مجلة الرسالة/العدد 134/فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 134/فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

مجلة الرسالة - العدد 134
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 27 - 01 - 1936

27 - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا

الناحية الإيجابية من مذهب نيتشه

السوبرمان أو الإنسان الأعلى

للأستاذ خليل هنداوي

- 1 -

إن أوربا الحاضرة قد انسل إليها الداء، ترى فيها حيث نظرت مظاهر العلة والانحطاط. فكأن نصباً بالغاً حل على الإنسان فكبّل قواه وأضوي عزمه. وهو بعد أن قطع سبيله من دودة أرضية إلى قرد، ومن قرد إلى إنسان أصبح يجنح في هذه الساعة إلى راحة بعد هذا التطور الذي شقي فيه. لا يحفل إذا كانت الراحة في الوقوف أو في الموت، وهنالك مذاهب كثيرة تتعلق بأطراف ثوبه تغريه بعوامل جميلة وآفاق مطرزة. هذا يعده بالمساواة المطلقة، وهذا يعده بحياة ما أجمل أفقها! المذهب الديموقراطي مذهب منحط في الجماعات، ومذهب ديانة الألم هو مذهب الضعفاء. وأولئك الشكوكيون الناقمون المارقون الذين ألفوا (مثوى) لهم عند زرادشت، هم منحطون يتألمون من وجودهم، ويكادون يختنقون سأماً من أنفسهم واحتقاراً لها كلما وقعت أنظارهم على الإنسان الحاضر

أليس هذا هو الإنسان المتشائم الإلهي الذي ينطق بمواعظ الموت قائلاً: (كل شيء باطل الأباطيل) (لا شيء يجدي! السعي باطل). (لا جزائر سعيدة وراء المحيط)!. هنالك متشائمون كثيرون أووا إلى كهف زرادشت، منهم الملكان اللذان هجرا مملكتهما لأنهما لم يخلقا أول الرجال، والآن يريدان ألا يأمرا ولا ينهيا أحداً. وهنالك العالم الذي يعكس صور الأشياء، ويضحي بحياته ابتغاء أن يدرس دماغ علَقة. وهنالك الساحر المشعوذ الذي يعبث كثيراً بحقائق الأشياء ويخدع كل الناس دون أن تجوز عليه خدعة. ثم يتحرى - وقلبه مفعم سأماً وكآبة - عن مجد مشروع صحيح. وهنالك (البابا الأخير) من لم يستطع أن يجد لنفسه عزاء عن موت الإله. وهنالك أقبح الرجال، قاتل الإله، لأن الإله خنق إشفاقه على بؤس الناس وشقائهم. وهنالك السائل الذي مقت الإنسان المتمدن، يتحرى إزاء قطعان البقر السارحة في المروج، يتحرى عن السعادة. وهنالك الشكوكي الذي قذف به جموح عقله إلى إضاعة نفسه، فضل وغوى وانطلق - بدون أمل - يسبح في أرجاء الوجود. كل هؤلاء يئنون من داء عميق يحز في قلوبهم حزاً. فهم يطوفون في الآفاق وقد أخذ القلق منهم كل مأخذ. فالناس وكل ما يؤمن به الناس من السعادة لا يزيدهم إلا سأماً. فهم أمسوا ولا إيمان لهم بكل الرموز التي يقدس الشعب ألفاظها ومعانيها. فلا ما وصلت إليه المادة بمغنيهم نفعاً، ولا الإيمان بالمثل الأعلى يغمر قلوبهم، فماذا يجب على الإنسانية إذاً أمام هذه الهاوية؟ فهل تقف مشيها وتطلب نفي الحياة وتنشد العدمية؟

