مجلة الرسالة/العدد 123/النجاح

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 123/النجاح

مجلة الرسالة - العدد 123
النجاح
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 11 - 1935


للأستاذ عبد الرحمن شكري

أنت رب الأوشاب والأعلياء ... وجماع الجهود والأهواء

تُلْبِسُ المرَء منك حُلَّةَ فضل ... يلهج الناس حولها بالثناء

أي فضلٍ للمرء إنْ لم تَحُكْهُ ... وذكاءٍ إنْ لم تكن في الذكاء

فُرَصُ العيش كلها لك جند ... والعطايا مواثلٌ كالإماء

وصروف الأقدار طراً عبيد ... للذي تصطفيه للآلاء

لا يضير الذي اصطفيت عداءٌ ... لا ولا يُزدرى لفرط الغباء

ويود الذكي لو كان غِرّاً ... ثم تكسوه حُلة الأذكياء

أنت سِحْرٌ يكسوه القبيح جمالاً ... ويُنِيلُ الوضيعَ أُفْقَ العلاء

وينيل القَمِيَء أجنحة النس ... ر فيغدو لقومه كسماء

يرتجي الناس غيثها وعلاها ... بخشوعٍ وذِلة ورياء

إيهِ يا مالك القلوب قلوب ال ... ناس طراً طوع اللُّهَا والعطاء

رُبّ قلبٍ مُمَاكِسٍ لك في البي ... ع وذاك المِكاس غير الإِباء

تنثر التبر مثلما تبعث الشم ... س بأضوائها على الأرجاء

فوق وغدٍ أو فوق غِرِّ حَظِيٍّ ... أو على ظافر من الفضلاء

لك ثوب يُخفي العيوبَ ويحبو ال ... فضلَ فضلاً من روقة اللألاء

قَدَرٌ حاكه وليس صَنَاعٌ ... كصناع يدعونه بالقضاء

معدن الخير والفضيلة والحك ... مة من يرتدي بذاك الرداء

أي فضلٍ تعطي القوىَّ قواه ... إن عداه النجاح في الأحياء

أي صيتٍ يُجْدِي الذكيَّ بيانٌ ... لم يُصِبْ نهزة من الإصغاء

أي فضلٍ تحبو الحكيمَ نُهَاهُ ... وهو لولا الأنصار كالأغبياء

سَرَفٌ أنْ أضاعه الدهرُ لا يُفْ ... قِر دهراً أضاعه من ثراء

أترى التبر لو يضل دفيناً ... كان يجبي أطايب الأشياء

أترى الحسن كان يُعتدُّ حسناً ... وهو في خفية عن البصراء يغنم الظافر السعيد وإن ك ... ذَّب منه النقاد بُطْلَ الطلاء

وهو في أعين الآنام نضار ... وسواه في الخلق كالدقعاء

يغفر الناس شَرَّه وأذاه ... ويمدونه بمحض الولاء

إنما الحق ما رأى الناس حقاً ... ثابتاً في عقيدة الأهواء

والشريف الذي يرون شريفاً ... نال أولم ينل مدى الشرفاء

والكريم الذي يرون كريماً ... حاز أو لم يحز هوى الخبراء

صاحِ لو يُنْبَذُ المُزَيَّفُ طراً ... حَرَبَ الناسَ كلُّ هذا الاباء

ثم باءوا بحيرةٍ وضلالٍ ... في دعوى العقول والآراء

وإذا النجح لم يكن منه ميزا ... نٌ فكلُ مُزَيَّفُ الأنباء

كن جديراً به وإنْ لم تنله ... إنما الحقد آلة الأدنياء

ويضير الأنامَ كيْدُ حَقُودٍ ... صد عن خير مطمح وعلاء

فدع الناس يكفلون بما شا ... ءوا وَعِشْ في حقيقة الأشياء

إنْ تجدها أو لم تجدها فللع ... يِّ وللجد نشوة الصهباء

نشوة النجح نشوة السعي والخا ... سر من لم يَفُزْ له بطلاء

ولعل الأحقاد ما صَغَّرَ النج ... ح وأنحى عليه بالإزراء

ورجاءُ للنجح خير من النج ... ح فعش من طلابه في رخاء

إنَّ بَعْدَ الرجاءِ أَنْ تبلغ القص ... د ولا قصد بعد نيل الرجاء

ولقد ينكب النجاح أُناساً ... بالذي فاق نكبة للشقاء

والسعيد المحروم من أسلم الأط ... ماعَ طُرّاً لصرف حكم القضاء

ويود الذي تود له الأق ... دار يبغي فيها رخاء الرضاء

ذاك خُبْرٌ يغري الحكيم وإن شَقْ ... قَ فَيُلْفِي رخاءه في العزاء

ولقد يحبط الطَمُوحُ إذا زح ... زحه الهَمُّ عنه بالإعياء

وفُرُوضُ الحياة أخلق يالسع ... ي وأحجى من اقتعاد السماء

إنَّ أعلى من العلاء خليقاً ... بعلاء لا حائزاً للعلاء

والسعيد الحظيُّ من رُزِقَ الجدْ ... دَ وفي الجد مصرع الثؤباء هو طب الملال إنْ أعنت العي ... شُ وغالت غوائل البأساء

