مجلة الرسالة/العدد 146/نظر محمد إلى الأديان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 146/نظر محمد إلى الأديان

مجلة الرسالة - العدد 146
نظر محمد إلى الأديان
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 04 - 1936


للأستاذ مصطفى عبد الرازق

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب

كان ما تسرب إلى بلاد العرب من اليهودية والنصرانية قبل الإسلام قد نضحت عليه الوثنية الضاربة هناك يومئذ أطنابها، ولم يكن المجوس والصابئة أهل توحيد خالص وإن ألحقوا بأهل الكتاب

قال الشافعي: بعثه والناس صنفان:

أحدهما أهل كتاب بدلوا من أحكامه وكفروا بالله فافتعلوا كذباً صاغوه بألسنتهم فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر تبارك وتعالى لنبيه ﷺ من كفرهم فقال:

(وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) ثم قال عز ذكره:

(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما كتبت أيدهم وويل لهم مما يكسبون)

وقال تبارك وتعالى:

(وقالتْ اليهودُ عزيرٌ ابنُ اللهِ، وقالتْ النصارَى المسيحُ ابنُ اللهِ، ذلكَ قولهمْ بأفواههمْ يضاهئونَ قولَ الذينَ كفرُوا منْ قبلُ قاتلهمْ اللهُ أنَّى يؤفكونَ؛ اتخذُوا أحبارهمْ ورهبانهمْ أرباباً منْ دونِ اللهِ والمسيحَ ابنَ مريمَ وما أُمرُوا إِلاّ ليعبدوُا إِلهاً واحداً لا إلهَ إلاّ هوَ سبحانهُ عمَّا يشركونَ). وقال تبارك وتعالى:

(ألمْ ترَ إلى الذين أوتُوا نصيباً منَ الكتابِ يؤمنونَ بالجبتِ والطاغوتِ ويقولونَ للذينَ كفرُوا: هؤلاءِ أَهدَى من الذينَ آمنُوا سبيلاً، أولئكَ الذينَ لعنهمْ اللهُ ومنْ يلعنِ اللهُ فلن تجدَ له نصيراً)

وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله ونصبوا بأيديهم حجارة وخشباً وصوراً استحسنوها، ونبزوا أسماء افتعلوها ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألقوه، ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه، فأولئك (العرب) وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم ونار وغيره، فذكر الله لنبيه ﷺ جواباً من جواب بعض من عبد غيره من هذا الصنف فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم: (إنَّا وجدنَا آباءنا على أمةٍ وإنَّا على آثارهمْ مقتدونَ) وحكى تبارك وتعالى عنهم أنهم قالوا: (لا تذرُنَّ آلهتكمْ ولاَ تذرنَّ ودًّا ولا سواعا، ولا يغوثَ ويعوقَ ونسراً وقد أضلُّوا كثيرَا) (كتاب الرسالة ص 2 - 3)

وبين من كلام الشافعي أن الأديان تظل بلاد العرب وما والاها عند ظهور الإسلام كانت ما بين دين وثني يقوم على الشرك من أساسه، وما بين أديان تقوم على الوحي الذي لا يأتي بغير التوحيد، لكنها انحرفت عن سبيل الوحي فأصابها شوب من الشرك

وكان محمد صلوات الله وسلامه عليه يدعو الناس كافة إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، لا يميز في هذه الدعوة بين مشركين وأهل كتاب

وإذا كان القرآن ينادي:

(قل يا أهلَ الكتابِ تعالَوْا إِلَى كلمةٍ سواءِ بينناَ وبينكُمْ ألاَّ نعبدَ إِلاَّ اللهَ ولا نشركَ به شيئاً ولا يتخذَ بعضُناَ بعضاَ أرباباً مِنْ دونِ الله، فإن تولّوْا فقولُوا اشهدُوا بأنَّا مسلمونَ)

فإن القرآن يقول أيضاً:

(إنَّ الذينَ آمنوا والذين هادُوا والنصارَى والصابئينَ مَنْ آمنَ بالله واليوم الآخرِ وعملَ صالحاً فلهمْ أجرُهمْ عندَ ربِّهم ولا خوْفٌ عليهم ولا هُمْ يحزنونَ)

لا تختلف دعوة محمد حين توجه إلى أهل الشرك الصراح من وثنيِّي العرب، أو إلى أهل الكتاب بلا نزاع من اليهود والنصارى، أو إلى من يشتبه أمرهم ويختلط الرأي فيهم من الصابئة والمجوس

دعوة محمد إلى كل أولئك هي الدعوة إلى الدين الحق الواحد الذي لا يتغير بتغير الأنبياء والذي هو هدى أبداً

ولما كان دين الحق واحداً أوحاه الله إلى جميع أنبيائه وبينه في كل كتبه المنزلة فقد كان من الطبيعي أن يعتبر محمد أتباع الوحي ممن لهم كتاب أو شبهة كتاب أدنى إلى دعوته وإن حرفوا في دينهم، وأرجى أن يثوبوا إلى ما في أصول مللهم من إخلاص العقيدة لله وحده من أجل هذا اختلف حكم الإسلام في بعض المعاملات بين المشركين وأهل الكتاب، فالمشركون لا تؤكل ذبائحهم ولا يتزوج المسلم منهم، وإذا غلبهم المسلمون في الجهاد لم يأخذوا منهم جزية ولم يكن لهم سبيل إلا أن يخرجوا من شركهم إلى حظيرة التوحيد

أما أهل الكتاب فتؤكل ذبائحهم ويزوج المسلمون منهم، وإذا هزموا في الحرب واستولى المسلمون على ديارهم فللمسلمين أن يأخذوا منهم الجزية ليحموهم مما يحمون منه أنفسهم وأموالهم ثم يتركوهم في دينهم أحرارا

ولا خلاف بين المسلمين في أن اليهود والنصارى أهل كتب، وأن وثنيِّ العرب في الجاهلية مشركون

واختلفت الروايات والأقاويل في حكم الصابئة والمجوس هل يلحقون بأهل الكتاب أم يلحقون بالمشركين

ولا شك أن ما عرف من أديان البشر بعد ذلك مما لم يكن معروفاً للعرب، فيه للرأي والاجتهاد مجال من جهة إلحاقه بالشرك أو بأديان أهل الكتاب

وجملة القول أن محمداً يرى التوحيد دين الله الحق، وفطرة الله التي فطر الناس عليها، فالمشركون عبدة الأوثان منحرفون عن فطرة الله، ضالون عن صراطه المستقيم، ومن عداهم قريبون من الإسلام الذي جمع الرسول صلوات الله عليه وسلامه عليه جوهره في قوله لمن سأله عنه: (قل آمنت بالله ثم استقم)

مصطفى عبد الرازق