مجلة الرسالة/العدد 163/من (الكتاب الذهبي) قبل أن يطبع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 163/من (الكتاب الذهبي) قبل أن يطبع

مجلة الرسالة - العدد 163
من (الكتاب الذهبي) قبل أن يطبع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 17 - 08 - 1936


لغة الأحكام والمرافعات

للأستاذ زكي عريبي

- 2 -

خلق الألفاظ والتعبيرات العلمية

وثمة صعوبة أخرى يلقاها المترافع المصري: تلك هي صعوبة العثور على اللفظ اللازم أو التعبير اللازم في المحل اللازم.

قدمنا أن كثيراً من المشتغلين بالقانون في مصر - بل قل غالبيتهم المطلقة - درسوا القانون بلغة أجنبية استجمعت شروط الصلاحية للتعبير عن كل فكرة أنتجها الفقه الحديث. وجميع هؤلاء، محامين كانوا أو وكلاء نيابة أو قضاة، مطلوب منهم أن يصوغوا ما تعلموه بالفرنسية أو الإنكليزية كلاماً عربياً فصيحاً.

دعك من صعوبة التفكير بلغة والكتابة بأخرى، فقد يتغلب عليها من ملك زمام اللغتين كقاضي قضاتنا، يعرض للقاعدة المعروفة أن العقوبة شخصية لا يمكن أن تعدو الجاني إلى غيره فيؤديها بهذا الاقتباس البديع (القاعدة العامة ألا تزر وازرة وزر أخرى). دعك من هذا فقد يثبت المثل المتقدم أن الأمر مما لا يصعب تذليله، وتعال إلى ضرورة إيجاد الألفاظ والتراكيب اللازمة لتأدية معان مشهورة مستقرة في فرنسا وغيرها من بلاد الفقه الحديث.

هنا الصعوبة الكبرى يلقاها المشتغلون بالكتابة القانونية كل يوم. ولا سبيل لقهرها سوى التعريب والاشتقاق.

والأول سهل ميسور على شرط الرضاء بأن تكون لغتنا القضائية شبيهة بالمالطية. ومن ذا الذي يرضى لنفسه الآن أن يقول كما كانوا يقولون في أحكام عثرنا عليها في مجموعة (القضاء) سنة 1887 (ابللو) و (محاكم الريفورمه)؟

لم يتعين إذن سوى طريق الاشتقاق وهو أصعب ما يكون. لا لأن الأمر يتطلب تعمقاً في اللغة وحسن ذوق في الاختيار فحسب، بل لأن اللفظ المشتق كثيراً ما يلتوي معناه على غير ناحيته. هو في حاجة بفرض التوفيق من هذه الناحية إلى مبايعة رجال القانو واعترافهم به سيداً غير منازع لمعنى خاص).

خذ مثلاً كلمتي فقد حار صديقنا القاضي مصطفى مرعي وهو الفصيح المفوه في ترجمتها ولم يوفق بعد طول الجهاد لغير (المسئولية التقصيرية)، وقد يقول سواه (المسئولية الخطئية). وكلا التعبيرين قاصر في نظري عن تأدية كل المعنى المنطوي في العبارة الفرنسية.

وإن أنس لا أنس ما لاقيته وأنا أحاول تأدية معنى في مذكرة قدمتها لمحكمة النقض عن الشروط الواجب توفرها في جريمة شهادة الزور. بماذا أعبر عن هذا الركن من أركان الجريمة؟ إن قلت: (دعوى مربوطة) وهي الترجمة الحرفية للفظ الفرنسي كانت ترجمة سقيمة باردة. وإن قلت: (دعوى معلقة) انصرفت الصيغة إلى معنى آخر. وأخيراً استخرت الله فقلت: (دعوى قائمة) وأنا لا أدري أأديت أم لم أؤد؟

على أن هذا الذي حار فيه عجزي قد استقام لمحكمة النقض برياسة إمام اللغة القضائية العصرية عبد العزيز باشا فهمي، فقد صدر حكمها مقرراً أن لا شهادة زور حتى تؤدى في دعوى (مرددة) بين خصمين، وهو تعبير بارع دقيق، لم يكن في ميسور غير الضليع المتفقه في اللغة العثور عليه.

ولنقف عند هذا الحد من الكلام على مشاق الناطقين بالضاد في عصر اللاسلكي والكهرباء، فقد ساقتنا المناسبة إلى أبعد مما نريد؛ ولنقصد رأساً إلى لغة المرافعات، كيف كانت، وكيف يجب أن تكون، ثم نعقب على ذلك ببحث موجز في لغة الأحكام.

لغة المرافعات

ضرورة البلاغة في إظهار الحق

اتفق الناس من قديم على أن البلاغة صفة لازمة لمن جعل الدفاع عن حقوق الناس مهنته، تواضعوا على وجوب أن يكون المحامي فصيح اللسان، بالغ الأثر بكلامه، متلاعباً بالعقول والقلوب؛ وما يزال الإجماع على لزوم توفر هذه الصفات واقعاً.

