مجلة الرسالة/العدد 150/من الموضوعات التي نالت الجائزة في المباراة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 150/من الموضوعات التي نالت الجائزة في المباراة

مجلة الرسالة - العدد 150
من الموضوعات التي نالت الجائزة في المباراة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 18 - 05 - 1936

الأدبية

التربية الوطنية الاستقلالية وأثرها في بناء الأمة

للأستاذ محمد عبد الباري

- 2 -

النشأة الأولى

لست أدخل في مناقشة مسائل التربية وعلم النفس وأنا أحاول كتابة كلمة مفروض أنها كما هي للخاصة، ولهذا فإني أستعرض الأدوار التي تمر بنا جميعاً مجرد استعراض قصد توجيه النظر العادي

(من شب على شيء شاب عليه) جملة قصيرة شائعة بين الخاصة والكافة هي جماع ما أريد تقريره

يولد الطفل طليقاً من كل قيد. ومن المستطاع تربيته على الفضائل الاجتماعية منذ نشأته الأولى إذا ما تركناه على سجيته متناولين حركاته بالتقويم الرشيد دون إفساد طبيعته

هذا يقتضي بلا ريب أن يكون لدى الأم فكرة عامة؛ وهذا الإدراك الضروري للأم ليس من الأمور الهينة في مثل بيئتنا، لكن هذا لا بد منه؛ وما دام لا بد منه فلا سبيل إلى إهماله. أما كيف تصل إليه فلا تسع له مجال القول هنا، ويكفي القول بأن الأمر من الأهمية بحيث يرخص في سبيل تحقيقه كل غال، ويسهل في سبيل الوصول إليه كل صعب. وهل هنالك غرض أسمى من بناء الأمة بناء متيناً؟

أول ما تجب العناية به في أمر الطفل تربية جسمه طبقاً لقواعد الصحة، والعناية بغذائه وبنظافته؛ يتلو هذا في الأهمية ويقترن به في التبكير عدم تقديم كل ما يريد بغير تكليفه السعي إليه. يجب أن يربى على السعي لتتكون لديه فكرة الاعتماد على النفس. فإذا أشار إلى شيء ليحصل عليه، يجب أن يقرب إليه بحيث لا يتسنى له الحصول عليه إلا بمحاولة جسدية. وإذا ما كان في مقدوره أن يحبو فيجب أن يوضع الشيء بحيث يحبو إليه ليص إليه؛ فإذا تظاهر بالإعياء فلتغض الطرف عنه ليسعى ثم يسعى. ومن يتأمل ير على الطفل إمارات الارتياح إذا ما وصل إلى غرضه بعد كد وسعي

وإذا ما سقط وهو يمشي فلا نظهر انزعاجنا ونسرع إليه نلتقطه مظهرين الحنو عليه، بل نتركه ينهض بنفسه. فبهذا وبأمثاله تربي فيه صفة الاعتماد على النفس والثقة بها، وهما من أقوى عوامل النجاح في الفرد، وأمتن أسس البناء في الأمة

يلي هذا وذاك في الترتيب، ويتقدمه في الأهمية، أمر أعصاب الناشئ. ينبغي عدم الالتجاء بحال إلى تخويف الطفل لحمله على الإذعان برسم صور خيالية مرعبة في مخيلته. هذه الصور الخيالية المرعبة هي شر ما يحطم النفس البشرية؛ هي الجرثومة الخبيثة لمرض الجبن، أعصى الأمراض الاجتماعية على العلاج وأشدها فتكا بالجماعات

لست أقول بترك الطفل يعمل بلا تقويم، ولكني أقول بأنه يجب تقويمه في عناية وبغير إفساد خياله (بالمرهبات). فإذا تقدم في السن فلا بأس بإشعاره بسوء عاقبة الخطأ بحرمانه أو بضربه بالقدر الكافي مع الهدوء التام والقصد. ومن الواجب أن نظهر استحساننا واستهجاننا في مناسبات ذلك

