مجلة الرسالة/العدد 139/فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 139/فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

مجلة الرسالة - العدد 139
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 02 - 03 - 1936

23 - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا

تعليق المؤلف على فلسفة نيتشه

للأستاذ خليل هنداوي

تتمة

أما النظر إلى نيتشه من حيث الوجهة الأخلاقية فقد لامه النقاد على غرائزه القاسية وأنانيته الطاغية، وقوته البالغة على الضعفاء. على أن له بعض أراء لو لم يسيء الناس فهمهما لآلت إلى نتيجة أخلاقية حسنة؛ فليس يكفى المرء أن يكون فوضوياً هداماً طارحاً عن ظهره التقاليد ليحيا محققا مذهب نيتشه. وليس نيتشه رفيق أولئك الذين يعبثون بالسوبرمان. وهذا نبيه زرادشت كان يطلب إلى الذين يرغبون اتباعه أن ينفذوا مذهبه بقسوة وشدة

(هل أنت شريعة قوية؟ هل أنت شريعة جديدة؟

هل أنت حركة أولى؟ هل أنت دولاب يدور حول نفسه؟ وا أسفاه! ما أكثر أولئك الذين يضطربون بيأس! أرني أنك لست بواحد من هؤلاء الظامئين ولا الطامعين

وا أسفاه! هنالك كثير من الأفكار العظيمة التي ليس شأنها إلا النسمة تهب ثم تتلاشى

إنك تقول إنك حر، ولكي أريد أن أعرف الفكرة التي تسيطر عليك، لا النير الذي رحت تهزه

هل أنت حقاً من أولئك الذين يجدر بهم أن يهزوا نيراً؟ أن منهم من طرحوا كل ما منحتهم بعض القيم، بطرحهم ثوب العبودية والإرهاق حيث كانوا يعيشون.)

ونيتشه ذاته يعلن بأن مذهبه لا يحمله إلا إلى طائفة مختارة تستطيع حمله، والقيام بأعبائه؛ وأما الجماعات الأخرى فليس. عليها إلا الإذعان والطاعة والحياة بإيمان. فلا يجدر بنا والحالة هذه أن نسفه آراءه بحجة أن بعض الضعفاء العاجزين المنتفخة نفوسهم زهواً وكبراً قد أخذوا ببعض تعاليمه واقتبسوا نتفاً من مذهبه ليحققوا مطامعهم وليشبعوا جوع أنفسهم وأنانيتهم وليسعوا إلى هدف العظمة. إن نيتشه هو ذاتي قبل كل شيء، ويك اعتقاده هذا أن يهيج الناس عليه. فالإنسان الحاضر هو (ذاتي وغير ذاتي) في وقت معاً. يرى في الحالة الأولى نفع نفسه وفي الحالة الثانية نفع غيره، ويتحرى عن سعادتهم كما يتحرى عن سعادته. على أن النزاع بين الحالتين هو نزاع عنيف وقد تقوي في الإنسان حالة منهما دون أخرى على حسب ميوله القلقة التي تميل به إما إلى ذاته وإما إلى المجتمع. فبعضهم تغلب فيه الذاتية على غيرها، فيضحي بمصالح الغير في سبيل مصلحته؛ وبعضهم يضحي بمصلحته عاملاً على صيانة مصالح الغير. أما نيتشه فهو من القائلين (بالذاتية) الذين يحبون ذواتهم؛ ومذهب أهل حضارة العصر إنما يتجلى في اعتناق مذهب المحبة الشاملة؛ وهذا الاختلاف بين نيتشه وبين معاصريه يكفي لأن يثير في خصومه عداوة عميقة وخصومة عنيفة على هذا الذي لا يرى رأيهم في اتخاذ محبة الغير مثلاً أعلى

على أن هاتين الحالتين ليستا من الحالات المعينة التي لا يتخطاها الإنسان ولا يتعداها، إذ لست أرى أحداً مال بكليته إلى حالة وقطع كل اتصاله بالأخرى. فهناك درجات متفاوتة في الغرائز، وهذه الدرجات قد تتغير وتتطور بحسب الزمن والعصر والمحيط. على أننا سنحكم على فلسفة نيتشه الآن حكماً عقلياً واضحاً

