك الله عز وجل بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خير منهم ولا أحرم دما) فسكت الأشعث (وكأنما قصع على انفه الحمم) غير إنه استمر على سعيه في إيقاف القتال حتى تم الأمر وأعلن للجند، وكان الأشعث هو الذي سار في إعلانه. ثم أن الأشعث كان له صولة أخرى عند كتابة الصحيفة التي كتب فيها التعهد، والتي ذكر فيها اسم الحكمين، وموقفه ذلك يدل على ما كان في قلبه من الحقد والحفيظة على علي والأشتر. أراد علي أن يختار عبد الله ابن عباس ليكون الحكم المختار من جانب علي فثار الأشعث ومعه جماعة فقالوا لا نرضى بغير أبي موسى الأشعري وهو رجل غير موال لعلي، وليس من الذين نهضوا معه إلى حرب معاوية. فراجعهم علي في ذلك وقال إذا لم ترضوا بابن عباس فأني اختار الأشتر. فثار الأشعث عند ذلك ثورة عظيمة وقال (وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ وهل نحن إلا في حكم الأشتر؟) قال علي مراجعا: (وما حكمه؟) قال: (أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد) لم تكن هذه لغة الأشعث يوم القتال على الماء. فما أشد ما حقد على علي والأشتر في أثناء الإقامة عند صفين. أليست الحرب جهد المستميت؟ وهل يستميت مثل الأشعث إذا كان قلبه مليئا بمثل هذا الغيظ؟ لا نستطيع أن نقول أن الأشعث باع نفسه إلى لمعاوية على إحداث ما كان، ولكنا لا نستطيع ألا أن نلمح ما تولد في قلبه من الحقد والكراهية، فأما حقده فعلى ذلك المنافس الناجح وهو الأشتر، أما الكراهية فكانت للخليفة الذي لم يتح له فرصة التصدر والرياسة بعد أن اطمع في ذلك منذ يوم القتال على الماء. لقد كانت صفين مسرحا لعوامل خفية. وأهواء قوية، لم تذهب هذه العوامل وتلك الأهواء سدى، بل قد عصفت بحزب علي في اشد المواقف وأحرجها.

دراسة في التصوف

الأصل في دراستي لهذا الموضوع، هو الإعجاب المطلق، ولقد أدى بي هذا الإعجاب، ومبعثه شوق روحي غامض إلى إجتلاء بعض الحقائق السامية، إلى التفرغ لدراسة التصوف الإسلامي في كتب عدة لبعض أئمة الصوفيين وأخص بالذكر منهم الأمام أبا حامد الغزالي والاطلاع على بعض الديانات الهندية وأهمها الديانة الوثنية التي يمثلها نبيهم كرشنا، ولمذهب كرشنا وتعاليمه (بنوع خاص) أثر بارز في دراستي لأصول التصوف. وينحصر مذهب كرشنا في أن الإنسان، يعزف عن الخير لمجرد الوهم والخداع في الدنيا وينصرف إلى الدنيا لأنه لا يعني كثيرا بحقيقة الآخرة. وهو يدعو إلى محاسبة النفس، والقيام بالواجب بدون هوى ذاتي، ومجاهدة الروح، والفناء في محبة الله، وهو يشبه الجسم للروح بالثوب للجسم، ومعنى هذا انه يؤيد فكرة التناسخ. ويقول بأن الروح تنتزع نفسها من الجسم المتداعي إذ لا يعود صالحا لها. لتنتقل إلى جسم جديد، ومعنى هذا أن الروح خالدة. وهو يعزو أعمال الإنسان إلى الروح , ويرى أن ثمة قوة عليا هي التي تحرك الإنسان. . وتسيره، أي أن كل ما يفعله الإنسان مسوق إليه بقدرة الله، وأرادته العالية، ولذلك فأن الإنسان يجب أن يؤدي واجبه دون أن يفكر فيما إذا كان هذا الواجب سيجلب إليه الخير والشر. ولقد عمدت أيضا إلى دراسة الديانة السيخية وأود أن أذكر أن اهتمامي هذا كان مبعثه الأول إلى دراسة التصوف، إحساس روحي عميق، في داخل نفسي، كان يذهب حينا، ثم يعود قويا متجددا فلما تناولت بعض المسائل الروحية بالدرس والتجربة واطلعت على آفاق جديدة في الثقافة الآسيوية، وهي في جملتها روحية أصيلة ألفيت نفسي مقودا إلى استكمال وسائل البحث والدرس. . . وقد يبدو مثل هذا