بهذا يمكن أن نربي في الطفل قوة الاعتماد على النفس وحكم الأعصاب والشجاعة والمثابرة. وإذا ما ترك المنزل إلى المدرسة أو المصنع على هذا فإنه يكون مزوداً بالقدر الكافي للحياة الكريمة

وفي المكتب أو المدرسة وفي المصنع وفي الشركات ومصالح الحكومة ودار العمدة يمكن تناول هذه الصفات بالتقوية. ولكن أقوى الدعائم ما يكتسبه الطفل في المنزل سواء بالتقويم والتعويد، أو بالمثل والقدوة

فالأولاد يكسبون كثيراً إذا ما شاع في البيت شعور المحافظة على الكرامة والقيام بالواجب والتمسك بالحق. إذا احترم كل من الزوجين الآخر، ولم يتحكم الكبير في الصغير، ولم يستغل ضعف الخدم لإرهاقهم وظلمهم؛ وبالجملة إذا حرص رب الدار على ألا يكون في بيته إرهاب أو إذلال أو استكانة، ينشأ مع الأولاد شعور بالعدل والعزة، ونفور من الظلم والعدوان

والنشأة المنزلية الملهمة للحرية والاستقلال تهون ذيوعهما في الجماعة. فالغالب فيمن لم يألف الإهانة في صغره عدم قبولها إذا ما كبر. وإذا آنس المعتدي من فريسته المقاومة فكر كثيراً قبل الاعتداء. فإذا ما قوبل الاعتداء بمثله كف المعتدون مع الزمن، فتشيع في الجماعة روح الاعتدال نتيجة هذا التفاعل، ويشع في جوانبها نور الحرية ويصلب عودها وتقوى ويصعب النيل من حريتها واستقلالها

إيجاد هذه الروح في الجيل الحاضر وتربيتها في الجيل الناشئ ليس من الهين في بلادنا مثلاً. لكن الأمر كما قلت عظيم. فليكن من أغراض دعاة الإصلاح تحقيق هذه الغاية بكل الوسائل. فبناء الأمة قوية مستحيل إذا لم تغلب روح الاستقلال والحرية والاعتماد على النفس والأباء. وكل بذل في هذا السبيل له ما يبرره

خلاصة ما تقدم أن البذرة الأولى للتربية الاستقلالية في البيت، فإذا ما نمت به تعهدت خارج البيت بالمدرسة والمصنع ودواوين الحكومة ومكاتب الشركات والمنشآت الاجتماعية بوجه عام، وكانت بذرتها القوية في البيت مما يهون نموها وذيوعها وانتشارها في الجماعة

حرية الجهر بالرأي

إذا نشأت غالبية أفراد الجماعة على الاعتماد على النفس والأباء، فإن الغالبية تجهر بالرأي في غير خشية ولا خجل. والرأي يسمع في غير اشمئزاز ويناقش في غير تعصب أو تحامل غير طبيعي. وبذا تسير الجماعة في غير كثير من الاحتكاك

أما إذا لم تكن الشجاعة والاعتماد على النفس والإقدام هي الصفات الغالبة، فإن حرية الجهر بالرأي تعز من جهة، وقبول النقد النزيه يندر من جهة أخرى، فيكثر العسف وتنتشر الأخطاء وتنحط الجماعة

التربية الاستقلالية ترفض بطبيعتها المداراة. وفي الأوساط الحرة لا تحرج ولا إحراج، بل يأتي النقد النزيه بالطبع ويقابل كذلك. والحقيقة تظهر بتلاقي الآراء. أما في الأوساط غير الحرة لانعدام التربية الاستقلالية أو ندرتها، فالإقدام يندر ويندر معه النقد ومقاومة الظلم، فيكثر الغرور وتكثر الأخطاء وينحط المستوى الفكري والخلقي تبعاً لذلك، وتضعف أداة السير إلى الأمام وتهن قوة المقاومة فتفقد الجماعة وجودها المستقل وتمسى خاضعة لمشيئة الغير