يجيب نيتشه: لا! لأن الانحطاط لا يؤول إلى العدم، بل قد يكون الانحطاط بشائر حياة جديدة وعافية قوية، وإن مما لا ريب فيه أنه لا يمكن الرجوع بالإنسانية إلى الوراء. (يجب الإقدام، الإقدام إلى أمام. . . تقدموا رويداً رويداً في الانحطاط، وكما أن أوراق الأشجار تصفر في الخريف وتتناثر على الحضيض، كذلك الانحطاط قد يكون طليعة سلالة جديدة، والإنسانية تهب باحتضارها حياة سامية، إن الإنسانية تتمخض وتتألم من أوجاع الولادة؛ ولذلك لم يحمل زرادشت تعاسة الرجال السامين إذ يعتقد بأن الإنسان ينبغي له أن يتألم كثيراً ليستطيع الوثوب على القمم العالية. أن شقاء الرجال السامين وسأمهم من الناس ومن أنفسهم ضروريان، ليصرفاهم إلى المواطن العالية وليزيداهم جرأة وإقداماً على الوثوب. وإذا كان هؤلاء الرجال السامون هم بأنفسهم نماذج ناقصة للإنسانية فما همّ ذلك؟ يجب أن يكون هنالك انحطاط ونقص حتى يجيء النموذج كاملاً من كل وجه. إن الإنسان السامي هو كالإناء، يتهيأ فيه مستقبل الإنسانية، وفيه تتألف وتتجاذب وتعمل كل الجذور التي ستظهر يوماً لمعانقة أشعة الشمس، على أن أكثر من إناء واحد ووعاء واحد بين هذه الأوعية سيتصدع وسيتحطم! ولكن ما هم ذلك؟ أإذا ساءت ولادة فرد ما فهل ساءت الإنسانية كلها؟ وإذا ساءت ولادة الإنسانية كلها فما هم ذلك؟ إن الإنسان خاضع لهذا التشبيه الذي فرضه نيتشه. (إن الإنسان هو حبل ممدود بين الحيوان والسوبرمان، ليس الإنسان بغاية، إنما الإنسان مجاز وممر، وليفن الإنسان في سبيل حياة السوبرمان). يقول زرادشت للشعب الحاشد حوله: (إني أعلمكم السوبرمان؛ الإنسان يجب أن يفوق الإنسان! ماذا فعلتم لتفوقوا الإنسان؟

كل الكائنات سارت في طريق الإبداع إلى ما هو أسمى: وأنتم يا بني الإنسان شئتم أن تكونوا من الموجة جزرها لا مدها، بل آثرتم العودة إلى الإنسانية على السمو فوق الإنسانية

ما هو الفرد في عين الإنسان؟ إنه لخزي وعار. وهذا ما يجب أن يكون الإنسان في عين السوبرمان: خزي وعار. ها إنني أعلمكم السوبرمان:

إنه هو ابن الأرض، فلتقل إرادتكم، بلى. ليكن السوبرمان ابن الأرض)!

- 2 -

من هو السوبرمان؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يكونه؟ يمكننا تحديد السوبرمان بأنه هو الإنسان الذي يصرف عن نفسه كل التقاليد الموروثة من مذاهب وشرائع سارية في جسد أوربا. يصرفها عن نفسه ليعود إلى تقاليد وضعها رجال نبلاء وأسياد خلقوا بأنفسهم هذه القيم ولم يقتبسوها من غير أنفسهم. وليس معنى ذلك أن نعود بالإنسان إلى الوراء - إلى عصر الوحشية - وإنما نريد من الإنسان أن يبقى محتفظاً بمعارفه وبتجاربه التي شقي فيها أدهاراً طويلة. . . ولكنه يجب عليه أن يحطم مجموعة التقاليد والشرائع التي تعوق سيره وتحول بينه وبين التقدم المنشود

إن الإنسان بذهابه من الوجود يفتح الطريق للسوبرمان. وما أشبه هذا الاجتياز بالحركة التي تولد الرجل الزاهد عند (شوبنهاور). يعتقد المتشائم الكبير بأن الألم قد يقود الإنسان إلى الانعتاق من إرادته الشخصية، ويسير به إلى الانتحار في النهاية. ولكن هذا لا يغني وحده في نقله، وإنما لا ينبغي له إذا أراد الخلاص أن يقنع بالتنازل عن حياته الخاصة التي يحرزها، بل أن يتنازل عن الحياة عامة، وبهذا الثمن يستطيع أن يحس بالهدوء. أما عند نيتشه فإن الألم هو الواخز الذي يخز الإنسان فيقوده إلى السلام. إن الإنسان يتألم من كل شيء ذاتي، فيدرك السآمة الحادة الفاشية في نفسه، وهذه السآمة هي التي تسوقه إلى طلب الزهد والتشاؤم. وهذه هي حالة الرجال السامين الذين جمع بينهم (زرادشت) في كهفه. ولكن النبي يعظهم قائلاً لهم (إنكم لم تبلغوا في الألم الدرجة التي أريدها. لأنكم ما زلتم تتألمون من حالتكم وما أنتم عليه. إنكم لم تتألموا من حالة الإنسان الحاضر!) فإذا بلغ الإنسان هذه الدرجة البالغة من الشقاء والسأم توارى وأباد نفسه تاركاً الأرض للسوبرمان. إن التشاؤم الحاد العنيف هو الذي سيولد التفاؤل الظافر

(يتبع)

خليل هنداوي