الولع بدراسة المسائل المتعلقة بالروح، شيئا يناهض معنى المدنية القائمة اليوم، وهذا ظن خاطئ فأن المدنية التي ترتكز عظمتها على الآلات ليست كل شيء في سبيل إسعاد الإنسان كما يقول الفيلسوف الروسي ليون شستوف. وهذا الرجل يندد بمساوئ المدنية الحديثة لما فيها من الاندفاع المطلق نحو اجتناء اللذات المادية، حتى صار الإنسان في بعض البيئات الصناعية أشبه بالآلة أو الحيوان أن تجرد من الصفات العليا. وشستوف يدعو إلى تنمية العواطف الإنسانية الكريمة، وتذكية الروح في سبيل الارتفاع بالإنسان، والحيلولة بينه وبين طغيان الشهوات الدنيا والمطامع الوضيعة حتى لا تفسد روحه وتخمد المشاعر السامية في نفسه. والواقع أن هذه الدعوة ليست سوى ترديد لما يعتلج في صدور الكثيرين ممن سئموا طغيان المادة على الحياة، وعادوا يحنون حنينا قويا إلى العناية بالروح، كما يعني بالجسم؛ فأن الإنسان ليكاد لفرط ما يحفه من مظاهر الترف والإغراء يعبد الجسد عبادة وثنية. وحدث منذ عامين تقريبا أن اهتممت بالطريقة الروحية التي غاندي في جهاده الوطني، وهي التي يسميها السياسيون بالطريقة السلبية، أقول: إن اهتمامي بفلسفة غاندي جعلني أتجرد لمعرفة قوة الروح والاطلاع على ما يتصل بها وبالجسم. ومن هذه الأشياء التي سبقت، مجتمعة، تكونت عندي فكرة قوية لمعالجة هذا الموضوع، راجيا أن أكون قد وفقت فيه بعض التوفيق بقدر ما يتسنى ذلك في رسالة قصيرة، ولست أستطيع أن ادعي إنني بلغت فيه كل ما أرجو، فأن هذا الادعاء لا قيمة له لنفسي ولا للقارئ، فأنني متصل بهذه الحياة كالآخرين، اتصالا ماديا، هذا الاتصال الذي اشعر بثقله كلما رأيت الإنسان كم يكذب ويخدع، ويحتال، وينافق. . لكي يعيش. أو بمعنى آخر إن قوة المدنية ومادياتها قد طغت على أرواحنا طغيانا جارفا، فأفسد اكثر النواحي الإنسانية فينا، ونمت الروح الحيوانية في سائر أعمالنا، أو كما يقول برناردشو في كتابه الأخير: (مخاطرات الفتاة السوداء) أصبح الإنسان الحديث عبد الخمر والبندقية. ولست في ذلك بالجاحد لقيمة المدنية، فأن التطور الاجتماعي الذي نلمسه في القرن العشرين كنتيجة لجهود العلماء المتصلة لخير الإنسانية قد أفاد الإنسان في حياته فوائد جليلة، ولكن الانتفاع شيء والاستمتاع شيء آخر. . وإطلاق الشهوات هو طريق الانحدار والانحطاط، وأننا لنرى أكثر علماء هذا العصر قد شغلوا جميعا على الرغم من اختلاف اتجاههم في البحث وتباين ثقافتهم بتوحيد القوى الإنسانية، والتغلب على الشهوات التي تثير في النفس التطلع إلى القهر والإذلال والاستعمار والاستغلال والتمرد على الأمم الصغيرة الوادعة كما يتمرد الرأسمالي على العامل. أن التصوف رياضة نفسية عنيفة، وليس من السهل أن يروض الإنسان نفسه عليها، بل أن وضع المدنية لا تكاد يجعلنا نرى في الصوفية المطلقة كل الخير، وخاصة لما تقتضيه الحياة أن يعيش فيها كعضو عامل منتج، إنما يعني اكثر المشتغلين بالتصوف في هذا العصر بإنقاذ الروح كجوهر. وقد قسم العلاقة توماس باتريك هيوز صاحب الموسوعة الإسلامية حدود الصوفية إلى تسعة أقسام أهمها: أن الله في كل شيء، وكل شيء مستمد منه سبحانه وتعالى، وأن كل شيء مرئي أو غير مرئي خاضع لقدرة الله، وان هناك مقاومة بين الروح والجسد ينهيها الموت. فيذهب الجسم، أما الروح فتبقى. وأساس الاعتقاد عند الصوفيين أن الخلود للروح. ولهذا فأنهم يسلكون طريق التعبد والرياضة النفسية تزكية للنفس والخلق، وتحسينا للشمائل وتبغيضا في الدنيا، واستعداد للرحيل إلى الدار