علاقة الحكام بالمحكومين أدوات الحكم مهما اختلفت ألوانه هي - أ - التشريع - ب - القضاء - ج - الإدارة

أ - والمثل الأعلى للتشريع، في رأيي، هو أن يكون أقرب ما يمكن إلى التعبير عن الإرادة المشتركة. وأعني بالإرادة المشتركة في جماعة ما ملتقى الإرادات الجزئية أو الإرادات الفردية نتيجة تبادل الآراء وتعديل بعضها بعضاً. وكلما كانت حرية الرأي مكفولة كبر مجال تمحيص الآراء وقربت إرادة الدولة، مجمع الإرادات، من إرادة الجماعة وصدق تعبيرها عنها. وإذا كان القانون، وهو إرادة الدولة أساسه هذا، فإنه يسهل تطبيقه كما يسهل تعديله بما يساير تطور الجماعة، لأنه يعبر تعبيراً صادقاً - بقدر ما تقبله طبيعة الإنسان - عن إرادة المجموع

هذا النحو في التفكير يقودنا إلى تقرير أن الحكم النيابي أقرب أشكال الحكومات المعروفة إلى التعبير عن إرادة الجماعة أصدق تعبير ممكن. وهنا لابد لي من الإشارة إلى اعتراضين:

قد يتساءل البعض: كيف السبيل إلى سيادة الحكم النيابي في الجماعات المتأخرة ما دام القانون هو إرادة الدولة، وما دام مثله الأعلى هو أن يكون نتيجة ملتقى الإرادات الجزئية، وكانت الأغلبية جاهلة؟

وجوابي على هذا أن هنالك رغبة مشتركة بين مختلف الطبقات، أو إرادة مشتركة مهما بعدت النسبة بين درجات التفكير. وأعني بهذه الإرادة المشتركة إرادة توفير أسباب العيش والأمن على النفس والمال. فإذا عملت على ترقية مدارك الفلاح، ويسرت له سبيل الري والصرف، وأمنته على نفسه وعلى ماله، فإنك إنما تحقق رغبته أو تنقذ إرادته. والشرائع التي تؤدى إلى هذا تعبر عن إرادته. وبالعكس إذا صدر قانون بإقامة دور فخمة للتمثيل وقاعات للتصوير في قلب الريف مع شدة حاجته للمستشفيات العامة والمدارس العامة، فإنك لا تعبر عن رأي سكان القرى بل تخالف إرادتهم. ويقال مثل هذا عند جميع طبقات الأمة. فإذا أبدى نائب رأياً عن جماعة فإنه، طبقاً لما تقدم، لا تناقض بين فكرة الإرادات الجزئية وبين الحكم النيابي في الجماعات المتأخرة، ولو لم تظهر الإرادة الجزئية مستقلة منفصلة. وبتقابل إرادات الطبقات المختلفة يعدل بعضها بعضاً حتى تلتقي في نقطة تحقق الإرادة المشتركة بالقدر العملي اللازم لسير الجماعة إلى الأمام أما الاعتراض الثاني فنشأ عن وقائع ما بعد الحرب، تسمعه من أفواه أساتذة الجامعة كما تسمعه ممن يهتم للكلام في الشؤون العامة من بين معلمي المدارس الأولية، ويتردد صداه بين أوربا وأمريكا وآسيا، ذلك هو الاعتراض على صلاحية الحكم النيابي بنجاح نظام الحاكم المستبد العادل. يقولون إن المستبد النزيه انتشل إيطاليا من مخالب الفوضى ووضعها في مصاف الدول المرهوبة الجانب في زمن قصير. وفي مثل هذا الزمن انتزع المستبد النزيه تركيا من أحضان الموت وأوقفها على قدميها يخطب الأقوياء ودها اليوم بعد أن كانوا يتنافسون في اقتسامها بالأمس، ويقولون عن جماعات أخرى مثل هذا. ويخرجون من المقارنة بأن الحكم النيابي لم يعد المثل الأعلى لنظم الحكم في وقتنا هذا

