مجلة الرسالة/العدد 135/قصة المكروب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 135/قصة المكروب

مجلة الرسالة - العدد 135
قصة المكروب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 03 - 02 - 1936


كيف كشفه رجاله

ترجمة الدكتور أحمد زكي

وكيل كلية العلوم

بستور والكلب المسعور

وصل الفائت

حقن بستور في دجاج مكروباً قديماُ ضعيفاً لداء كوليرا الدجاج، فمرض الدجاج ولكن لم يمت. وكان ذلك مصادفة. ثم حقن فيه مكروباً جديداً فتاكاً فلم يمت. فتوصل بذلك إلى طريقة لتحصين الدجاج ضد الكوليرا، إلى طريقة اللقاح أو الفكسين المعروفة اليوم.

قلت فيما مضى إن بستور يضمر في نفسه عبادة هذا الشيء العظيم الرائع الخفي في هذا العالم المجهول، وكثيراً ما ركع وسجد لهذه اللانهائية المستورة. ولكن أحياناً كان يأتيه الأمل فيطلب القمر وينسى رب السماء. وكلما رفعت إحدى تجاربه الجميلة ستاراً عن خفية من خفايا ذلك المجهول الضخم الرائع بأسراره، ظن أن كل الخفايا انكشفت، وأن كل العقد انحلت. هكذا كان حاله ومزاجه في هذه الساعة التي نحن فيها. إنه استطاع حقاً أن يحمي الدجاج حماية تامة من داء مميت بأن أحتال له تلك الحيلة الجميلة فحقن في الدجاج شيئاً من المكروب القتال بعد تأنيسه وإضعاف شرته، ولكنه ما كاد يستيقن من نجاح حيلته حتى قال لنفسه: (وما يدريني؟ فلعل مكروب هذه الكوليرا يحمي الدجاج من كل داء خبيث آخر). وما عتم أن حقن عدداً من الدجاج بمكروب الكوليرا بعد إضعافه، ثم أتبع ذلك بحقنة من المكروب الجمرة الخبيث، واصطبر فلم يمت الدجاج! فهاج وماج وكتب إلى أستاذه القديم دوماس، ولمح له أن مكروب كوليرا الدجاج قد يكون لقاحاً عاماً يحصن من كل الأدواء. وكتب إليه يقول: (فإذا تأكد هذا، جاز لنا أن نأمل من النتائج أخطرها، حتى فيما يتعلق بأدواء الإنسان)

وفرح دوماس الشيخ بالذي قرأ، فنشر الخطاب في التقارير الرسمية لأكاديمية العلوم، وهاهو ذا إلى اليوم ماثل في صفحاتها، يشهد باندفاع بستور وتسرعه، ويكذب من يقول أن بستور لا يقول دائماً إلا حقاً. ولقد بحثت ما استطعت فلم أجد أن بستور أسترد الذي قال، ونفى الأمل الخادع الذي أحيا في الناس. وبستور لم يطل به الزمن بعد ذلك طويلاً حتى عرف خطل هذا الرأي، واستيقن من أن النوع الواحد من البشلات لا يحصن من كل الأمراض على نحو ما كان أدعى، وإنما يحصن من المرض الواحد الذي هو سببه، وحتى هذا قد لا يدفعه أحياناً.

