مجلة الرسالة/العدد 164/خطب فلسطين بين الصهيونية والاستعمار

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 164/خطب فلسطين بين الصهيونية والاستعمار

مجلة الرسالة - العدد 164
خطب فلسطين بين الصهيونية والاستعمار
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 08 - 1936


للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

لا يزال العرب في فلسطين ماضين على سنتهم - يقاتلون، وينافحون، ويذودون عن حقيقتهم، بل وجودهم. وقد توسط الأمير عبد الله بينهم وبين الإنجليز غير مرة فما أجدت وساطته، وسمع من زعماء العرب الذين استقدمهم إليه في عمان أنهم ينتظرون منه أن يكف عن كلامهم في ذلك إلا إذا كان يستطيع أن يبلغهم أن مطالبهم أجيبت بلا نقص، وليصنع الإنجليز ما شاءوا، وليبلغوا بقوتهم مجهودها. ولو كان الأمر يحتمل المساومة لجنح العرب إلى السلم، ولكنهم لم يبق لهم اختيار، فأما أن يموتوا الآن مدافعين وإما أن يوطنوا النفس على الجلاء عن وطنهم والخروج من ديارهم إذا ظلت أبواب (الهجرة الصهيونية) مفتوحة. ومن هنا هذه الاستماتة في الثورة الفلسطينية.

ولو كانت هذه الثورة شبت في فلسطين في أعقاب الاحتلال الإنجليزي، لكانت أهول وأروع، فقد كانت البلاد غاصة بالسلاح والذخيرة، ولكن الخطر على العرب من (الهجرة الصهيونية) لم يكن قد تجسد كما تجسد الآن، ولا كان العرب في البلدان الأخرى - فضلاً عن فلسطين - قد أفاقوا من صدمة الغدر الاستعماري بهم. أما الآن فقد صار الخطر على العرب فلسطين حقيقة يحسها كل واحد في نفسه وفيما حوله. وانتسخ الأمل في أن يفيء الإنجليز إلى العدل ويؤثروا القصد بعد أن رآهم العرب يهملون ما أوصت به وحضت عليه ثلاث لجان من لجان التحقيق جاءت من لندن إلى فلسطين وأجمعت على أن الهجرة يجب أن تقف لأن البلاد لا تحتمل استمرارها. وكان ذلك قبل سنوات عديدة، فكيف الآن؟؟

وقد تغيرت الأحوال في البلدان العربية الأخرى، فاستقر الأمر في جزيرة العرب، ووضع الصلح الكريم بين نجد واليمن الحجر الأول في بناء الوحدة العربية، وجاءت المعاهدة التي عقدت في هذا العام بين العراق والدولة العربية السعودية، فكانت خطوة أخرى واسعة في سبيل الحلف العربي؛ وهبت مصر تطلب أن يسوى الأمر بينها وبين بريطانيا فبادرت بريطانيا إلى الدخول في المحادثات التي انتهت منذ أيام إلى الاتفاق؛ وتلتها سوريا فأضربت شهرين أو أكثر، فلا بيع ولا شراء، ولا أخذ ولا عطاء، وتفاقمت الأزمة واستحال علاجها بغير النزول على حكم الواقع، فردت فرنسا نفسها على مكروهها وعد عن غطرسة القوة التي لا تجدي أمام المقاومة السلبية الشاملة، ودعت رجال سوريا إلى المفاوضة اقتداء ببريطانيا في مصر والعراق. ولا تزال هذه المفاوضات دائرة؛ وإذا كانت تتعثر، فما من شك في أن سوريا بالغة سؤلها عاجلاً أو آجلاً، فما بقي من هذا مفر، وإلا قامت القيامة في وقت لا ينقص فرنسا فيه الأزمات والارتباكات والمشاكل العويصة.

فالدنيا تتغير حول فلسطين، والإنجليز هناك جامدون لا يغيرون شيئاً من سياستهم، ولا يبدلونها على ما تقضي به الأحوال الجديدة. وهذا هو وجه العجب منهم، فإن العهد بهم أنهم أهل كياسة ومرونة وحذق، وأنهم أساتذة بارعون في تكييف سياساتهم وفق الأحوال. ولكنا نراهم الآن يجزعون من الاتفاق المنتظر بين فرنسا وسوريا، ويشفقون على فلسطين من عدوى الاستقلال السوري حتى ليقال إنهم سعوا سعيهم عند فرنسا ليحبطوا الاتفاق أو يؤخروه على الأقل حتى يفرغوا من ثورة فلسطين.

ويبدو لنا أن عناد الإنجليز في فلسطين يرجع إلى سببين: أحدهما أنهم يريدون أن يجيء اقتراح وقف الهجرة من الصهيونيين أنفسهم، مصانعة منهم للنفوذ المالي للصهيونية في بلادهم وفي العالم كله. وهم لا ينكرون أن العرب على حق في المطالبة بوقف الهجرة والاكتفاء بما كان إلى الآن؛ ثم إنهم يعرفون أن وقف الهجرة لا يناقض ما وعدوا به من إنشاء الوطن القومي ولا ينافي عهد بلفور، لأن هذا الوعد كان بإنشاء الوطن (في) فلسطين لا بجعل فلسطين كلها وطناً قومياً للصهيونية. وقد تم ذلك وأنشئ الوطن وتحقق الوعد وبرت إنجلترا بالعهد. ثم إن العهد نفسه مقيد بالمحافظة على مصالح أهل فلسطين الأصليين. فإذا وقفت الهجرة فإنها تقف تنفيذاً للعهد، كما أبيحت تنفيذاً للعهد. ولكن الحكومة البريطانية تتلكأ حتى تتقدم اللجنة الصهيونية باقتراح الوقف بعد أن تتبين لها استحالة الاستمرار.

