مجلة الرسالة/العدد 153/للتأريخ السياسي:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 153/للتأريخ السياسي:

مجلة الرسالة - العدد 153
للتأريخ السياسي:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 06 - 1936

4 - اليوم السابع من مارس

ضربة مسرحية في برلين

للدكتور يوسف هيكل

موقف دول لوكارنو وقرار مجلس العصبة

لنر الآن ماذا كان رد الفعل في عواصم دول لوكارنو، وموقف فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وإيطاليا إزاء حوادث 7 مارس والمذكرة الألمانية:

كان وقع قرار 7 مارس شديداً على باريس، ولقد أهاج الدوائر الرسمية والرأي العام، برغم أن هذه الحوادث كانت في الحسبان، وأول عمل احتياطي قامت به حكومة باريس هو إبقاء الجنود الذين كانوا على أهبة الذهاب إلى بيوتهم تحت السلاح إلى أجل غير مسمى، ثم إرسال جنود وقوى حربية لتحتل القلاع الواقعة على الحدود الألمانية.

وفي الساعة السابعة والنصف من مساء يوم الأحد الموافق 8 مارس ألقى مسيو سارو، رئيس الوزارة الفرنسية، خطاباً في الراديو على الشعب الفرنسي، عرض فيه العلاقات الفرنسية الألمانية منذ الحرب والجهود التي بذلتها فرنسا للتوفيق بين الجارتين. . . وقد صرح بأن الحكومة عازمة على المحافظة على معاهدة لوكارنو التي هي شرط أساسي لسلامة فرنسا. . وأنها ترفض منهاج الهر هتلر لسببين: أولهما أن ألمانيا قدمت مثلين في تمزيق المعاهدات بقرار منها وحدها خلال سنة واحدة، وهذا العمل المنافي للحقوق الدولية يدعو إلى نزع الثقة من المعاهدات المقبلة التي تعقد معها. والسبب الثاني وهو أشد فظاعة، كون ألمانيا قد أرسلت قوى عسكرية إلى أراضي الرين خلافاً لكل قانون دون أن تعلم الدول بعزمها قبل تنفيذه، ودون أن تفكر في المفاوضة مع دول لوكارنو للوصل إلى حل مرض، بل جابهت هذه الدول (بالأمر الواقع) في أبشع وأفظع صوره. وقال بأن فرنسا سترفع الدعوة إلى مجلس عصبة الأمم، وأنها ستضع قواها المعنوية والمادية تحت تصرف مؤسسة جنيف. . .

وفي يوم الثلاثاء الموافق 10 مارس ألقى مسيو سارو (رسالة) الحكومة في مج النواب، ومسيو فلاندان في مجلس الشيوخ، وعرضت الحكومة فيها أعمال الحكومة النازية المخالفة للحقوق الدولية، وتمزيقها المعاهدات المقدسة. . . وأبان بأن عمل الهر هتلر لا يضع على بساط البحث مشكلة الرين، بل مسالة حرمة المعاهدات والعلاقات الدولية وكيان عصبة الأمم. وقال إنه إن أخذت كل أمة ترفض المعاهدات حسب إرادتها فلا سلام ولا حرمه للقانون، بل تحل محل الحق القوة المادية. . .

وفي هذا الخطاب هدأت حكومة باريس ثورتها، ولطفت رفضها البات في المفاوضات، وقالت إنها لا ترفض العمل لحل المشاكل الحالية ولتحسين العلاقات الفرنسية الألمانية، غير أن فرنسا لا تستطيع المفاوضة تحت ضغط القوة التي تمزق المعاهدات الموقع عليها عن طيب خاطر.

وأخذت الصحافة تندد بأعمال الهر هتلر وتبين الخطر الذي سيواجه أوربا نتيجة لعدم احترام المعاهدات. . . وتلوم بريطانيا لاتباعها اللين مع ألمانيا ولمسايرتها لها. . .

أما في لندن فقد أخبر مستر ايدن السفير الألماني عندما تسلم منه مذكرة بأن حكومة جلالته غير راضية عن انتهاك ألمانيا حرمة المعاهدات. وقال في خطابه الذي ألقاه في مجلس العموم في 9 مارس بعد أن أبان مخالفة عمل الهر هتلر للحقوق الدولية، والخطر الذي ينجم عن اتباع مثل هذه السياسة، إن عمل ألمانيا لا يعد تهديداً، غير أن الحكومة البريطانية تصرح بأنها ستكون في صف فرنسا وبلجيكا فيما إذا هاجمت ألمانيا إحداهما. . .

