مجلة الرسالة/العدد 12/في الأدب الشرقي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 12/في الأدب الشرقي

مجلة الرسالة - العدد 12
في الأدب الشرقي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 07 - 1933


من الأدب التركي الحديث

محمد بك عاكف

للدكتور عبد الوهاب عزام

لا أريد أن أعرف اليوم بصديقي عاكف بك، ومكانته بين شعراء الترك، وكيف استحق أن يسمى (شاعر الإسلام)، وعسى أن أعود إليه في مقال آخر حين يأذن لي تواضعه وحياؤه أن أكتب عنه، ولكني أعرض قطعة من الجزء الأول من ديوانه المسمى (الصفحات) عنوانها (سيفي بابا) أي (الأب سيفي) أو (عمنا سيفي) بلغة مصر.

ولست في حاجة إلى أن أبين للقارئ العزيز ما يفوته من جمال القطعة حين تترجم منثورة عاطلة من حلية النظم، ولا سيما نظم عارف بك المحكم السلس الذي يعمد إلى الموضوع الآنف. لم يألفه النظم ولم يَرُضه الشعراء فإذا هو ريّض مذلل موطأ للشعراء كأنهم درجوا عليه قرونا.

سيفي بابا

عدت البارحة إلى داري فقيل لي: (سيفي بابا) مريض طريح الفراش.

- ليت شعري ماذا به؟

- لا ندري. غير أن ابنه مرّ علينا مصبحاً فأخبرنا.

- ليتني كنت هنا. وا أسفاه. إليّ بالفانوس. أين عصاي؟ عجلي يا بنيتي. سأبيت هناك إن تأخرت فلا تنتظروا أوبتي. الطريق طويلة موحلة.

- لا بأس! لسنا وحدنا الليلة، فقد جاءت خالتكم.

العكّاز في يمناي، وفي اليسرى فانوس مكسور الزجاج تبص فيه شمعة، والمطر منهمر، والوحل إلى الحيازيم، ليس للسابل منجاة من الغرق، لولا أن أرواح الأحجار، أحجار البلاط التي دفنها البلى تنبعث أمامه فتدعوه إلى الاعتصام بها. ما زلت كالعقعق، أحجل من حجر إلى حجر، ممطراً شآبيبالرحمة على موتى الأحجار. لا تسل عمّا عانيت، ما جاوزنا الأحجار إلاّ لنسبح في البحيرات سبحا، كان فانوسي يعوم فينثر الشرر حوله. كنا وإياه زورقين يتباريان، لا أدري كم سبحنا ولكنا انتهينا إلى البر، فأخذ فانوسي يحس ما حوله قليلا قليلا، وكان الجهد قد بلغ مني مبلغه، ولكنه كان أشد تعبا، وكنت أرى عليه خمار الكد والنعاس، تارة يصطدم كالأعمى بجدار غير مطلي، وتارة تتساقط أشعته الميتة على قبر، وحينا ينطلق تحت سقف دار خربة، وحينا يتخطى معبدا دارسا، وطورا أراه يطوف في زوايا مقفرة مخوفة، ثم يعترض أفظع الرجال لقاء غير هياب.

وعارٍ تدثر في ثوب من حالك الليل، يأوي إلى طنف، هو والويل مضطجعا في مهاد من الرغام. تخاله نائما وكيف ينام؟

وجماعات من البؤساء، ضن عليهم بالبيوت الشقاء، وأوكار خرست أصداؤها، وبيوت خاوية على عروشها، وأسراب النساء أشتات مطلقات، وأشتات من أفراخ هذه الزيجات المبثوثة، وأكوام من القمامات جاثمة في الظلمات: أسرات هائمات في الأزقة تحمل بيوتها على ظهورها، وقاطع طريق بالليل وهو في وضح النهار سائل، وشريد، وشحاذ، ولص وقاتل.

مناظر هائلة كلما بصر بها الفانوس الأعمى أبى إلاّ أن يريني إياها ولست أدري لماذا.

شرب الفانوس من ماء المطر فقال (جز) لا فظاً آخر أنفاسه. فانقلبت أعمى يتحسس طريقه بالسمع واللمس، وما أشد هذا هولاً! وصارت العكازة لي عينا ويدا ورجلا، لا أكذب الله، لقد استشعر قلبي الفزع.

