مجلة الرسالة/العدد 123/عمرو بن العاص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 123/عمرو بن العاص

مجلة الرسالة - العدد 123
عمرو بن العاص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 11 - 1935

1 - عمرو بن العاص

بقلم حسين مؤنس

أصبح الرجل محزوناً كاسف البال، لم يبرح غرفته بل لم يبرح مكانه، وإنما هو مقيم حيث تركه ابنه عبد الله أمس، ساكنا لا يريم، صامتاً لا ينبس؛ وقد ارتسمت على وجهه أسارير من الحزن لا تخفى، وتراءت في قسماته ملامح من القلق الممض المشجي. . . بل كانت لا تخفى في عينيه علائم السهر الطويل. . . ومن يدري فربما انقضت هذه الليلة ولم يغمض له جفن، وربما أرق ليلة الأمس كذلك، وربما طواهما مسهداً في هذه الغرفة التي لا يبرحها. . . إنه يفكر تفكيراً طويلاً. . يفكر ويخاطب نفسه ويقلب كفيه، ويهمهم وإنه لينظر نظر الشجي (استعملتك على ظلمك وكثرة القالة فيك. .) والله لقد خلتها يا عثمان. . .! ثم يعود فيردد: (لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت!). . إن الحزن ليشتد بالرجل وإن الدمع ليترقرق في عينيه وإنه ليحني رأسه ويصمت صمتاً طويلاً. . وبينما هو في ذلك إذا يد خفيفة تمر على كتفه في رفق، وإذا صوت رقيق يهتف به: (رويدك يا ابن العاص. .) فيلتفت إليه ويقول: (حتى نحن يا سلامة. .). فيجيبه: (لقد متع الضحى) فيسترسل الرجل مرة أخرى في تفكيره ثم يقول: (رحمك الله يا ابن حنتمة. . والله لقد كانت فيك على شدتك رقة، وعلى جفائك وداً. . أما هذا. . أما هذا. .) فيقاطعه سلامة قائلاً: فليغفر له الله. . . (فيرد عليه محتداً. .) لا يا ابن روح. . لا غفر الله له أبداً. . لا غفر الله له أبداً. . لقد وليها عامرة. . ولن يعفيها حتى ينعق عليها البوم. . لقد عملنا لرسول الله ﷺ فرضى عنا، وعملنا لخليفته فأكرمنا. . وعملنا لعمر فانصرف عنا قرير العين، ثم جاءت أيامك يا ابن عفان. .! ويصمت الرجلان صمتاً بليغاً، ويسرع بهما الفكر إلى الجزيرة التي فرا بنفسيهما منها. . واطمأنا إلى الراحة في هذا القصر الذي يملكه عمرو في فلسطين، فهذه جزيرة العرب تموج موجاً وتضطرب اضطراباً، وقد فوقت إليها الفتنة سهاماً صائبات. . واصطلحت عليها من الشر حادثات. . وهذا عثمان في بيته بالمدينة وحيداً لا يطرق بابه أحد، فريداً لا يذكره أخ ولا ناصح بعد الذي كان من تقريبه آل أمية وآل مروان، وبعد الذي كان من خصومته مع علي وازوراره عن طلحة والزبير وعزله الصالحين من ولاة عمر. . وهاهي ذي الفتنة تتحرك في مضاجعها. . . والثائرون يتواصلون ويتابعون الشكوى ويجمع بينهم الظلم. . وهذا أبو ذر الغفاري يطوف ببلاد الإسلام يثير الفتنة ويقلب الأرض على عثمان. . . وهذا علي يباعد ما بينه وبين الخليفة مخافة أن يصيبه آل أمية بشر! وهم الساعة أصحاب الأمر وذوو السلطان على الخليفة الورع اللين الرقيق. . . وهم اليوم لبني هاشم بالمرصاد، وإن للبيتين فيما مضى لشأناً. وإن لهما فيما يقبل من الأيام لشأناً أكبر وقد أسخطته من عثمان أمور ونفرته منه شرور. وما يطيق الرجل صمتاً على ابن أبي سرح وآلياً على مصر، مكان ابن العاص القدير. فما زاد عثمان على أن قام على الناس رجلاً كرهه الرسول ولم يرض عنه إلا شفاعة وسماحة. . . ثم سكت طويلاً ثم أخذ يردد هذا الرجز الذي سيكون له في المحنة المقبلة أي شأن، والذي ستردده الجموع في الشام وتهتف به الجحافل في العراق. . . ويتردد صداه بعد ذلك على مدى الأيام:

أصبحت الأمة في أمر عجب ... والأمر مجموع غداً لمن غلب

فقلت قولاً صادقاً غير كذب ... إن غدا تهلك أعلام العرب!

ثم بدا له فقام من مجلسه. . وأطل من النافذة على فناء (العجلان) فإذا أعرابي يسعى على راحلته وهو يردى بها مسرعاً. فهتف به فوقف، وسأله كيف عثمان:

فقال الأعرابي: قد تركته محصوراً شديد الحصار

ثم تركه وتولى مسرعاً

وأي هلاك.! خليفة الله محصور. إن الأمر ليشتد وإن العاصفة لتنذر وإن العقبى لوخيمة. ترى أعيل صبر العرب فأتوا يقومون الخليفة بالسيوف. هنا أحس عمرو أنه لم يحسن الصنيع حين ترك عثمان وحده في المدينة، وأخذ يسأل: ترى ماذا يصنع علي وماذا تصنع البقية من الصحابة. إن فيهم لعصمة لابن عفان مما يراد به. . ولكن ما عساهم يصنعون وقد أبى عثمان أن يلقي لهم بالاً. فلتنفعه عصبية بني حرب لو كان فيهم خير. وليعصمه ابن أبي سرح لو كان يستطيع. أما الصحابة فها هم أولاء يعتزل منهم نفر فيهم سعد بن أبي وقاص، ويعلن العداء منهم نفر وفيهم أبو ذر الغفاري، ويشتد منهم نفر ولا يتحرج أن ينقد عثمان النقد الجارح الشديد وفيهم علي، وتنصرف منهم طائفة إلى ذات نفسها تجمع المال وتؤلف الأنصار وتعد العدة لما عسى أن يحدث من الأحداث وفيهم معاوية. ثم نظر فإذا شرذمة من الأعراب على الخيل والجمال يسعون نحو الشمال. وكان انصراف العرب عن الحجاز قد كثر هذه الأيام، وإذا بهم يعلنون مقتل عثمان في شيء من الإنكار والخوف والهلع. فإذا استوقفهم وسألهم فوصفوا له الأمر وصفاً دقيقاً، ثم تولوا وتولى، فإذا سلامة قد ترك المصحف الذي كان يقرأ فيه ووقع الخبر في نفسه موقع الصاعقة. وريعت نفسه ولم يطلق على الأمر صبراً. فنهض من مجلسه ونظر إلى عمرو فإذا به شجى يشرق بالدمع فقال له وإنه ليعاني ألماً بليغاً: (يا معشر قريش! إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟) فقال عمرو وإنه لذاهل: (أردنا أن نخرج الحق من خاصرة الباطل ليكون الناس في الحق شرعاً سواء.).

وهل أصبح الناس الآن في الحق شرعاً سواء. .؟ أجل! وقد ذهب ولي الأمر وأصبح السيف بين الناس حكماً. . وليطلب الأمر من يجد في نفسه الإقتدار على النهوض به. . ترى من يكون هذا المقتدر الذي سيملك ناصية الأمر ويقدر له الفوز بهذا الغنم العظيم؟ كذلك كان ابن العاص يسائل نفسه. . وكذلك كان يمضي في نظر المسألة والتدقيق فيها. . . بدأ يستعرض جوانب القوة واحداً فواحداً ويوازن بين ما لديهم من (القدرة) لا من (الحق) موازنة طويلة حتى لا يخفى عليه منها وجه من وجوه الرأي. . وهذا رجل يتقن الحساب ويجيد المساومة. . . ولا يخطئ في تقدير ربحه من أي النواحي. . ولقد كان هذا موقفه في كل أزمة. . وتلك حالة قبيل كل عاصفة. . يقف ساكنا ويفكر طويلاً. . ثم يساوم في حرص. . وأخذ يستعرض ما انقضى من أيامه عسى يلقي الماضي على الحاضر ضوءاً. . . إنه ليذكر موقفه قبيل إسلامه. . . وقد بدأ أمر رسول الله ﷺ يظهر شيئاً فشيئاً. . . وبدأ الخوف من ناحيته يدب في قلوب قريش. . . وإن طائفة منهم لتشتد في عداوته شدة جاهلية. . . وإن طائفة أخرى لتسرع إلى رايته فتنضوي تحتها. . . وإن طائفة ليثقل عليها الأمر فتدع الميدان وتعتزل الحياة. . . ولكن عمراً لا يميل إلى أحد الجانبين ولا يعتزل بل يزن كل ناحية على مهل. . . ويقدر تقديراً طويلاً بل هو يبتعد عن الميدان كله إلى بلاد الحبشة. . . وهناك يرقب الأمور في صبر وحرص كما يرقب التاجر أسعار السوق. . . فإذا استبان له رجحان كفة الإسلام. . . وإذ رأى كنوز النصر تخفق. . . في بدر وفي الخندق، فقد أقبل إقبال الواثق ليتمم الصفقة وليشتري عن ثقة. . . ولكنه بعد ذلك كله يرجو أن يكون كسبه من الأمر أكثر من كسب الآخرين، إنه ليعود من الحبشة مسرعاً وقد حزم أمره على الدخول في الإسلام. . . ولكن انظر كيف أقنع نفسه بالبيعة للرسول، لقد بعثت إليه قريش تسأله ما عقد عليه النية. . . فلا يعلن إسلامه إعلان عمر، ولا يفسر إيمانه تفسير أبي بكر أو عثمان. . . وإنما هو يقول للرسول: أنحن أهدى أم فارس والروم؟ فيقول الرسول: (بل فارس والروم) فيقول عمرو. . . فما ينفعنا فضلنا عليهم في الهدى إن لم تكن إلا هذه الدنيا وهم أكثر فيها أمراً، قد وقع في نفسي أن ما يقول محمد من البعث حق. . . هذا منطق الرجل في الإيمان وهكذا يستوثق لنفسه من أنه لا (خسارة) عليها في ذلك، ثم يمضي حتى إذا أقبل على الرسول الكريم ومد يده فقد قبضها، فسأله الرسول ﷺ فقال: (أردت أن أشترط!) نعم يريد أن يشترط. . . يريد أن (يكسب) شيئاً في هذه البيعة الجديدة. . . فإذا سأله الرسول ما يشترط فقد تريث لحظة. . . وبدا له فطوى ما كان يريد أن يقول. . . وساعفته بديهته. . . فقال (يا رسول الله. . . إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر) فقال رسول الله ﷺ: (يا عمرو! بايع فإن الإسلام يجبُّ ما قبله وإن الهجرة تجبُّ ما قبلها). . . إنه يريد أن يشترط دائماً. . . هكذا كان موقفه في كل أمر.

(للبحث بقية)

حسين مؤنس