وغريب بأن يقول مستر ايدن بأن عمل ألمانيا لا يعد تهديدا، ومعاهدة فرساي صريحة العبارة في قولها (البند 44) بأنه في الحالة التي تخالف فيها ألمانيا مضمون البندين 42و43 (تعتبر قائمة بعمل عدائي نحو الدول الموقعة على هذه المعاهدة ومحاولة تعكير صفو السلام).

ولكي يثبت مستر بلدوين من أن الأزمة الحالية سوف لا تقود بريطانيا إلى تطبيق سياسة (العقوبات) الاقتصادية على ألمانيا أصر على أن يوافق اللورد هاليفاكس مستر ايدن في جميع اجتماعاته التي لها علاقة بحوادث الرين، واللورد هاليفكس صديق ألمانيا الحميم. . .

وكان وقع حوادث 7 مارس في الدوائر السياسية اللندنية نقيض ما كان عليه في باريس.

وإن كان ساسة لندن غير راضين عن الطريقة التي أتبعها هتلر في الوصول إلى احتلال أراضي الرين، غير انهم وافقوا ضمناً على نتيجة عمله، حتى أن بعضهم صرح بذلك، والبعض الآخر أخذ يقول بأن عمل هتلر ما هو إلا فرصة مناسبة لحل المشكلات الأوربية، وخصوصاً لإزالة كل خلاف بين ألمانيا وفرنسا! وكانت الصحافة وعلى رأسها (التيمس) تقول بهذا الرأي. ولا عجب في ذلك، إذ أن الرأي العام في بريطانيا ناقم على معاهدة لوكارنو، حتى أنها كانت سبباً في ضياع شهرة السير أستن شمبرلين، ولأن حكومة لندن تريد إنعاش ألمانيا وإدخالها ضمن حلقة دول ذات المكانة في السياسة الدولية، لكي تتخذ منها سنداً ضد فرنسا التي أخذت تعاكس بريطانيا ظاهرة في سياستها الخارجية، من جهة ثانية، ولقد رأينا الهر هتلر عرف كيف يستفيد من هذا الشعور البريطاني ويستغله.

وموقف بلجيكا يشابه موقف فرنسا: فالرأي في الدوائر السياسية والرأي العام ضد حوادث 7 مارس على خط مستقيم. لاسيما وأن بلجيكا لم تكن عضواً في المعاهدة الروسية الفرنسية، التي هي في رأي الهر هتلر، سبب زوال لوكارنو. . .

أما إيطاليا فلزمت الصمت، ولم تبد صحافتها رأياً في ذلك. على أن ممثل إيطاليا صرح بأن حكومته تحترم لوكارنو، غير ان ظروفها الحالية ترغمها على التحفظ. . .

رفعت فرنسا وبلجيكا وحدهما الدعوى إلى مجلس عصبة الأمم، في حين أن معاهدة لوكارنو توجب ذلك على جميع الموقعين عليها، إذ هي تعتبر احتلال أراضي الرين عملاً عدائياً نحو كل من المتعاهدين. . .

وكان مكان اجتماع مجلس العصبة عاصمة بريطانيا حسب اقتراح مستر إيدن. وعقدت الجلسة الأولى الساعة 11 من صباح يوم السبت التالي لحوادث 7 مارس، في قصر (سنت جيمس) وكانت سرية، وقال مستر إيدن في هذه الجلسة إنه يظهر له من المادة 17 من صك العصبة وجوب تمثيل ألمانيا في جلسات مجلس العصبة. وبعد جدال حول هذا التفسير للمادة 17 تقرر أن يرسل سكرتير مجلس العصبة برقية إلى الهر هتلر يقول فيها بأن (. . . مجلس العصبة يدعو حكومة ألمانيا بصفتها عضواً في معاهدة لوكارنو لتشترك في فحص مجلس العصبة للدعوى التي رفعتها حكومتا فرنسا وبلجيكا. . .)

ولقد ذهب مساء يوم السبت السير أريك فيبس، سفير بريطانيا في برلين لمقابلة بارون فون نيرات وزير خارجية ألمانيا ليعلمه بأن بريطانيا تعلق أهمية كبرى على قبول ألمانيا دعوة مجلس العصبة. وفي صباح الأحد زار السير اريك فيبس (الزعيم) وأوقفه على رأي حكومة لندن.