غير أن المستبد العادل من خوارق الطبيعة. ولا يصح وضع قاعدة عامة على أساس الشذوذ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالمستبد لا يقبل معارضة. ولا بد أن تفقد الجماعة روح النقد في مثل هذا الجو. فإذا ما انقضى عهد سحر الزعيم لسبب ما، سارت الأمة نحو الضعف بأسرع مما سار بها سحر الزعيم المستبد إلى القوة

هذا إلى أن إحاطة الزعيم بكل شيء أمر مستحيل. ولا بد له من مجلس يرجع إليه، وإن لم يتقيد بما يبدي فيه من آراء. فإذا لم يكن هنالك، في ذلك الحيز الضيق، حرية رأي فإن الزعيم لا يسمع في الواقع إلا صدى صوته. ولما كانت الإحاطة بكل الأمور متعذرة كان خطأ التصرف هنا أمر لابد منه في حالات كثيرة. وإذا قدر للحكم النيابي، بشكله الحالي، أن يتلاشى، فلا ينفع الجماعة نظام المستبد العادل. بل ينفعها نظام النقابات وفي هذا النظام لا بد من استقلال الرأي والحرية لتمحيص الأمور قبل إبرامها

لنعد الآن إلى تناول موضوع التشريع لنقول إن حرية الجهر بالرأي ألزم ما تحتاج إليه أداة التشريع. هذه الحرية لازمة داخل الأحزاب لزومها خارجها. فنقد رأي الزملاء والزعماء في حرية لا غنى عنه لتقرير أقرب الآراء للسداد وأقلها تعرضاً للسقوط إذا ما هاجمها خصوم الحزب، والإمساك عن النقد مصانعة أو جبناً قد يؤدي إلى قرار خاطئ تسهل معه المهاجمة من الخارج. وهذه الحرية لازمة كذلك في مجالس التشريع وعلى صفحات الجرائد وفوق المنابر خارج هذه المجالس. وإبداء الرأي في غير مواربة من أقوم سبل تغيير هذه الهيئات برغبات الجماعة وبمواطن الصواب. ولن يكون هذا ما لم تكن غالبية الجماعة قد نشأت نشأة استقلالية. فلا يجهر برأيه إلا من قويت عنده روح الاستقلال وكانت لديه الشجاعة وفي خلقه الأقدام

ب - والمثل الأعلى للقاضي هو من يتعرف وجه الصواب ويحسن تطبيق روح القانون على حالة الجماعة التي يطبق فيها، ويدرك حق الإدراك رسالة القاضي وأثره في المجتمع فلا يخضع لغير القانون والحق والعدل. هو الذي يتحرر من نزعات نفسه ومن المؤثرات الخارجية في تصرفه كقاض. هو الذي لا يخشى في الحق لومة لائم

والتربية الاستقلالية هي أقوى حصون القاضي ضد نزعات النفس. والكرامة الذاتية والثقة بالنفس هما أقوى دافع يدفعه إلى الدرس المستمر والتفكير غير المنقطع فيما يحيط به ليستطيع إبلاغ رسالته على خير وجه. وهما اللتان تلهمانه رفض الإيحاء الخارجي مهما كان مصدره

وإذا آنس القاضي المدرك لسمو رسالته ضعفاً في روح الجماعة أو شيوع عوج في خلقها - وهو بحكم مركزه ميزان حساس - عالج النقص في أسباب أحكامه تارة، وبإسداء النصح إلى الماثلين أمامه تارة أخرى. وما أشد وقع النصيحة المقترنة بالعبرة!

وإذا آنس، بحكم الممارسة، نقصاً في التشريع أو عيباً أو غموضاً جعل من أغراضه، في قراراته، إكمال القانون إذا ما اتسعت لذلك النصوص دون إرهاق المعنى. فإذا لم يكن هذا مستطاعاً فإنه يخاطب الجهات التشريعية لاستكمال القانون ويعمل لتحقيق هذا الغرض بكل ما يستطيع

(يتبع)

محمد عبد الباري