الباقية. . حتى تصفو العقيدة وتنقى السريرة وتصفى من أكدار التكلف والنفاق. ومثل هذه الرياضة تتطلب الخلوة والعزوف عن الأشياء البراقة ومجاهدة النفس وتصعيد الغرائز والارتفاع بالفكر إلى أسمى مكانة، وقد قال الإمام الغزالي في ذلك: (ثم دخلت الشام وأقمت فيه قريباً من سنتين لا شغل لي ألا الغزالة والخلوة والرياضة والمجاهدة اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية، وكنت اعتكف مدة بمسجد دمشق اصعد منارة المسجد واغلق بابها على نفسي، ثم تحرك بي داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة النبي ﷺ بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه وسلم، ثم سرت إلى الحجاز ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن، وعاودته بعد أن كنت ابعد الخلق عن أن ارجع إليه) وللتصوف مراحل لا بد أن يجتازها الصوفي مرحلة وراء مرحلة، وليس من السهل اجتياز كل منها فأنها تحتاج إلى جهد فائق، وجلد كبير، وقوة مدخرة، وأهم تلك المراحل: العبودية والعشق والزهد والمعرفة والوجد والحقيقة والكشف والوصول إلى الفناء. فأذا أشرقت روح الصوفي، ارتفعت به إلى حيث تكشف له السعادة المطلقة، فيبلغ مرتبة الفناء المطلق للفكرة، وتفهم سر الحياة والموت، والصوفي الذي يجتاز تلك المراحل هو الكامل في إخلاصه وتعبده، وقلما يصل اليها متصوف، بل أننا لا نكاد نحصى ألا طائفة صغيرة ممن استطاعوا السمو إلى هذه المنزلة أولئك الذين خلت نفوسهم من الشوائب وتخلصوا وتطهروا وأقاموا حاجز منيعا بين رغباتهم المادية وغايتهم الروحية العليا. وهناك وسائل يتبعها المجتهدون في التصوف أهمها ثلاث: الانجذاب والعبادة والعروج، ومن يقرأ الشعر الصوفي يذهل لفرط ما يرى. فأن الشعراء الصوفيين يصورون حالتهم النفسية تصويرا رائعاً، ففي شعرهم من الهيام والوجد والعشق ما يكاد يحسبه القارئ لأول وهلة لشاعر أغرم اغراما أفلاطوينا بفتاة. والواقع أن انحدار تلك المعاني لا يكاد يختلف عند الاثنين في شيء ما، فبينما نرى الصوفي يتجه مخلصا نحو ذكر الله بالتوسل والدعاء والابتهال، نرى الآخر يقدس الجمال في معناه الأسمى. لا شك أن الصوفي المنصرف عن الدنيا بكل ما فيها. المتجه إلى الآخرة اتجاها تاما إنما يبالغ في فكرته إلى حد الفناء في اعتناق الفكرة فإذا أردنا أن ندرس التصوف على انه تزكية للروح وتنقية له من الشوائب فأن هذا حسن، ولكن من الخطأ أن يكون الإنسان سلبيا بحتا، فأن الحياة قوامها العمل والكتب السماوية كلها تحث على العمل والمثابرة والاجتهاد في سبيل العيش بينا نرى التصوف بمعناه الدقيق يدعو إلى الزهد المطلق والانكسار في جهة ضيقة للتعبد والتقشف، وهذا ما في رأينا إخلاص إلى حد الجنون بالفكرة والتعصب لها، فأننا لنرى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وهو روح الحب والحنان والتسامح قد حمل مصباح الهدى ومشعل الحق وجاهد في سبيل الله بلسانه ويده حتى عمت دعوته، لقد كان النبي الكريم يشتغل بالتجارة ولكن ذلك لم يصرفه عن استخلاص نفسه والتوجه نحو الخالق بالعبادة والصلاة دون أن يعتكف في مكان ضيق من الأرض.

وإننا لنرى العلماء اليوم وخاصة من تشربوا بالثقافة السلافية، يدعون الناس مخلصين إلى تطهير نفوسهم وعدم الانغماس في ملذات المدنية تنزيها لجوهر الروح عن الفساد وخوفا على البشرية من الانزلاق في مهاوي الشهوات والترف كما ذهبت في الماضي بعض المدنيات العريقة طعمة لجنون الشهوات والطمع والفساد الاجتماعي.

محمود عزت موسى.