مجلة الرسالة/العدد 13/عمالقة الأشجار

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 13/عمالقة الأشجار

مجلة الرسالة - العدد 13
عمالقة الأشجار
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 07 - 1933


للدكتور محمد بهجت. خريج جامعة كاليفورنيا

(2)

حرج ماريبوزا

يقع في قمة جبال السييرا على ارتفاع ستة آلاف قدم. سمي كذلك لوجوده بمقاطعة بهذا الاسم. (وماري بوزا) كلمة إسبانية معناها (أبو دقيق) وكان أول من لمح رؤوسأشجاره عن بعد رجلا يسمى (أوج) في سنة 1855 ولكن رجلا آخر يسمى (جالن كلارك) اكتشفه عام 1857 وإليه يرجع الفضل في ذلك. يصل إليه الزائر من طريق ضيقة لا تتسع لأكثر من عربة، شديدة الانحدار والتعاريج تمر وسط غابات كثيفة مكتظة بأنواع الصنوبر التي تعطر الجو دواما. وغالباً ما تكون حافة الطريق هي حافة هوة بعيدة القرار يغطى منحدرها آلاف الأشجار. وكثيراً ما يصادف الإنسان قطيعا من الغزلان يعترض الطريق ترنو إليه بأعين سوداء كبيرة هادئة ثم لا تلبث ان ترتاع وتقفز في رشاقة نادرة وتختفي في ظلمات الغاب. ومن وقت إلى آخر تخترق الأذن نغمة لطير جميل الريش يتفيأ ظلال الأغصان. أو يقفز أمامك سنجاب صغير يقف على خلفيتيه ويرفع ذيله الطويل على ظهره حتى يكاد يلامس مؤخر رأسه، ينظر اليك لحظة ثم ينقلب راجعا في سرعة البرق. وأحيانا يصادفك دب أسود الفرو لامعة ينظر اليك متكاسلا ثم يدير رأسه إلى الناحية الاخرى متباعدا عنك غير عابئ بك.

وأخيراً تنتهي الطريق إلى الحرج الذي لا تتجاوز مساحته ميلين مربعين. وهناك يشعر الزائر انه دخل في معبد فسيح معطر الأرجاء ذي عمد هائلة، لا تستطيع الشمس أن ترسل الكثير من أشعتها إلى أرضه لكثافة رؤوس الأشجار، فالظل لذلك وارف ظليل والهواء بارد عليل، واما الصمت فرهيب شامل وما هي الا برهة حتى تملك الإنسان خشية ورهبة فيصمت هو الآخر ويتأمل! أشجار باسقة تحلق رؤوس بعضها في الجو إلى ارتفاع مائة وعشرة من الأمتار. ويبلغ قطر البعض الاخر عشرة أمتار!! يرفع الإنسان رأسه ليدرك سمو هذه المخلوقات النبيلة ولكنه لا يلبث أن يطأطئه في خشوع وذهوليميد بالحيرة ويضج بالأسئلة. ترى كم من السنين قامت هذه العمد النباتية في مكانها لا تبرحه، تحمل الثلو شتاء على اذرعها الضخمة المنبسطة وتحتمل الزمهرير ولطمات البروق وجلجلة الرعود وهطول الأمطار وتدفق السيول؟ يقول بعضهم ثمانية آلاف سنة ويقول بعضهم أربعة آلاف!! ومهما يكن التقدير فإنها ولا شك أسنّّ المخلوقات الحية وأعظمها. كيف لا والشجرة (الصغيرة) التي تجاوزت الخمسمائة ربيع لا تزال في ميعة الصبا وأما التي سلخت من الزمن الفي سنة فلا تزال في سن الكهولة!! إذا نظر الإنسان إلى شيخ قارب المائة أو جاوزها شعر بوقار السن وجلاله، وخشع لتلك المسحة الهادئة الحزينة التي تطبعها عليه يد الهرم. فما بالك إذا نظر إلى مخلوق عمره ستة قرون؟ ومع هذا فلا ترى ضعفا ولا تقوساً ولا تهدما بل ترى شموخا وقوة وعظمة. ترى اصلها كأنه أبو الهول ناشبا أظفاره الضخمة في جانب فريسة هائلة، ترى التمكن والرسوخ. نعم ان عليها روح الكآبة والحزن ولكنها كالجبار المكتئب يرفع رأسه إلى السماء في جمال وروعة غير عابئ بما في جنبه من طعنات أو في نفسه من وخزات. وحقيقة ترى بعضها محترق الجانب او القلب غير انها لا زالت حية باسقة تهزأ بكوارث الطبيعة وهوجها، تطالع فيها رمز الصبر والاحتمال والخلود، ثم انها كتاب تاريخي ضخم استوعب الكثير من تاريخ القرون ولكن كيف السبيل إلى حل رموزه وطلاسمه؟ هيهات! تقف صامتة، تنظر مبتسمة ساخرة، ولكنها لا تبوح بمكنون فؤادها فكأنها حفيظة لسر الدهر.