وبعد أن استشار الهر هتلر مستشاريه أرسل إلى سكرتير العصبة يخبره بأن حكومة ألمانيا تقبل الدعوة مبدئياً على شرطين:

أولهما: أن يكون لممثل حكومة ألمانيا حق المساواة مع بقية ممثلي أعضاء المجلس في المرافعات وقرارات المجلس.

وثانيهما: أن تتسلم حكومة ألمانيا تأكيداً قطعياً بأن الدول المعنية - مستعدة للدخول حالا - في المفاوضة على (منهاج السلام الألماني)؛ الذي يعتبرونه (أي الدول) وإعادة السيادة الألمانية في أراضي الرين كخطوة سياسية متحدة، وجزأين متلازمين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

واعتبرت بريطانيا الشرط الأول معقولاً ومقبولاً. وأن عزم بريطانيا كان ولا يزال على أن تكون ألمانيا في لندن على قدم المساواة مع الدول الأخرى. وأما الشرط الثاني فقد أغضب الدوائر السياسية وأثار الصحافة على حكومة برلين، وكتبت مقالات رئيسية ناقشت فيها أعمال هتلر وجوابه الأخير، حتى أن لهجة (التيمس) كانت غير مألوفة. ومما قالته في عددها الصادر في 10 مارس إنه يجب التذكير وإعادة القول بأن عمل ألمانيا كان مهيناً في أسلوبه، و (إن دولة غير شريفة قادرة دائماً وأبداً على أعمال غير شريفة). . وأنه حجر عثرة محال قبوله، ولا يمكن لفرنسا احتماله

وفي الواقع لقد أثار جواب الهر هتلر الرأي العام الفرنسي وأخذت الصحافة تهاجمه مهاجمة عنيفة، واضعة اللوم كله على بريطانيا لمساعدتها ألمانيا وتشجيعها لها. ولقد صرح مسيو فلاندان لمراسلي الصحف بأنه يرفض طلب الهر هتلر لسبب واحد فقط: هو أنه قدم لندن ليسجل الاعتداء على لوكارنو؛ وهو لا يريد مناقشة أي شيء غير هذا، حتى وإن كلفه ذلك مغادرة لندن وترك مجلس العصبة.

ولما رأى الهر هتلر أن الرأي العام ناقم على جوابه، خشي خسران عطفه عليه، فعمل على تخفيف وقع جوابه، فأرسل إلى حكومة لندن يخبرها بأنه خطأ قد حصل في ترجمة جوابه؛ إذ أن المترجم قد ترجم كلمة بكلمة أي (حالا) في حين أنه يجب ترجمتها بعبارة أي (في أقرب وقت). . .

وتلي تلك الجلسة السرية أول جلسة علنية للدورة (91) غير العادية لمجلس العصبة الساعة 11 والدقيقة 45 من يوم السبت الموافق 14 مارس برياسة مستر بروس وجلس عن يمينه مسيو فلاندان وسنيور جراندي، وعن يساره مستر افينول ومستر إيدن، والرفيق ليتفينوف وكلونيك بك، وبقية الأعضاء على الجانبين.

وبعد أن قرأ الرئيس اللائحة التي قدمتها فرنسا وبلجيكا، قام مستر إيدن، ورحب بأعضاء المجلس بالنيابة عن الحكومة البريطانية وقال إنه يترك الكلام إلى ممثلي فرنسا وبلجيكا، وسيبدي وجهة نظر بريطانيا في وقت آخر.

ثم قام مسيو فلاندان وقرأ بيان فرنسا بصوت هادئ وجلي، وقال بان الواجب هو الذي دعا فرنسا إلى رفع الدعوى إلى مجلس العصبة لاحقها في ذلك، لأن فرنسا الحق في اتخاذ إجراءات مادية وعسكرية لإعادة كل شيء إلى ما كان عليه، غير أنها فضلت ألا تزيد في تعقيد المشكلة، بل تريد الوصول إلى حل سلمي ومرضي؛ وهي تثق في عدالة مجلس العصبة، وتطلب منه أن يضع قراراً مبينة فيه الإجراءات الفعالة التي يجب اتخاذها لوضع الحق في نصابه، وقال إن عمل ألمانيا يضع السلام وكيان عصبة الأمم في خطر عظيم. . . وأبان بأن معاهدة فرساي تعتبر احتلال أراضي الرين عملاً عدائياً، ومعاهدة لوكارنو تعتبره تعدياً على المعاهدة؛ وأن فرنسا تطلب تسجيل هذا التعدي في السجل الرسمي. . .

(يتبع)

يوسف هيكل