ولكن لماذا؟

أليس الحق هو بغية المترافعين عن الحق؟ أوليس الحق حقاً بذاته؟ أيوجد أوضح وأظهر منه؟ فيم حاجة المترافع عن الحق إذن إلى الصنعة وإلى التفنن في أساليب الخطاب؟

أحد أمرين: إما أن المترافع يرمي إلى قلب الحقائق فلا بد له من زخرف القول يموه به ويغرر. وإما أن الحق المجرد بغيته ومطلبه، والحق المجرد ميسور بمجرد الطلب.

خطأ بالغ!

سل طلاب الحق في كل زمان ومكان ينبئوك بأن الكلام عن نوره الساطع وشمسه المتألقة وسلطانه القاهر خيال في خيال. حدثهم عن كنهه يخبرونك بأنه جوهر نادر ثمين مستقر في أعمق الأعماق، خفي على الباحث، عصي على المستخرج؛ وأن وجوده إذا هو اكتشف وجود نسبي يقتصر في الغالب على المكتشف، فإذا ما أراد هذا أن يثبت اكتشافه للغير وجب أن يعد نفسه لحرب عوان ليس له من سلاح فيها غير بيان حسن، ومنطق واضح، وبلاغة غالبة.

يحكى عن أومرسون أحد جهابذة الفقهاء في عصره، وقاضي القضاة في عهد لويس الخامس عشر، أنه قال: (والله لو اتهمت بسرقة برجي كنيسة نوتردام وجرى الغوغاء في أثري صائحين: (اللص، اللص) لبدأت دفاعي عن نفسي بإطلاق ساقي للريح).

مبالغة ولا شك، ولكنها مبالغة أراد بها من عرك المحاكم دهراً أن ليس في عالم القضايا شيء يزاحم البديهة ويقر له بالصحة حتماً. وإنه يكفي أن توجد تهمة لكي يوجد بجانبها خطر الحكم على المتهم ظلماً، أو تبرئة الجاني خطأ.

على أنه من ذا الذي يستطيع التحدث عن الحقيقة المجردة المطلقة؟ أين الحق الذي لا يمازجه باطل؟ وأين الباطل الذي لا يمازجه حق؟ النسبية قانون متمش في كل شيء في الوجود؛ وليس أسهل من تبين حكمه في عالم الحقوق؛ ورحم الله الإمام الأعظم أبا حنيفة، فقد قال لتلاميذه يوماً: (أراكم تسرفون في الأخذ عني، فو الله إني لأرى اليوم رأياً أعدل عنه غدا إلى عكسه). وسأله سائل مرة: (هذا الذي تفتي به أهو الحق الذي لا شك فيه؟). قال: (والله لا أدري، فقد يكون الباطل الذي لا شك فيه).

في كل دعوى إذن مزاج من الحق هو أشبه شيء بالذهب تخالطه عناصر كثيرة متنوعة على المترافع أن يطهره منها فيخرج بالمعدن النفيس متألقاً وهاجاً. وأنىّ له ذلك إلا أن يؤدي رسالته على الوجه الأكمل، فيجلو ما غمض، ويبسط ما تعقد، ويسهل ما استعصى، والأمر بعد ذلك ورغم ذلك لا للقضاء وحده، بل للقضاء والقدر.

ورب حجة سائغة قاطعة يحويها كلام سقيم فتضيع قوتها، وتخمد جذوتها، فإذا ناصرها البيان، وقدمها فصيح اللسان انقلبت سحراً حلالاً.

تعريف البلاغة

البلاغة إذن ألزم اللزوميات للمترافع، ولكن ما البلاغة؟ وبعبارة أخرى - حتى لا تظن أننا قد شردنا عن الموضوع الذي نعالجه - كيف يجب أن تكون لغة المترافع.

احترام قواعد اللغة

من العبث أن ينبه منبه على ضرورة احترام قواعد اللسان الذي يستعمله المترافع أداة للإقناع. إنه يخاطب في الغالب هيئات نالت حظاً يذكر من الثقافة العامة، وإنه ليحترم هذه الثقافة إذا هو نزه سمعهم عن لغة السوق والغوغاء فكلمهم بلسان سليم يحترم فيه قواعد النحو والصرف.

محل اللغة العامية في المرافعات

ولكن أمعنى هذا أنه يجب نبذ اللغة العامية وإقصاؤها عن المرافعات حتى ولو طهرت من سفساف القول وخلت من كل ما يؤذي السمع؟

الحال تختلف في مصر عنها في غالب البلاد الأوربية، فهناك تتكلم الطبقة الراقية (ومنها المترافعون عادة) بعين اللغة التي يكتبون بها ويقرأون. صحيح أن المتكلم لا يعني باختيار اللفظ وصقل الكلام عنايته بهذين الأمرين إذا كتب؛ وصحيح أن لغة الارتجال ما تزال تختلف اليوم عن لغة التحرير، فالأولى تسمع والثانية تقرأ، ولكن مجرى اللسان في الحالتين واحد فلا يميز بينهما إلا الضليع في اللغة.