ولكل من هذه العمالقة اسم معروف يعرف به، فهذه شجرة مارك تواين تخلد اسم الكاتب المشهور وهي أطولأشجار العالم اذ يبلغ ارتفاعها 331 قدما، وهذه شجرة جالن كلارك مكتشف الحرج وهذه شجرة واشنجطن، وهذه شجرة غروب الشمس وهي آخرة الأشجار التي تغيب عنها أشعة الشمس. وتلك شجرة الإسطبل التي تؤوي خمسة عشر حصاناً جذعها الأجوف، وتلك شجرة المنظار التي احترق من جوفها ما طوله خمسون قدما فأصبحت كالمنظار ترى من داخلها السماء. ثم تلك شجرة (واوونا) - تلك الشجرة العجيبة التي شق في أحشائها طريق في سنة 1880 ارتفاعه ثماني أقدام وعرضه احدى عشرة تمر منه عربات الزوار الذين يحجون إليها من أنحاء المعمورة. ومع هذا لا تزال حية تضحك من أقزام الإنسان الذي أعمل فيها قواطعه ومناشيره وأجرى عليها هذه العملية الجراحية القاسية من غير ما مسكن أو مخدر!!. . . وترى وسط الحرج (العملاق الرمادي) وهو من أضخم ما على البسيطة من أشجار ومن أطولها عمراً. يبلغ ارتفاعها 204 ومحيطها 104 أقدام، رأسها غير كامل لأنه محترق، ويظهر أن صاعقة انقضت عليه فأطارته. يبلغ سمك قشرتها الذي يكسو خشبها نحو 75 سنتيمترا، والعادة أن يكون لونه لون القرفة، اما في هذه الشجرة المعمرة فاللون رمادي يشهد بمعاركة الرياح والأمطار والشمس وعناصر الطبيعة الأخرى القاسية قرونا طويلة، واقفة كأنها تصارع الزمن بسيف متكسر فهي كالبطل المنهوك المثخن بالجراح تغيب بين أضلاعه النصال والسهام. فمن ذا الذي يرى هذا المخلوق النبيل ولا يحني رأسه في خشوع وإعظام وإكبار؟ من ذا الذي لا يقف بأصلها ضارعا بعد أن يشعر بعظمة الخالق والمخلوق؟ وسأحاول تصوير ضخامتها بما يلي من الأمثلة:

1 - إذا وقف عشرون رجلا في حلقة مقفلة حول أصلها بحيث تتلامس أطارف أصابعهم مع امتداد أذرعتهم فانهم يستطيعون تطويقها تماما.

2 - إذا شق في أصلها طريق يمكن أن تمر منها مركبتان من مركبات الترام جنبا إلى جنب.

3 - إذا أمكن ان تقور قاعدتها بحيث تشبه الغرفة استطاع اربعة عشر شخصا أن يجلسوا على مقاعد حول مائدة مستديرة في وسطها من غير ما تزاحم.

4 - إذا قطع ونشر خشبها أنتجت ما يربو على نصف مليون قدم من الخشب.

وبجانب آخر من الغاب يرى عملاق هائل صريعا ممددا يسمونه (الملك الساقط) دون عظمته وضخامته عمد قدماء المصريين الصوانية المتساقطة في المعابد. مؤثرة والله رؤية ذلك الطود الأشم بل ذلك الملك منزوع التاج منطرحاً على الأرض جسماً بلا روح (ذلك الطود الذي عاصر الأهرام حيا وها هو ذا لا يزال يسابقها في حلبة العمر إذ يأبى خشبه الاستسلام للعفن وللاضمحلال والفناء مع أن جنبه يلامس الأرض منذ مائتي عام!! وقد صورت أكثر من مرة وعليها عربة بستة أحصنة وعدة سيارات وجمع غفير من الرجال.

ولعل اهم ما يتساءل عنه الزائر المتحير هو كيفية تكأثر هذه الأشجار وحفظ نوعها. وربما تأخذه الدهشة إذا علم انها تتكاثر من بذرة في حجم الخردلة!! وتوجد هذه البذرة مع غيرها في مخروط صغير لا يزيد حجمه على حجم البيضة الكبيرة. وقد يحتوي المخروط على ثلاثمائة بذرة. وتنتج الشجرة عددا هائلا من هذه المخاريط ولكن ما ينبت من بذورها قليل جداً.

وقبيل الغروب عندما يتأهب الزائر لمغادرة ذلك المكان الساحر يرى ضربا آخر من الجمال إذ تنفذ أشعة الشمس في حزم عريضة تشق ظلام الغاب إلى سوق تلك الأشجار فتضيء جوانبها المغضنة بفيض من النور البديع يشف عن لون محمر يزري بأجمل ألوان رخام إيطاليا المصقول. اما الجوانب المقابلة فتكون معتمة مصبوغة بلون بنفسجي شفاف. . . بعدذلك ترى نفسك مضطراً إلى مغادرة المكان اذ يهجم الظلام سريعا. فإذا ما خرجت من الحرج إلى الطريق استطعت ان ترفع صوتك بالحديث بعد أن كنت تهمس، ثم تؤخذ بجمال الجبال عند الغروب. عجبا!! كيف يمكن ان تصطبغ رؤوس تلك الجبال ومنحدراتها وأشجارها بهذا اللون البنفسجي البديع الذي لم يستطع العلم تقليده إلى الان؟. . . وان استطاع فاي جن يمكنهم ان يصبغوا به مثل تلك السطوح الهائلة في ذلك الوقت القصير؟!! ثم بعد ذلك أيضاً تنطبع صور تلك الأشجار العجيبة في ذاكرتك إلى مدى العمر، وتقف فيها، بارزة قوية بحيث تراها وتحسها وتحن إليها وأنت في أي ركن من اركان العالم.