والسبب الثاني أن بريطانيا تروم أن تخضع العرب في فلسطين وتكرههم على إلقاء السلاح قبل أن توفق سوريا في مفاوضة فرنسا، لأن العود إلى الثورة يكون عسيراً جداً، ولا بد من انقضاء فترة طويلة تستريح فيها الأمة من مجهود الثورة وتستجم. والمعهود في الإنسان أن الحماسة تنبه أعصابه وتشدها فلا يكاد يشعر بعظم الجهد الذي يبذله والمشقة التي يعانيها، ولكنه بعد أن يفرغ من ذلك ويسكن لا تكاد حاجته إلى الراحة تنقضي. وهذا هو الذي تعول عليه بريطانيا في فلسطين؛ فهي تلج في العناد وتأبى إلا العنف في القمع وتصر على التسليم والسكون قبل أن تعد بشيء أو تظهر استعادها لإجابة المطالب العربية، لعلمها أن العرب إذا سكنوا فبعيد جداً أن يثوروا كرة أخرى إلا بعد فترة راحة طويلة. وإلا فمتى عهدنا الإنجليز يقاتلون في سبيل غيرهم ويسخون بدمائهم هذا السخاء من أجل شعب آخر، ولا سيما إذا كان هذا الشعب لا يقاتل ولا يدافع عن نفسه بل يلقي عليهم وحدهم عبء الدفاع كله؟؟ فليس حرص الإنجليز على الوطن القومي وإنما هو مركزهم في فلسطين، وهم لا يعبئون شيئاً بوعد بلفور فقد نقضوا ألف وعد ووعد مثله ولم يعدموا مسوغاً، وإنما الذي يخشونه هو أن يترقى العرب في مطالبهم من وقف الهجرة إلى جلاء الإنجليز أنفسهم عن بلادهم. فما يخفى عليهم أن قضية الوحدة العربية أو الحلف العربي تتقدم، وأن الثقة بإمكان ذلك تعظم وتقوى، وأن الإيقان بتحقيق هذا الأمل يعمر الصدور، ولكنا كنا نظن أن الإنجليز أبعد نظراً مما يبدون الآن في فلسطين، فأن العرب أصدقاء طبيعيون لبريطانيا؛ وهم يؤثرون محالفتها على سواها لأنها دولة شبعت واكتظت فحسبها أن تتحفظ بما لديها وأن تستبقي خير ما في يديها. فالعرب لا يتوجسون منها كتوجسهم من دولة كإيطاليا تحدثها آمالها بنشر الدولة الرومانية التي عفى عليها الزمن. ومن مصلحة بريطانيا أن تضمن ود الأمم الواقعة على طريق إمبراطوريتها وأن تثق بمعونتها ووفائها لها عند الحاجة، وبغير ذلك لا ندري كيف ترجو السلامة وتأمن أن تتبعثر أجزاء إمبراطوريتها تبعثر حبات العقد؟؟ ولكن سلوكها في فلسطين ينفر العرب جميعاً في كل رقعة من رقاع الأرض ويسود قلوبهم ويوغر صدورهم، والعرب أمة تكبر العدل كائنة ما كانت الأغراض المحجوبة والغايات المستورة؛ وليس في وسعهم أن يعذروا بريطانيا وهم يرون عرب فلسطين يكتفون بمطالب اعترفت لجان التحقيق الإنجليزية واحدة بعد واحدة بعدلها ووجوب إجابتها. وليس أدل على أن قلوب العرب كلهم يعصرها الألم لمصاب فلسطين من إجماع ملوك العرب على التوسط عند الحكومة البريطانية طالبين الإنصاف لهذا الشعب المسكين. وقد تستطيع بريطانيا بقوتها أن تطفئ الثورة وتخمد الوقدة، ولكنها لا تكسب بذلك بل تخسر: تكسب استقرار الأمر لها على الحد الذي ترومه في فلسطين - إلى حين - وتخسر العرب جميعاً في كل رقعة من رقاع الأرض. ولو فاءت إلى العدل، لما غض ذلك منها عند العرب، ولا حمل أحداً على الاستخفاف بقوتها كما تتوهم، بل لكان ذلك حقيقاً أن يرفع مقامها ويعلي منزلتها، لأن العرب كما قلنا لا يكبرون شيئاً كما يكبرون العدل، والعادل عندهم أسمى مكاناً وأرفع درجات وأحق بالتوقير من القوى، وتاريخهم الطويل كله - في أمجد عصورهم وأحطها - شاهد بذلك.

إبراهيم عبد القادر المازني