وليس الأمر كذلك في مصر، فنحن - وأعني طبقة المتعلمين - نستعمل إلى اليوم في بيوتنا وفي حديثنا مع أصدقائنا بل وفي تفكيرنا إذا خلونا إلى أنفسنا لغة نعدل بها عدولاً ظاهراً إذا وقفنا للدفاع أو جلسنا للكتابة.

فهل يجب أن نمضي في هذه السبيل إلى نهايتها؟ وهل يجب إقصاء اللغة العامية عن المرافعات؟

المسألة شائكة حقاً. وإنه ليكفيك أن تسمع واحداً من شيوخ مدارهنا المقاويل لكي تأخذك الحيرة ويعصى عليك الحكم.

أينا لم ير الهلباوي في أحد مواقفه الرائعة؟ إنه يتكلم الفصحى فيزري بفقهاء اللغة. ولكن الرجل محام بطبعه وسليقته فهو يعرف أن العربية الصحيحة ما تزال إلى اليوم لغة صنعة، وأنها ما تزال تجهد المتكلم والمخاطب معاً. والإجهاد إذا طال انتهى إلى الملل والسآمة. لهذا تراه وقد فرغ من التحليق في سماء البيان وانتهى من قرع الأسماع في نقطة معينة بخطاب فخم داوي الألفاظ رنان العبارة، تراه بعد هذا وقد هبط بك من جوه الأعلى إلى سهل موطأ من كلام عامي يروي به لطيفة من لطائفه السائغة، أو يسوغ منه ملحة من ملحه العذبة البارعة، أو يبري منه سهماً من السخر الفتاك ينفذ به إلى مقاتل الخصم.

أنودع من غير أسى هذه اللهجة الحلوة التي طبعها الخلق المصري بطابعه الخاص منذ ألف أو يزيد من السنين وأصبحت مظهراً قومياً تتيه به مصر على جاراتها العربيات كلما ذكر موسيقى اللفظ وخفة وقع الكلام على السمع وسرعة نفاذه إلى القلب؟

لا. سوف تبقى العامية إلى جانب العربية الفصحى لغة مرافعة إضافية تصاغ منها النكتة البارعة يخف بها الضجر ويطوي بمعونتها ملل الجلسات الطويلة القاحلة. سوف تبقى لغة كلام متبخر زائل بزوال الجلسة التي يقال فيها. وليس من بقائها ضرر فهي لن تطغي على الفصحى بحال، ولن تقوى على الحلول محلها في موضع الجد وعند المناقشة الحامية تدور حول مسائل علمية أو موضوع خطير.

بل إن تخش شيئاً فاخش زوال العامية بزوال الأمية وانتشار التعليم. بل لقد بدأت هذه النهاية فعلاً. فإن اللغة التي يتفاهم بها عامة أهل المدن هي بالتأكيد غير ما كان يتخاطب بها آباؤهم منذ خمسين عاماً. إنها أقرب إلى الفصحى بفضل ما تذيعه الجرائد السيارة والمجلات المصورة وغيرها من صحيح الألفاظ والعبارات، ولن يمضي طويل حتى تصبح الحال كذلك في الأرياف فتدول دولة العامية ويسود مصر من أقصاها إلى أقصاها لسان راق أكبر أملنا أن يتجدد به شباب لغة القرآن.

روح الفكاهة في لغة العرب الفصحى ولسنا نخاف على روح الفكاهة من هذا التجديد، فالبرهان قائم على صلاحية الفصحى العصرية لما ينطوي عليه الخلق المصري من حب للمرح والدعابة. لقد طاوعت فكري أباظة إلى آخر حدود المطاوعة. وإن تأسف لشيء فلأنه لم يقع لنا من كلام الأستاذ شيء قضائي يمكن أن يجد له محلاً في هذا البحث. ولكن إن فاتتنا دعابة فكري أباظة القضائية فلم تفتنا لحسن الحظ دعابة عمر بك عارف. أنظر إليه وقد قام يترافع في قضية قذف مشهورة كان المتهم فيها موظفاً استباح لنفسه أن يتدخل في السياسة وجمح به قلمه مرة فنال من رجل كريم.

(ولكن المتهم آثر التعرض للسياسة وما هو لها. وانصرف إلى التشيع فيها ورضي أن يكون موقفه منها موقف الزبانية من جهنم، فهو يطلع على خصومه يشع وجهه ناراً منتفخ الأوداج ينضنض بلسانه على لقم الطريق، إن تعرضوا له يلهث، وإن تركوه يلهث. ثم إذا فرغ من تعذيب الناس مما رماهم به من جارح القول عاد يتصبب عرقاً، وأخذ مجلسه من ديوان الصناعة والتجارة يمد يداً للوظيفة يعدها قرشاً قرشاً ويمسح عرقه بالأخرى كأنه أبلى في عمله الحكومي الذي أؤتمن عليه).

صورة بارعة بلغت فيها الدعابة الساخرة غاية ما يتمناه صاحب (النكتة البلدية) ولكن بلغة هي من أفصح ما يكون.

وليست مطابقة الكلام لقواعد النحو إلا عنصراً واحداً من عناصر لغة المرافعة الجيدة، فما هي عناصرها الأخرى؟

(يتبع)

زكي عربي

المحامي أمام محكمة النقض والإبرام