إن فلسفة نيتشه هي مثال من أجمل الأمثلة الذاتية الأرستقراطية؛ مثال جميل حي منطقي يحتوي على هدى لكل من يريدون أن يكوّنوا حياتهم ويجعلوا منها مثالاً واحداً يتحدون معه، كما هو الأمر في فلسفة (تولستوي) المناقضة لفلسفة نيتشه. على أن الحل الذي أعطاه نيتشه للمسألة الأخلاقية يتراءى لنا أن احتماله شديد على الأنفس، في الناحية التفكيرية والناحية العلمية، وأن تنفيذ مذهب (السوبرمان) ليفتقر إلى جهود قل أن توجد؛ ونيتشه ذاته يعلن بأن أمثال هؤلاء الأفراد الذين يجد فيهم العبقرية لم يكونوا إلا وليدي المخيلة والخيال

وهكذا يتراءى لنا أن نيتشه لم يخلق ليكون زعيم مدرسة فلسفية حقيقية، إنه سيبقى وحيداً فريداً، أمة وحده بين الناس، كما كان في حالة تفكيره وتأمله؛ على أن مذهبه تارك وراءه تأثيراً كبيراً. ينمي في روح الفرد وروح الشعب (الأفكار الذاتية)، وهذا التأثير يتبع خيره وشره الجبلة الخلقية التي تلتصق بالأفراد والشعوب. فهو قد يعمل على تهديم طبائع طغت فيها الأنانية على كل شيء حتى جاوزت حدها؛ قد يعمل على رفع بعض الطبائع، يدرأ عنها كل آفة ويحميها من كل خطر من الأخلاق والديمقراطية والزهد

يبدو لي أن عمل نيتشه له أثر قوي في بيئة كبيئتنا ولا ريب في ذلك، فإن ما أراه في مظاهرنا الاجتماعية لا يدل على فيض في الحماسة المادية والخلقية. قليل من المفكرين الذين هم في مستواه يعرفون أن يسوقوا الإنسان إلى معرفة نفسه والوقوف إزائها مجرداً؛ وقليل من أصحاب جمهورية الفضيلة من يمزقون - في وضح النهار - هذه الأغشية الرقيقة والأكاذيب الخفيفة التي تستر بها النفس ضعفها وجبنها وذلها وعجزها؛ وقليلون من علماء النفس في وضح وأبان وأحسن البيان عن الحقيقة الذليلة التي ترتدي هذه الأثواب المزركشة: أثواب الشفقة ومحبة القريب والزهد

إن نيتشه كالطبيب الصارم الذي لا تدخل قلبه الشفقة؛ والعلاج الذي يحمله إلى مرضاه، علاج قاس خطر استعماله، ولكنه علاج يخلق العزم والقوة. إنه لا يعزي من يأتيه شاكياً، ولكنه يترك الشاكين تسيل الدماء من جراحهم ليجعلهم أكثر قسوة وأشد احتمالاً للألم. فهو إما أن يشفي مرضاه شفاءً صحيحاً أو يقتلهم؛ قد يخشاه الناس للمرة الأولى ويفرون من مباضعه، ويلقونه باحتراس ووجل! يتساءلون: أليس هذا الإنسان شريراً جلاداً؟ يفرون من طريقه ويختلفون إلى أطباء خفيفة أناملهم، لينة كلماتهم، حلوة علاجاتهم، خالية تعاليمهم من الشدة والصرامة، ولكن نيتشه يلوذ به فريق من المخلصين له ولأنفسهم، يهوون صرامته ويحبون استقامته وخلقه كله. وفي اعتقادي أن هؤلاء لم يكونوا مخدوعين بإعجابهم به وإخلاصهم له، وقد علموا أنه - ليس عن صرامة قلبه ولا معرفته للألم معرفة خاطئة - قد غدا صارماً قاسياً على الإنسانية المتألمة؛ وحياته كلها مشحونة بالحوادث البالغة والمصائب الكبيرة؛ وحظه السيئ الفاجع قضى عليه بأن يكون صادفاً عن الإشفاق على ضعف الإنسانية وفاقتها. إنهم ليقفون بخشوع وجلال إزاء الجبار الذي لم يخضع للذل ولم يلعن الوجود، برغم مرضه العضال. وظل على غبطته ورضاه في الحالة التي كان يصارع فيها الموت والجنون دون أن ينفذ إليه الوهن والضعف، متمماً أنشودته المؤثرة في تمجيد الحياة الفنية الفياضة المخصبة، مناضلاً حتى النهاية - الألم الذي غلب على عقله ولم يستطع أن يقهر إرادته الواعية

