مجلة الرسالة/العدد 134/رفعة المرأة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 134/رفعة المرأة

مجلة الرسالة - العدد 134
رفعة المرأة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 27 - 01 - 1936


للأستاذ محمد بك كرد علي

تحارب فرنسا فكرة إعطاء الحقوق السياسية للنساء ومساواتهن بالرجال؛ وقد جعلت ألمانيا وإيطاليا في جملة نظمها الجديدة أن تعود بالمرأة إلى سالف عهدها من التزام البيوت والقيام على تربية الأطفال ومنعهن ما أمكن من معاطاة أعمال الرجال؛ وتكتب في هذا الشأن كتب ورسائل، وتنشر صحف ومجلات. ومن الكتب التي ظهرت مؤخراً في فرنسا فأحدثت دوياً في الأوساط المعتدلة وأظهرت المرأة بمظهرها الحقيقي كتاب (رفعة المرأة) للدكتور روبرتوتش بدأه بكلام لثلاثة من مشاهير الكتاب أحدهم تيودور جوران قال: إن رفعة المرأة بلية صدرت إلينا من البلاد الأجنبية ولاسيما من أمريكا وجرمانيا وبلاد الشمال. وكان هذا النفوذ المتألف من كل غريب يكفي أن يكون منه نتاج قد لا يتلاءم كثيراً مع تركيبنا الفرنسي. وقال روبر كييو: من السهل الدلالة على أن دعوى رفع شأن المرأة كانت أبداً وليدة المذهب الاشتراكي، فأنّا نرانا نسقط فيها على أفكار اشتراكية بعينها، وعلى معان لهم وتعبيرات وعلى كلمات ما برح الاشتراكيون يرددونها مع سفسطات كانت ولا تزال مألوفة لهم؛ وما المرأة إلا أعدى عدو لرفعة شأنها، فهي موقنة بأنها تخسر من نفوذها الخاص أربعة أضعاف ما تربحه من نفوذها العام، ولا يتأتى مما ترمي إليه إدخال أدنى إصلاح على النظام الاجتماعي. وقال الثالث مارسل تينابر: إن حقوق النساء وتحريرهن الأدبي وطموحهن إلى الحياة السياسية، كل هذا حسن وجميل، ولكن يا سيدتي حررن أنفسكن أولاً من الخياط، فإن لم تكن لكن هذه الشجاعة فلا تتطاللن إلى أن تحصلن على ما بقى

قال المؤلف: إن مسألة إعطاء المرأة حقوقها ما زالت منذ ثلاثين سنة من الموضوعات الطريفة، ولو كان الأمر يقف على إعطاء المرأة جميع حقوقها ولاسيما السياسية التي لم تهيئها لها لا طبيعتها ولا عملها الخلقي لهان الأمر، ولكنهن يرمين من المطالبة بذلك إلى التفلت من كل قيودهن ولاسيما قيود البيت والأمومة. تريد إنقاص شأن الرجل وتطمح إلى الاستيلاء على كل عمل لم تخلق هي له. تريد الابتعاد عن المنزل وعدم المبالاة بأعماله والإقلال من الأولاد والقضاء على الأسرة وينتهي ذلكبانقراض العنصر والجنس. وبتأثي الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في معظم البلاد الممدنة ولاسيما في فرنسا، راجت دعاية المفرطين ثم دعاية الرجال والنساء في هذه الحرب الحديثة، فكان من تلك الدعاية إخراج المرأة عن طورها وحملها على أن تتناسى أو تستنكر عملها، فصبغت المرأة بصبغة بشعة من محاكاة الرجل ليكون منها شريكة مبغضة له أحياناً، ومنافسة وخصيمة يخشى بأسها. ومن العدل ألا نغفل عن التصريح بأن أسباب حياة المرأة بعد الحرب الكبرى قد تبدلت تبدلاً خاصاً فيه كثير من القسوة، لأن أجور كثير من الرجال لم تعد كافية لإعاشة البيوت فاضطرت المرأة بكسل الرجل أن تدخل أحياناً لتعمل في البيوت التجارية والمعامل والمصانع لتكتسب ما تستلزمه حاجتها أو حاجة ذويها، مما لم تحتج إليه فيما سبق من الأيام، اللهم إلا إذا كان زوجها مصاباً بعلة طال أمرها، أو بعاهة في جسمه تمنعه العمل؛ وعلى ذلك كثر عدد العزبات المتجردات، والمعوزات والأيامى المطلقات، ممن لا معرفة لهن بصناعة؛ وكثيراً ما يكون لهن أولاد يضطررن لإعالتهن. وإذا لم ترغب فيهن النفوس أو كن بشعات ممسوخات يعشن خليلات للرجال أو يتدهورن في العهر السافل. ولطالما كان من الفتيات من جمعن شيئاً من المال، وانتظرن السنين خاطباً أو راغباً! ومن هذه الطبقة أيضاً عوانس خرجن عن طبائعهن، وحاولن أن يعشن عيشة جديدة، ويخرجن من افقهن الضيق فاستلزم ذلك اختلاطهن بكثيرات من بنات جنسهن وغير أبناء جنسهن، فتيسر لهن إيجاد علائق كان من أثرها زواجهن؛ وشق على كثيرات منهن لما أخفقن في الحصول على عروس لهن أن يبقين بلا حب، فاخترن خليلهن بحسب أذواقهن، وكل أولئك كان يحسن ويحب لو وقف الأمر عنده، ولكن هناك نساء سطا عليهن الكبر والحقد، فاحتقرن الرجل والزواج والولد، وهن قادرات على أن يكن طاهيات ووصيفات وساعورات ودلاكات ومنظفات أيد ومنظفات أرجل وحاسبات وخزانات وكاتبات ومدرسات وبائعات وسمسارات بل وقصصيات ومحاميات وطبيبات، ويتوهمن أنهن أسمى من الرجل أو على الأقل مساويات له، ويحاولن أن يقمن مقامه في معاناة سامي الأعمال مما لسن له خليقات