ولكن كان من خصائص بستور المحمودة أنه كان كلما انهدم له أمل، قام على أنقاضه له أمل جديد؛ وإذا احترق له رجاء، انبعث له من رماده رجاء طريف. يحدق به الخيال الوثاب حتى يصل به إلى السحاب، ثم يخونه جناحاه، فيهوى كالقنبلة على الأرض، فتحسب هذا الدوي هو آخر ما تسمع منه، ثم لا تلبث أن تراه قائماً من تلك الأنقاض على رجليه، يجري التجارب البارعة، ويبحث بجد عن كل حقيقة صلبة صماء. لذلك لا تستغرب أن تسمع انه في عام 1881 كان يعمل مع عونيه رو وشمبرلاند ليكشف عن طريقة جميلة لتأنيس مكروب الجمرة وتحضير لقاح منه. فبمجيء هذا العام اشتد البحث وراء الألقحة اشتداداً لم يدع لرو وصاحبه وقتاً لراحة. حتى الآحاد اشتغلاها، وأيام العطلة لم يتعطلاها، والإجازات تجنباها، وناما في المعمل إلى جانب الأنابيب والمجاهر والمكروبات. وهنا، وبإرشاد بستور، أضعافا بشلة داء الجمرة إضعافاً متدرجاً. فمن الضعيف ما قتل الخنازير الغينية وأبقى على الأرانب، ومن الضعف ما قتل الفئران وأبقى على الخنازير الغينية. وحقنا الميكروب الأضعف في الخراف، وأتبعاه بالأقل ضعفاً، فمرضت الخراف ولكنها شفيت، وبعد ذلك صمدت على ما يظهر لمكروب الجمرة القوي الذي يقتل الأبقار.

وما لبث بستور أن أذاع نصره الجديد في أكاديمية العلوم - وكان قد ترك أكاديمية الطب بعد عراكه الذي كان مع الدكتور جيران - وبشر لهم بلقاحات يرجو استحداثها قريباً تمحو كل الأدواء، من النكاف إلى الملريا. وصاح فيهم: (وهل أيسر من لقاح الجمرة هذا! سموم تضعف بالتدريج من شِرتها فتعطى الخراف والأبقار والخيول بعض الداء دون أن تقتلها، ثم تتعافى، فتعفى من الداء أبداً!) وظن بعض زملاء بستور أنه يبالغ في يقينه، ويغلو في ثقته بهذا اللقاح، وتجاسروا على الجهر برأيهم، فانتفخت أوردة بستور في جبهته، ولكنه كظم غضبه هذه المرة واستطاع أن يحبس لسانه حتى خرج هو ورو وسارا في الطريق إلى منزليهما، وعندئذ انفجر بستور على هؤلاء وعلى أمثالهم ممن يعجزون عن الإيمان بالحق المحض الذي احتوته فكرته قال: (أنا لا أعجب إن أنت ذهبت إلى منازل أمثال هؤلاء فوجدتهم يضربون أزواجهن ضرباً)

صدقني، ما كان العلم لدى بستور جمع الحقائق بنفس مطمئنة باردة، فقد أثار فيه نفس الشيء الذي يثير الحيوان الآدمي إلى البكاء عند موت طفله، أو إلى الفرح والغناء عند نعي عم أو خال قد ترك له من بعد موته نصف مليون دولار.

وأخذ أعداء بستور يتبعون أثره ليثأروا منه شر ثأره. ولم يكن أعداؤه من الأطباء فحسب، بل كذلك كان البيطريون وهم رجال لهم مقام في الناس ونفع لهم. أساء بستور إلى هؤلاء وهؤلاء فتصدى له بيطري فنصب في طريقه فخاً عظيماً وأغراه بالوقوع فيه. وكان أسم هذا البيطار روسنيول قام ذات يوم في الجمعية الزراعية بميلان يغري بستور بإجراء تجربة عامة، يجريها على الملأ في سبيل العدالة العلمية ظاهراً، وفي سبيل القضاء على بستور وأم باطناً. قال للجمعية: (إن بستور يقول إن أسهل شيء في الدنيا صنع لقاح يحصن الشياه والأبقار من داء الجمرة تحصيناً كاملاً. فأن حق هذا القول عاد على زرّاع فرنسا بالنفع العظيم، ووفر عليهم عشرين مليون فرنك يخسرونها كل عام بسبب هذا الداء. إن بستور لو كان يستطيع حقاً إخراج هذا اللقاح العجيب، لما وجد على نفسه غضاضة أن يثبت لنا أنه يستطيعه. فهيا بنا ندعوه إلى تجربة عامة يجريها في الجمهور، فأن أصاب كان لنا الغنم نحن معشر المزارعين، والبيطريين، وان خاب سكت عن هذه الثرثرة الكاذبة ودعاويه الباطلة عن كشوفات هائلة تنجي من كل شيء، من ديدان الأرض إلى حيتان الماء). هكذا تمنطق هذا البيطار الماكر

وسرعان ما جمعت الجمعية مالاً كثيراً لشراء ثمانٍ وأربعين شاة، وعدد من الأبقار، وجَديَين، واختارت البارون دي لاروشت لمكانته وشهرته، فبعثت به إلى بستور ليدخل إليه من عجبه ليوقعه في هذه التجربة وفيها من الخطورة ما فيها.