وسواء نُجْحٌ وفوتٌ إذا أح ... مدت ما في مسعاته من دواء

والشقي المحروم من لا يرى في ال ... عيش فرضاً ينأى به عن شقاء

ذاك من مات قلبه وهو حي ... وغدت نفسه كقفر خلاء

خاصمته النعماء في كل أمر ... وبدت فيه وحشة البيداء

خيبة المرء أن يمل مُنَاهُ ... لا تمادي الحرمان والإبطاء

ولعل الإبطاء في النجح أهنا ... وقصارى المبذول للإزراء

ويمُلُّ العطاءُ بعد أوان ... كعزوفٍ من طول بُعْدِ الغذاء

والذي لا يمل فرضاً مُعاداً ... كل يوم مُوَفَّقُ السعداء

لا ينال البعيدَ من لا يرى الأد ... نى سبيلاً يُدْنِي إلى البعداء

خطوة إثْرَ خطوة هكذا س ... نة عيشٍ وسنةُ في الجراء

وامتناع الطليب أهون من أنْ ... يندب المرء خيبة الأهواء

هو خطب أدهى من الفوت وقعاً ... وهو داءُ أشد من ذا الداء

كالذي يستطب بالخطب من خط ... ب ويُقْصِي الأدواء بالأدواء

ليس يُدْعَى الرضاء يأساً فكم را ... ضٍ وفي سعيه دبيب الرجاء

والذي يستدر نجحاً من الخي ... بة أحجى برفعةٍ وعلاء

فإذا ما نكصت في العيش فاعْلَم ... ليس في العيش موطن للنجاء

يُدْخِلُ المرء نفسه في الرزايا ... كي يُدَاوَى من رعدة الجبناء

مثلما أسمعوا الجيادَ صليلاً ... كي يهون الصليل في الهيجاء

صاحٍ ما العيش بالمُخَلَّدِ في الده ... ر فترتد ناكصاً للوراء

وإذا ما ارتخصتَ ما هو مبذو ... ل ويا رُبَّ مُرْخَصٍ مِنْ سخاء

فالهواء الحياةُ وهو مُذَالُ ... لو نأى كان مُنْيَةَ الأحياء

لا تَقلْ خيبة الرجاء سموم ... فالشقيُّ الشقيَّ بالأسماء

إنَّ بعض السموم منه دواء ... كدواء الرمداء بالظلماء

وإذا ما هممتَ بالخير لا تو ... لعْ بكسب الإجلال والإطراء ليس بين الإطراء والذم إلا ... كانطباق الجفون في الإغفاء

واللبيب العليم بالناس لا يغ ... تر بالمدح منهمُ والهجاء

غايظوا الراجح السعيد بمَنْ خا ... ب ولو فاز كان في البغضاء

يزعمون الخُيَّابّ أحجى بفوزٍ ... قد لواه القضاء ذو الأخطاء

زعموا الدهرَ يظلم الندب إذ يس ... مو بشأو اللئام والأدنياء

فإذا الندب نال شأوأً أَعَدُّوا ... ما أعدوا له من الإيذاء

ولعمري لو بُيِّنَ النقص والفض ... ل لكانوا في النقص كالشركاء

باتِّفَاقٍ أو باقتدار نجاح ... كان أو لم يكن لدى الفضلاء

ولو أن المفضولَ لم يُلْفِ نُجْحاً ... ضاعف الفَوْتُ غبنَ صرف القضاء

نابَهُ النقص من قضاء فإن خا ... ب فغبنٌ مضَاعَفٌ في الجزاء

ليس فوزُ الأباة قدرَ شقاء ... هزم الذل نخوةَ الأحياء

لا بل الفوز صحة واقتدار ... وببذلٍ للذخر أو للحياء

وبأَنْ تَطَّبى رضاء ذوي الجا ... هـ وأهل الجدود والأقوياء

وبإحباط من يكيد بكيد ... رب فوزٍ مستجلب بالدهاء

وبإطراء من ترى منه نفعاً ... وبإرضاء كل دانٍ ونائي

واحتذاءِ الحياة ترضي الذي تر ... ضاه من شيمة ومن سيماء

وَبِأَنْ لا تعاف كسباً ولا خُلْ ... قاً يداني من مَطْلبٍ ورجاء

فإذا عفت كان سعدك في الخي ... بة والنجح من صنوف الشقاء

رُبَّ قُوْتٍ للمرء منه سقام ... وهو في جسم آخرٍ كالدواء

وكذا النجح منه عِزٌّ ونعما ... ء ونجح يُلِمُّ بالبرحاء

عبد الرحمن شكري

القصص