مجلة الرسالة/العدد 12/بنت فرعون تحب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 12/بنت فرعون تحب

مجلة الرسالة - العدد 12
بنت فرعون تحب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 07 - 1933


للأديب حسين شوقي

الأميرة (تتي) تعسة جدا لأنها تحب ولكن حبها مستحيل لأنه بشري. . يا للكفر! بنت الفراعنة، بنت الآلهة تحب رجلا فانيا؟ حقا إنه لخطب جلل! ماذا تفعل الأميرة في حيرتها واضطرابها الوجداني؟ ستطلع الملكة على سرها علّها تعينها في الخطب فهي أمها ذات الصدر الحنون، برغم ما يزعمه الناس في أن تلك الأم من منبت ربّاني، وبرغم ما يحيطونها به من مظاهر العبادة والتقديس. ذهبت الأميرة إلى الملكة فأطلعتها على جلية الأمر. . . فحزنت الملكة من أجل ذلك حزنا شديدا، لعلمها بأن أبنتها لن تحقق حلمها اللذيذ، وقد كان لها هي أيضا في صباها مثل هذا الحادث ولم يشفها منه إلا سيل من الدموع. . الملكة في حيرة من أمرها لأن حب تتي ليس حبا زائلا كما توهمت أول وهلة بل هو حب مرضي في درجته الثالثة. . والأميرة آخذة في الذبول، على أن شحوب وجهها قد زادها رونقا وجمالا،. . أتطلع الملكة بدورها فرعون على الأمر؟ كلا! لا فائدة من ذلك لأن فرعون ليس بشرياً وإنما هو إله عابس نحت قلبه من صوان نوبيا الأصم. . ولو عرف السر لقضى على العاشق وهو فتى إغريقي في جيشه. .

هدأت الملكة من روع (تتي)، ولكن من إذن يخرج الملكة من حيرتها؟ الكاهن الأكبر؟ أجل! هو صديقها وهو رجل قادر مهيب مقرّب كما يزعم الناس من الآلهة متصل بهم اتصالا وثيقا. . أطلعت الملكة الكاهن على السر، ولكن ماذا يعمل الكاهن! الكاهن يحك صلعته حيرة، لأن الحب كما يعلم شيطان متعب لا يعبأ بالرقي والتعاويذ، بل يسخر من الآلهة والناس على السواء!.

قال الكاهن بعد أن عصر قريحته: حسنا يا مولاتي سنقيم تمثالا لآمون الرب الأكبر في حجرة الأميرة عساه يطرد ذلك الجني الخبيث الذي اختبأ في قلب الفتاة. . ثم مرت الأيام والتمثال لا يأتي بمعجزة، إلاّ أنه زاد في زينة الحجرة لأنه كان جميل المنظر صنع كله من الذهب الخالص. . أمّا العاشق واسمه بالاس وهو من منبت إغريقي كما قدمنا فقد كاد يجن من هذه الخرافات، فضلا عن أنه كان يحب الأميرة حبا جمّا، تلك الفتاة التي كان يدعوها بحق: الظبية الأفريقية. .

ولكن ماذا يفعل بالاس في قوم يشركون الآلهة في كل شأن من شؤون الحياة؟ التقى بالاس ذات ليلة بالأميرة تحت شجرة الجميز الكبرى القائمة في إحدى زوايا القصر، حيث اعتاد الفتى والفتاة أن يتناجيا بلغة كوبيدون الشجية، كلما سنحت لهما الفرصة، فقال بالاس: أميرتي! هيا نهجر هذا البلد الذي حرّم الحب تحت سمائه، حيث يسعد القط والضفدع فيؤلهان ويقدسان، بينما يشقى البشر. . لنذهب إلى يونان الجميلة. . فأجابت تتي في حماسة: ما أعظم شوقي إلى رؤية وطنك المحبوب ذي الجبال الشاهقة التي يرتقى منها الناس إلى مقر الآلهة في الأولمب!!.

ولكن عادت تتي فقطبت حاجبيها قائلة: ولكني أخشى غضب الآلهة وسخطهم علينا يا بالاس! فصاح بالاس: كلا يا حبيبتي لا تخشي شيئا لأن الحب الذي يحرك قلبينا: ما هو الا هبة من نفس أولئك الآلهة. أعد بالاس بعد تلك المقابلة زورقاً وجهزه بالزاد لرحلة طويلة، وفي ليلة ظلماء حمل بالاس الأميرة إلى الزورق نازلا في النيل إلى البحر الأبيض، ولم ينس أن يحمل معه أيضا التمثال الذهبي الذي وضع في حجرة تتي لشفائها من الحب، ولما سألته الأميرة في دهشة عن سبب حمله للتمثال كذلك، أجابها مبتسما: هذا. . . مهرك يا حبيبتي!

كرمة بن هانئ. حسين شوقي