ولم يشعر بستور أبداً بالذي يراد به، فقال للبارون: (بالطبع أنا راضٍ بالذهاب إلى جمعيتكم لأريكم أن لقاحي ينقذ الحياة - إن علاج أربع عشرة شاة في معملي لا يفترق عن علاج ستين في ميلان!)

هذا هو الشيء الغريب العظيم في بستور: يريد أن يخرج البيضة من الديك، والأرنب من القبعة، ويدهش العالم، فيقوم بكل هذا في إخلاص عظيم وإيمان بما يصنع كبير، كان عرّاضاً كبيراً بارعاً، وكان يجوز عليه أن ينزل في سبيل ذلك أحياناً إلى ملاعيب بهلوانية يسيرة، ولكنه لم يكن يعمد إلى التدبير والتخطيط لشيء من هذا أبداً. وتعين موعد امتحانه في الملأ، فكان مايو ويونيه من ذلك العام.

وكان رو وشمبرلاند قد تعبا من العمل المتواصل تعباً كبيراً أثر في أعصابهما، فأخذا يريان رؤى مفزعة، فتارة تفلت في النوم إلى الأرض من أيديهما قبابة خطيرة بالذي فيها، وتارة يجدان نفسيهما ينظران إلى حيوانات غريبة نصفها دجاجة ونصفها الآخر خنزير. أو لا يأتيهما النوم فيأخذان في حقن الملايين من الأرانب وهم في الفراش راقدون، فلما ساء حالهم إلى هذا الحد طلبا الراحة في الريف، وما كادا يستقران فيه حتى جاءهما التلغراف الآتي:

(أرجعا إلى باريس حالاً. على وشك تجربة عامة أن لقاحنا يحمي الشياه من الجمرة - ل. بستور)

فرجعا مسرعين. فقال بستور للقوم: (في مزرعة بويي - وفي حضرة الجمعية الزراعية بميلان، سألقح أربعة وعشرين شاة وبضع بقرات وعنزة واحدة. وسأدع بدون لقاح مثلها في العدد عنزة وشياهاً ابقراً، فإذا جاء الوقت الموعود سأقوم وأحقن كل هذه الحيوانات بأخبث زريعة لدينا من بشلة الجمرة، أما الملقحات فستكون في حِمى من الداء، وأما الأخرى فستموت طبعاً في يومين أو ثلاثة.) تحدث بستور كالفلكي يتنبأ بكسوف الشمس.

قال صاحباه: (ولكن يا أستاذنا إنك تعلم أن عملنا هذا كالمشي على الصراط، فنحن لا يمكننا أبداً أن نأمن أمناً تاماً إلى ألقحتنا، فهي قد تقتل الشياه التي نريد أن نحميها. . .)

فزعق بستور فيهما: (إن اللقاح الذي يعمل بنجاح في أربع عشرة شاة في معملنا لا شك ناجح في خمسين شاة في ميلان). فإنه عندئذ لم يرد أن يسمع بالخيبة، أو أن يذكر أن الطبيعة لها سر لا يفشى وخدعات لا تؤتمن، أو أن الغيب قد يخبئ كثيراً من العثرات ويأتي بكل غريب لا يحتسب. بل لقد تراءى هذا الغيب في عينيه رائقاً كالماء، شفافاً كالهواء، سهل القراءة كما تقول اثنان من اثنين ينتجان أربعة. فلم يكن لرو وشمبرلاند بدٌّ من رفع الأكمام وكشف السواعد والأخذ في تجهيز الألقحة.