لماذا أكرمت نيتشه؟ وما الفائدة التي يجنيها العقل العربي منه؟ حقاً إن بيني وبين نيتشه أسباباً لا أظن انقطاعها يسيراً؛ وقد اختلفت إليه ليالي كثيرة وليس بيني وبين نبيه فاصل. أبثه من روحي ويبثني من روحه. نتألم معاً من الحياة ونرقص لها ابتهاجاً. ولا أدري علة هذا الترابط ومن يستطيع أن يحفظ على التحقيق كل سبب يربط بينه وبين مفكر ما؟ أليست هناك أسباب مختلفة قد تتآلف وقد تتخالف، فتمزج هذا المفكر مع عقلك وقلبك، أو لا تزيدك منه إلا نفوراً؟ وما عسى يكون سر تعلقي بنيتشه إلا سر تعلقي بالحياة؟ كانت الحياة عندي ظلمة حالكة فغمرها نيتشه بفجره. كانت الحياة شكا مراً وقلقاً مستحوذاً عليّ فبدل شكي بايمان، وقلقي بعزيمة لا تتقلقل. كان سفيني مضطربا في خوض لحج الحياة، تهم يد الضلال بافتراسه، فاستنقذه نيتشه وساقه إلى منارة النجاة!

ذلك فضل نيتشه علي، وأعظم بهذا الفضل! وكيف يريد أولئك الذين لاموني على انكبابي على نيتشه أن أصدف عنه؟ وإنني لواجد فيه علامة من العلامات الواضحة التي تنصبها الحياة للظالين عن مناهجها؛ فنيتشه هو علامة فيض الحياة المتفجرة والإرادة الصارمة. ولعل أولئك السقماء الذين أتوه فروا من مباضعه القاسية وتعاليمه العنيفة لأنهم يريدون علاجاً يبعث في أعضائهم المشلولة الدفء والسكينة، وهو إنما يريد أعضاء تبارك الحياة بالعزم والحركة. إنه قد أحرق العلاجات المخدرة للأوجاع قبل أن يقدموا. فإن كنت صابراً على احتمال قسوته فتعال إلى نيتشه

إن نيتشه ليس بمفتقر إلى جثث - خالية من الإحساس - يحملها على ظهره، وإنما هو يريد رفاقاً أحباء هدامين مثله، قد ادّرعوا الإرادة وصافحوا الألم رفيقاً لا سيداً يقتحمون بإرادتهم وصرامتهم كل شيء كالسيل الجارف؛ لا يصدهم عن غرضهم صاد، ولا يقف سيرهم حاجز؛ يثبون فوق القمم وثباً لا يزحفون زحفاً؛ في نفوسهم عقيدة تفيض حماسة وقوة، يفرضونها على الزمان ولا يجد الزمان إلى إضعافها سبيلا. هؤلاء الرفاق الأشداء يستطيعون أن يمشوا مع نيتشه، ويمجدوا الحياة في كل أدوارها، ويحلقوا فوق آلام الحياة وأفراحها

أن كاتب (فلسفة نيتشة) بالفرنسية يرى في اقتحام نيتشة لبلاده نعمة، لأنه لا يرى في مظاهرها الاجتماعية ما يدل على فيض وحماسة في الناحية المادية والخلقية. وإن نيتشه ليبعث هذا الفيض وبخلق هذه الحماسة في الناحيتين. فإذا كانت فرنسا الحية تفتقر إلى من يفيض على حياتها حياة، فكيف بشعوبنا التي قتلها التخاذل بينها!

توجه أنى شئت؛ فهل أنت واجد معي إلا قطعاناً هائمة على وجوهها، ورعاة غافلين همهم صفو السمر، وأواصر مقطوعة، وتقاليد حامدة، يتغنى بها القوم حين يريدون الرقص والغناء، وشباباً مخنثين تناسوا رجولتهم، وأهملوا رسالتهم؛ كأنما تلك الراحة الطويلة العريضة قد أورثت أعضائنا الشلل، فإذا وثبت فيها الحياة لم تقدر على الحركة. وارم بطرفك أنى شئت فإنك واجد هذا الموت الاجتماعي وجمود الفكر

وكأنا لم يرض فينا يريب الد ... هر حتى أعانه من أعاننا

فأصبح تفكيرنا رياء، والتظاهر بالتقاليد رياء، وهل كان الرياء إلا ثوباً من أثواب الضعف والعجز ترتديه أمة رضيت لنفسها أن تهوي بدلاً من أن تصعد، وإن إغفال علماء الاجتماع عندنا لهذه الظاهرة الخلقية إغفال فيه جناية لا تغتفر. يجلس مفكرنا في جماعة فيفصل لفكره عشرين وجهاً، يأتيهم بوجه ويعرض عنهم بما بقي. ويصلي أحدنا عشرين ركعة، يمنح واحدة الله، ويمنح الباقيات للناس؛ وهكذا غلب الرياء علينا في كل مظاهر تفكيرنا وتقاليدنا. وإنني لأخشى يوماً يرسو فيه الرياء في أنفسنا فيغدو متأصلاً فينا حتى يصبح علامة من العلامات الفارقة لهذه الأمة

هذه هي المظاهر التي غاظت نيتشه يوم أعلن الثورة على الضعف والرياء. وليت شعري من سيبغضه الضعف والرياء في مجتمعنا الحاضر، فيعلن الثورة عليهما وعلى المرتدين أرديتهما!