أشكر الله، هذه ثلاثة فوانيس تمر أمامي. فلو استقامت على الطريق غير معرجة فسرت في أثرها! ما حاجتي إليها. قد اهتديت الطريق. أقول (اهتديت الطريق) وقد بلغت غايتي فهذه دار صديقي القديم. أأرى ضوءً؟ إن لم يكن فلا ريب إنه قد هجع. لابد أن يكون في وسط الباب حبل في طرفه خشبة، فإذا وجدته فجذبته ففتحت الباب. أجل. ولكن الباب موجف أحسب أن خارجا قد خرج الآن. ما لي ولهذا؟ قذفت نفسي داخل الدار ونزعت الجرموق من رجلي وتقدمت ثم ملت ذات اليمين فإذا سلم ذا أربع مراق أو خمس شق عليّ الارتقاء فيه قليلا. وملت نحو اليسار، وعالجت الستر الغليظ البالي المنسدل على الباب فوقع في أذني صوت الصديق الفقير.

(أين كنت يا بني؟ ما تفقدتني قط. لك العذر، والذنب لي إذ لم أخبرك. أعرف أن عملك كثير وان دارنا بعيدة. هلم فأسترح قليلا فلا شك أنك قد جهدت. أوقدت جارتنا النار منذ قليل فإن تكن مقرورا فأنبش في الموقد، قلّب النار وأصطل)

كانت غبشة الحجرة موحشة، فقلت لو أضاء هذا الفانوس! وقدحت علبة من الثقاب حتى أمسكت آخر الأعواد فأدنيته من رأس الشمعة فهبط النور على عينها العمياء، كما تكحل العين بالميل. انفتح ستر الظلام قليلا فتجلى للعين مرأى البؤس العريان. فلو كنت شاعرا ما استطعت أن أصوره، فإنها فلاكة لا يدركها الخيال. زحف (سيفي بابا) إلى الموقد ناشرا على ركبتيه عباءة بالية.

قد أغلى جارنا الزيزفون منذ حين فلو وجدناه! لا تقم، أنا أبحث عنه.

(إن أصبناه شربنا منه فهو نافع. هذا هو ذا يا بني. لا تبحث لا تبحث)

ووقعت يدي على مغلاة بطينة فأخذت أغلي الماء وأسقيه قدحا بعد قدح، فاستبان الدم قليلا في وجه صاحبنا الهرم.

- خبرني ماذا كانت علتك؟ لعل زكاما أصابك فهذا شتاء قارس جدا.

- قطر الماء من سقف محمد أغا وصعدت إلى السطح لإصلاح القراميد فأصابني البرد منذ خمسة عشر يوما. قل: ما لك وللقراميد أيها الأحمق! أراني العام مشترك اللب، ولست أدري أهي الشيخوخة أم ماذا. ولكن هب أني لا أصعد إلى السطوح لإصلاح القراميد فمن لي بالخبز؟ أيحسن أن أقعد كالأعمى وأبسط يدي إلى كل لئيم؟ يا بني من لم يكدح من أجل الخبز في هذه الدنيا فهو عار الأصدقاء، وسخرية الأعداء. وإلاّ فالشيخ الذي جاوز الخمسة والسبعين ليس كفئا للعمل، وليس عليه إلاّ أن يفرغ للوضوء والصلاة. مرضت فلم أجد أحدا يمرضني. عثمان دائب ليل نهار يطلب عملا يقتات منه. ولست أدري متى تدرك يده القوت. نحن في الساعة الثالثة الآن وهو لم يعد. ما أفضع الوحدة! يمضي الأسبوع يا بني لا يسقط إليّ أحد. قد بلغت مني الوحدة هذه المرة ما لا أطيقه.

- سأعرقك وأثقل غطاءك هذه الليلة فإني أحسبك إن عرقت كثيرا تماثلت.

دع الشيخ يعرق ملففا في لحافه. . . رقدت على كليم بجانب الموقد وشرعت أتحسس النوم ولكن هيهات هيهات. . وكان التعب قد غلبني فأغفيت، فلما لاحت تباشير الصبح استيقظت فقلت ينبغي أن أنصرف، ولكن لابد أن أدخل السرور على هذا الشيخ المعدم. لم أجد في كيسي شيئا، لم أجد عشر بارات، لم أجد إلاّ خاتمي ذليلا منكسرا.