بهذه الصفحة وصف المؤلف ما تحاول المرأة بلوغه في بلاده، أو تنزعه من قيودها الطبيعية لتتلبس طبائع غير جنسها. وقد قال في وظيفة الحيض: ما برح دعاة تحرير المرأة منادين صاخبين أن المرأة مساوية للرجل، وما كان تشريح الجنسين ونفسيتهما وطبيعتهما متشابهة قط؛ وإذا كان الحال كما يدعون، فلماذا نرى البقرة غير الثور، والنعجة غير الخروف، واللبوة غير الأسد؟ ولماذا يتناسى دعاة هذا التحرير العمل العظيم الذي يؤثر في طبيعة المرأة وعقليتها وما كتب عليها من الحيض فيخرجها إلى طور غريب، وتفعل أيام الحيض في خلقها، وبعض الصحيحات منهن أو المريضات تعاودهن العادة مرتين في الشهر، فيدفق الدم منهن في الشهر الواحد مرتين، وينقطع مرتين، فيتأثر المجموع العصبي فيهن من هذه الموجات الدموية. وأسهب في شرح هذه الحال على ما يجوزه لسان الطب، ولا يجوز نقله لسان الأدب الحديث في صحيفة سيارة، مستشهداً بآراء أعاظم الحكماء والأطباء؛ ونقل عبارة أحدهم من أن المرأة لا تشعر بالحرارة ولا بالبرودة، والدليل أنها تتدثر بالفرو في الصيف؛ وإذا قيل إن ذلك من جملة الأزياء الحديثة، فأنّا نشهدها تتعرى في الشتاء إلى خاصرتيها، دون أن تحس بما يضرها؛ فالمرأة ما بردت قط، وإن أظهرت أنها صردة تتأثر من البرد، وأنها تضع الفرو عليها فذلك لأن هذه الحركة هي من الحركات الجميلة فيها. وعرض لغرامهن بالأزياء من كشف الأيدي والأرجل والسوق والصدور والظهور على ما تأباه قواعد الحشمة قال: ولو عقلن لسترنها، لأن في سترها مصلحة لهن على خلاف ما يعتقدن، وبذلك إغواء الشباب إلى ما يحمل ذلك من الموبقات المخجلة

إن إعطاء الحقوق السياسية لم ينتج منه الإصلاح المدهش في شمال أوربا وفي أمريكا وأوستراليا، حيث أخذن يتمتعن بحقوق الناخب والمنتخب؛ ففي الدانمرك لم يأت النساء بشيء أحسن مما كان للبلاد يوم كان نساؤها يسلمن للرجال الأعمال، ولم يُقض على الغول (أو الكحول) في بلاد السويد والنرويج وفنلندا وأوستراليا والولايات المتحدة؛ أما الفحش فكثير جداً في هاتيك الممالك، وهو مشوب برياء وتصنع

خرج المتعلمات في الجامعات الأمريكية من البيوت الفقيرة؛ وأظهر الفتيات في فرنسا وغيرها اجتهاداً في طلب العلم؛ وقد يتعلمن بدَعة وسرعة كل ما يتطلب إجهاد الذاكرة؛ وقد يبرزن في المسابقات، ولسن كذلك عندما يخرجن إلى الحياة، عندما يضطررن إلى القيام بمسألة تحتاج إلى تفكير وشخصية وحكم؛ وقل فيهن من ينجحن في المحاماة والطب، وقل أن يقبل أرباب المصالح على توكيلهن في القضايا أو استشارتهن في الأمراض؛ ومن تزوج منهن من رجال لهم مثل صنعتهن، كأن تتزوج الطبيبة بطبيب، والمحامية بمحام، لم يحمدن غبّ زواجهن، لأن التفاوت في قريحتي الزوجين يؤدي إلى أن تحسد الزوجة زوجها على توفيقه في عمله، فتبغضه وتشنأه؛ وثلث المتعلمات في أمريكا لا يظفرن بأزواج، وكلما أحرزن شهادات تخوف الرجل الإقدام على التأهل بهن، ولذلك يحببن الانطلاق بأفكارهن أن أسفن لما صارت إليه حالتهن؛ وثبت أن من تزوجن في فرنسا لم يقدمن على الزواج إلا بعد الثلاثين، وأحياناً في الأربعين، وكان معدل العقم من هذا الزواج تسعة وثلاثين في المائة لا تنسل فيه صاحبته ولا تلد