إن العقل العربي عقل قوى بنشأته، صادق بعزته، وهو لا يحتاج إلى من يبث فيه معنى القوة والصرامة لأنه قائم عليهما. ولكن جيلنا الحاضر اعتنق الفكرة العربية مجردة من معنى القوة والصرامة؛ فتشوهت بذلك الرسالة وضاعت معالمها. إن المجتمع العربي يفتقر إلى من يرد عليه هذه الأمانة التي لا يعلم إلا الله سالبها. والمجتمع العربي بعدها غالب عليه الاضطراب والخزي والظلال. فمن يرد عليه أمانته ويعيد إليه صرامته؟

كنت أتلو مواعظ - زرادشت - فأحس أن قوة جديد أخذت تطغى على قلبي، وأشعر باضطراب في نفسي جعلني أومن بأن الحياة لا يعسر عليها أن يخرج منها ألف حياة. ولم لا!؟. كنت أسير معه وهو يهدم خيالات الرياء، ويضرب التقاليد بعضها ببعض، فأطرب لشجاعه، وأعجب بنفسي وأسألها: (هل كان في استطاعتك أن تطئي هذه الأرض لولا هذا النبي؟)، ولكن طربي لم يكن طرباً خالصاً لأنني كنت أبغي لمثل هذا النبي الهدام أن يقيم بيننا ليلة واحدة، تنفذ عينه خلالها إلى قلوبنا الطافحة غشاً وخباً، وقصورنا ومعابدنا المفعمة كذباً ورياءً، فينظف هذه القلوب ويدمر هذه القصور

أين أراك يا زرادشت العرب؟ ومتى يكون الموعد؟ فقد اصطلح على إيذائنا كل شيء حتى أنفسنا. تمشى الحياة بنا ونحن ذاهلون، ويتباهى الغير برجولته الصارمة ونتباهى نحن بالخنث، ويستيقظ الفكر في موطنهم ونحن نضرب حوله السدود ونقيم له حدود، نفر من الألم لأنه يضنينا، ونستجدي الفرح من غيرنا استجداء؛ يتحرك كل شيء حولنا ونحن لا ترضينا الحركة ولا تستهوينا اليقظة. نقول بالإنسانية ونشفق عليها، وقائلوها لا يملكون من (إنسانيتهم) شيئاً. يحسون آلام غيرهم ولا يحسون آلامهم. يشدد غيرنا روح (الذاتية) عندهم، ونحن نسعى إلى محوها، كأننا نريد أن نمثل دور الشرق الأول يوم كان يفيض إنسانيته على غيره. . . وقد قتلنا هذا الحب المفرط للغير، وقد قتلنا هذا الزهد الخامل. تسامى غيرنا فوقنا فهم يريدون أن يعرفوا أنفسهم بعد أن وجدوها، ونحن تائهون لما نعثر على أنفسنا

تعال أيها النبي أينما كنت، فهنا كثيرون ممن يرتقبون أوبتك. واحمل مباضعك وائت بنفسك وقلبك وأيقظ أفكارنا وبث فينا الحياة. أعطنا الحياة وخذ منا فديتها. أتريد منا أن نتألم؟ إننا نتألم ونحتمل الشقاء في سبيل الحياة. شدد شعورنا بالحياة وزدنا إيماناً بها. اهدنا إلى أنفسنا وحببنا فيها فقد علمونا أن نمقتها. تعال استأصل جذور الضعف فينا والذل فقد أكلت أنفسنا الاحشاشات. . . تعال ولا تعطنا شيئاً إلا ما نؤدي ثمنه، فقد أدركنا أن كل ما يُعطى ويوهب رحمة يضر بآخذه. تعال يا إرادة القوة والصرامة، فكثيرون هنا يرتقبون وصولك. . . والطريق ممهد، والغاية دانية القطوف

(انتهى)

(دير الزور)

خليل هنداوي.