مجلة الرسالة/العدد 139/العراق في مصر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 139/العراق في مصر

مجلة الرسالة - العدد 139
العراق في مصر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 02 - 03 - 1936


للشاعر الفيلسوف المرحوم جميل صدقي الزهاوي

وهي آخر ما نضمه الفقيد الكريم

حمّلها شباب العراق تحية كريمة لشباب مصر

- 1 -

أتى بعد شوق حافز للمحبينا ... إلى مصر شبان العراق محيينا

أولئك شبان سنقطف عن هوى ... بها من رياض العلم ورداً ونسرينا

رضينا بما في مصر من عبقرية ... وما كل أرض تنبت العلم ترضينا

وكان منانا أن نرى مصر يقظة ... فأفرحنا جمعاً بلوغ أمانينا

سعدنا بمصر والسعادة نعمة ... فحينا تلاقينا وحين تجافينا

وليس لنا عن حب مصر تنكّب ... فما كان هذا الحب إلاّ لَنَا دنيا

وما شعراء النيل إلاّ عنادل ... على سرحة الآداب تشدو فتشجينا

- 2 -

إلا إن مصراً موطن الأدب الحر ... سلام على مصر سلام على مصر

وما مصر إلا البحر يلمع درّه ... ونحن بمصر غائصون على الدر

لقد جمعتنا وحدة عربية ... وأقرب منها بيننا وحدة الفكر

أرى في لقاء الروح للروح فرحة ... تفوق لقاء العين والأوجه الغر

وإن بني مصر الذين تثقفوا ... إذا طلعوا كانوا من الأنجم الزهر

حججناك طوّافين والدافع الذي ... حدانا هو الإيمان بالأدب الحر

وليس كإيمان المنافق إنه ... إذا لم يكن كفراً فشر من الكفر

- 3 -

وجدنا بني مصر الفتاة كواكبا ... تضئ فتمحو بالضياء الغياهبا

إذا غاب نجم لاح نجم وإنما ... تفوق بمصر الطالعاتُ الغوارب ألا فلييمم مصر من طلب العلا ... ومن كان في المجد المؤثل راغبا

وما اسعد الورّاد للعلم إنهم ... إذا صدروا كانوا نجوماً ثواقبا

إذا ما تلقوا من أساتذة لهم ... دروساً حسبت الودق ينصبّ ساكبا

قصدنا فقاسينا متاعب جمة ... فلما رأيناكم نسينا المتاعبا

نصافحكم فيها مصافحة الذي ... يريد لأعلام الهدى أن يقاربا

- 4 -

حججنا بلاد العبقرية والنبل ... نطوف بأركان الثقافة والفصل

معاهد فيها للهدى يثب الفتى ... وليس بها من سار يمشي على مهل

تربّي عقولَ النشء حتى تقيمها ... وما قيمة الإنسان إلاّ من العقل

وكانت فتاة العصر أنقى من الندى ... وكان الفتى للمجد أنضى من النصل

وليس الذي في البحر يسبح زاخراً ... كمن كان في الغدران يسبح والضحل

وليس غنى مصر من المال ناشئاً ... ولكنه في العلم والأدب الجزل

وفي عزة النفس التي قد أبت لها ... على ما بها أن تستنيم إلى الذل

- 5 -

على العقل في كل الأمور المعوّل ... ولولاه لم ينجل للمرء مشكل

وما العقل في الإنسان إلا ابن رأيه ... تولّد فيه آخراً وهو أوّل

وللعقل أنوار بها يهتدي الفتى ... وأبهجْ بأنوار لها العقل يرسل

تبدل في الناس العقول بغيرها ... ولكن نفس المرء لا تتبدل

ورب عقول لم تصادف مثقفاً ... فتلك بلا هادٍ من العلم تعمل

يمثل مصراً في العراق جهابذ ... ونحن بمصر للعراق نمثل

وما العلم في بغداد إلا كصيّب ... توالى لأدران الجهالة يغسل

- 6 -

نصافح إخواناً لنا قد تثقفوا ... فساروا جماعات ولم يتوقفوا

فإن فرقت ما بيننا شقة النوى ... فإنا جميعاً للعروبة نهتف وإن عصفت ريح بكم في ملمّة ... فتلك بنا يا أمة النيل تعصف

وإن أبعدت أجسامنا عن جسومكم ... فأرواحنا مجموعة تتعرف

ومصر هي اليمّ الذي ظلّ زاخراً ... وإنا وإياكم من اليم نغرف

غداً ستشب الحرب صاخبة اللظى ... فتزهق أرواحاً وتمحو وتتلف

وإن تلاميذ المدارس في غد ... جنود لصون الموطنين تألّف

- 7 -

لنحن بمصر في الثقافة نقتدي ... وبالنجم في تلك المطالع نهتدي

وليس بنا للأمس من لفتة الهوى ... ولكننا نرنو بشوق إلى الغد

ونحترم الرأي القديم وأهله ... ونهتف للتجديد أو للتحدد

نرى أن في التجديد شيئاً مخلداً ... ولكنما التقليد غير مخلد

وذاك طريق للأديب معبد ... وهذا طريق ظل غير معبّد

وما العلم إلا للسعادة سلم ... فمن يتخذ منه الوسيلة يسعد

فإن تبتعد عنا السعادة تقترب ... وإن منا التعاسة نبعد

جميل صدقي الزهاوي