فتحت في الحرب معظم الأعمال في فرنسا أمام النساء، فأثبت لهن الاختبار أن من الأعمال ما هو من شأن الرجال كقادة الترام، وسوق السيارات، والمحاماة، والطب، فأخذ يرجع بعضهن عن تعاطي هاتين الصناعتين؛ وأثبت النساء الموظفات في الإدارات الحكومية والخصوصية أن امرأة عندما تجلس من وراء كوة أو نافذة للقيام بعملها، تصبح أشبه بالحيوانات المفترسة، وكانت خارج عملها من الساحرات الفاتنات بلطفها وظرفها. قالوا إن النساء إذا شاركن في السياسة يدمثن الأخلاق، ويبطلن الحروب، ويشرعن تشريعاً إنسانياً أكثر من تشريع الرجل، والواقع خلاف ذلك، لأن من الموظفات من إذا رضخ لهن بشيء من المال يبسمن ويغيرن معاملتهن، فما بالك بهن إذا قبضت الواحدة المئات؟ ومن تولين أعمالاً لا شأن لها كثيراً لم ينجحن النجاح المطلوب؛ ومن نجحن كن بتراكيبهن الجسمية أشبه بتراكيب الرجال، من حيث العضلات والقوى. وما نجح النساء في تولي الحكومات لو لم يكن لهن مؤازرون عظماء من الرجال يعملون كل شيء وينسبون ما عملوا للملكات، وإذا رجعنا إلى تراجم الملكات والأميرات نجد كثيرات منهن على جانب من التهتك والخلاعة، وما تعففن عن غمس أيديهن بالدماء - ويكون ذلك أحياناً لمآرب لهن - أو للتخلص من رجال تمتعن بهن، ثم أردن إطفاء ذكرهم. وإذا أردنا أن نذكر شهيرات النساء في الأدب لا نرى غير الرجال يعملون لهن من وراء ستار على الأكثر، وما تركت فيه المرأة وشأنها من الآثار الأدبية كان إلى التفاهة والفهاهة

وعدد المؤلف المساوئ التي تنتج للمجتمع من إعطاء النساء حق الانتخاب وما يتبع ذلك من شرور تنبعث من الناخبات، وفسوقهن وفجورهن كثير. وعقد فصلاً طويلاً في آراء عظماء الرجال منذ القديم في النساء ورفعة شأنهن، وفي الأبناء والشباب. قال بركليس: إن خير النساء من لا يتحدث الناس في أمرها. وقال موليير: إن النساء أتين العالم لعمل الحساء وإنسال الأولاد، وما عدا ذلك فإنهن يظهرن بمظهر مزعج خطر. وقالت مدام دي منتنون: ما عرفت النساء قط إلا نصف معرفة، والقليل الذي يكتب لهن معرفة يصبحن به متعجرفات هزّاءات مهذارات بعيدات عن الرصانة والرزانة. وقالت الآنسة دي سكودري: إن فتاة تنسى النظر إلى السماء لا تحسن شيئاً على الأرض. وقالت مدام دي دوفان: إن النساء يحرصن على الاضطرابات حتى إن معظمهن يؤثرن البؤس على الراحة. وقالت الآنسة دي لسيناس: متى تعلمت المرأة الإملاء يأخذها العُجب، فالواجب تعليم النساء لا تخريجهن عالمات. وقالت العقيلة دي بوز يولكس: مهما بلغ من خبث الرجل لا يقل في النساء من المقابح أكثر مما يتصورن بأنفسهن. وقالت مدام دي ستال: لما لم يكن في النساء تعمق في نظرهن ولا تسلسل في أفكارهن، كان النبوغ متعذراً عليهن وإذا كتب للنساء أن اتسعت أفكارهن فلا يتم لهن ذلك إلا بألم شديد. وقالت إن مجد المرأة حداد ظاهر على سعادتها

وقال برودون: إن المرأة التي تبتعد عن جنسها تسقط إلى مستوى أنثى مهذارة وقحة كسلانة قذرة خائفة قوادة مسممة، هي طاعون أسرتها والمجتمع. وقال لوكوفيه: إن المرأة الطبية يتقزز منها، والمرأة التي تتولى كتابة الصكوك يضحك منها، والمرأة المحامية يفزع منها. قال: كان أوجست كونت يعرف النساء كثيراً ويغرم بهن كثيراً، ويخالف في تحريرهن، ويعرف أنهن ماعدا القليل منهن جداً لم يخلقن للعمل ولا للحرية ولا لتحمل التبعات

(البقية في العدد القادم)

محمد كرد علي