وجاء يوم الامتحان الأكبر، فكانت المحاقن جاهزة، والقبابات حاضرة، وكل قبابة عليها أسمها. وصاح بستور فيهما وقد هموا جميعاً بركوب القطار: (إياكما يا ولدي أن تخلطا بين الألقحة). وكان قلبه مليئاً بالثقة ووجهه يطفح بشراً. ولما بلغوا بويي لو فرت - وصلوا إلى الحقل الموعود حيث الثماني والأربعون شاة وبضع الأبقار والعنزتان؛ تقدم بستور إلى الميدان، فدخله دخول مصارع الثيران، وانحنى وطيئاً للجمهور المحشود، وكان فيه أعضاء من مجلس الشيوخ الجمهورية، وكان فيه علماء وبيطريون وكثير من ذوي الأحساب ومئات المزارعين. فسار بستور بين صفوفهم يعرج قليلا ً - عرجة العظم والوجاهة لا عرجة الضعف والاستعطاف - فحيوه تحية صارخة، وتسخر به قليل.

وحضر جماعة من رجال الصحافة، وكان من بينهم رسول جريدة التيمس السيد دي بلاوتز هذا الرجل المعروف الذي أصبح اليوم في التاريخ كأنه شخص خرافي مما يحكى عنه من الأعاجيب.

وسيقت الغنام إلى فرجة من الحقل، وقام رو وشمبرلاند إلى مصابيح الكحول فأشعلاها، وإلى المحاقن الزجاجية فأخرجاها بحذر من لفائفها، وجاءا بلقاح الجمرة الضعيف الأول الذي يقتل الفئران ويبقى على الخنازير الغينية، فحقنا منه خمس قطرات في أفخاذ أربع وعشرين شاة وفي عنزة وفي نصف البقر. ونهضت البهائم وهزت برؤوسها، وأعلمت بثقب في آذانها. ثم قاد بستور جموع الناس إلى إحدى الزرائب، وخطبهم نصف ساعة خطبة فخمة في هذه الألقحة الجديدة، وبشر فيهم بالرحمات التي تحملها الإنسانية المعذبة.

ومر اثنا عشر يوماً، وجاء الناس مرة أخرى إلى الحقل واحتشدوا فيه، فقام أعوان بستور إلى اللقاح الثاني الأقوى الذي يقتل الخنازير الغينية ولا يقتل الأرانب، وحقنوا منه المواشي مرة ثانية، ونهضت بعد الحقن نشيطة كما يجب أن تكون الشياه والماعز والأبقار السليمة الصحيحة، وأقترب الموعد الخطير للحقنة الثالثة، وهي أقوى الثلاثة فتحرج جو المعمل، وثقل هواؤه، وأشتد العمل على رجاله، فجرى الحديث بينهم اقتضاباً من وراء المصابيح. وصمت بستور صمتاً مخيفاً لم يعهد فيه أبداً، وكان يطلب ما يريد آمراً صارخاً يكاد ينط له صبية المعمل في إنقاذه نطاً. وكان أنضم إلى أعوان بستور عون جديد يسمى تويبيه كان أصغرهم سناً، فهذا كان يخرج إلى الحقل ليضع مقياس الحرارة تحت أذيال البهائم يرقب سير الحقنة فيها، ولكن حمداً لله لم يجد بها حمى، وكانت جميعاً قائمة على خير حال، صامدة للقاح الشديد صموداً عجيباً.

وبينما قلق رو وشمبرلاند وشاب رأسهما همَاً وحذراً وانتظاراً، احتفظ بستور بثقته بنفسه. كتب يتحدث برأيه القديم الصريح الجميل عن نفسه قال: (لو تم النجاح الذي أرجوه، فسيكون هذا مثلاً من أروع الأمثلة لتطبيق العلم على الحياة في هذه البلاد، وسيسجله التاريخ كشفاً من اخطر الكشوفات وأكثرها ثمراً).

قال أصدقاؤه همهمة، وهم يهزون الرؤوس ويرفعون الأكتاف: (نابليونيات رائعة أيها العزيز بستور!).

قال بستور: (نابليونيات ولا نكران يا أعزائي الأصدقاء)

(تتبع بنتيجة هذه التجربة في العدد القادم)

أحمد زكي