مجلة الرسالة/العدد 11/العلوم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 11/العلوم

مجلة الرسالة - العدد 11
العلوم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 06 - 1933


الرياح

للدكتور محمد عوض محمد

لعلنا معشر المصريين من أقل الأمم اكتراثاً لأمر الرياح، نعيش حياتنا

كأننا لا يهب علينا إلاّ نسيم عليل أو ريح رخاء، لا نستثني من هذا

غير شهر أمشير الذي ننعته بالأرعن. ولا يلبث أن يمضي أمشير حتى

نتناسى أن في العالم عواصف وزوابع وأعاصير منها ما يثير التراب

وما يقتلع الشجر ويهدم المنازل والدور

على أن هبوب الزوابع حتى في بلادنا - بلاد النعومة والسهولة ليس بالشيء النادر. وكثيرا ما نحس في أمشير وغير أمشير من الشهور تلك الحركة العنيفة في طبقات الهواء، وأنها لتهيب بنا فجأةً ونحن عنها لاهون، فإذا أبوابنا تقرع بعنف. ونوافذنا تكسر، وإذا سحب من العشير المطّار تتخذ سبيلها إلى أعيننا وآذاننا وأنوفنا المرغمة.

وهذه الزوابع قد تدوم ساعة وبعض ساعة أو يوماً أو بعض يوم، ثم لا يلبث الهواء أن يعود نسيماً ولا تلبث الريح أن تعود رخاء، ونحن قوم سريعو النسيان ووطننا العزيز سريع الغفران.

ومع ذلك فما أجدرناأن يزداد اهتمامنا بأمر الرياح، فإنها من الأمور التي تعنى بها طوائف عديدة من الناس في كل زمن وكل بلد. فالشعراء مثلاً من أكثر الناس اهتماماً بالرياح. طالما ذكروها ونعتوها، وحملوها رسائل الغرام بل قد تبلغ بالواحد منهم الجرأة أن يحملها القبلات والآهات والأنات:

وإني لأستهدي الرياح سلامكم ... إذا أقبلت من نحوكم بهبوب،

وأسألها حمل السلام إليكم ... فإنْ هي يوماً بلغت فأجيبي!

وطالما أثارت شجونهم، وبعثت الحنين في نفوسهم والدمع في مآقيهم وما أسهل انهمال دموع الشعراء!

وكأني بك أيها القارئ تتوهم أن هذا كله ليس بأمر ذي خطر بل قد ترى أنه من السخف أ دونه السخف، وقد تكون في هذا مصيباً. ولكن إذا كانت نظرة الشعراء إلى الرياح خفيفة سخيفة فإن نظرات الملاحين إلى الرياح نظرات حادّة جادّة.

وليس من سبيل لإنكار ما للرياح من أياد بيضاء يوم كانت هي القوة الفعالة التي تدفع السفن على أديم الماء. فعلَّمت الناس أن يتعارفوا وأن يتعاملوا ويتعاونوا. وهدتهم لأن يتاجر بعضهم مع بعض وكيف يستطيعون. . ويا للأسف، أن يسطو بعضهم على بعض ويفتك بعضهم ببعض؟.

كانت الرياح هي الوسيلة الوحيدة إلى قطع البحار والتقريب بين البعداء.

ولئن كانت البواخر في غنى عن الرياح فإنها لم تزل تخشاها وترهبها، فإن الرياح ما برحت قادرة على إثارة موج كالجبال ترتعد لها فرائص الرّكب. ويرتاع له الملاّحون.

وهناك سفن جديدة لا تجري على صفحة الماء بل تشق عباب الهواء وتحلق فيه تحليق العقاب. وهذه تخشى الرياح وتحسب لها ألف حساب فلئن كانت دولة الرياح قد دالت على صفحات الماء فإن لها في عالم الطيران سلطاناً لا يزال في أشد عنفوانه.

ثم أن هنالك طائفة من الناس أشد خطراً من هؤلاء جميعاً أو على الأقل تعد نفسها أعظم خطراً من الناس جميعا - وهي طائفة العلماء، علماء الطبيعة الذين يدرسون ظاهراتها، ويحاولون أن يطلعوا على أسرارها. هؤلاء يهمهم أمر الرياح كما يهمهم كل شيء على وجه الأرض وعلى غير وجه الأرض، وهم ينعتونها ولكن لا على طريقة الشعراء فلا يحملونها سلاماً ولا كلاماً بل يقيسون سرعتها بإحكام ويعرفون اتجاهها بدقة ويشرحون لك ما يسببها وما لا يسببها ويعززون أقوالهم بأرقام ورموز يوهمونك بها أن في الأمر أسراراً غامضة وأن صدورهم هي خزانة تلك الأسرار.

والآن فلنتحدث عن الرياح حديث العلم أولاً ثم نعود فنتحدث عنها حديث الأدب وهكذا نقدم للقارئ الغذاء الدسم في البداية تاركين الحلوى إلى النهاية.

فلنذكر أولاً أن هذه الكرة التي تزحف كلنا على سطحها يحيط بها غلاف عظيم من الهواء: غلاف لم يسبر أحد غوره تماماً وقد يكون عمقه مائة ميل وقد يكون مائتين، بل قد يكون أكثر من هذا. وان سألت العلماء كيف عرفوا عمق الهواء ولو على وجه التقريب قالوا لك انهم يرقبون سقوط الشهب حين تندفع نحو كوكبنا العزيز، فإذا رأوها تأخذ في الاحتراق، علموا إنها قد بدأت تحتك بهوائنا فإذ استعانوا بآلات راصدة سليمة لم يتسرب إليها الخلل وكان عقل الراصد سليماً لم يتسرب إليه الخلل استطاعوا أن يعرفوا على وجه التقريب درجة ارتفاع الهواء عن أديم الغبراء.

وهنالك طرق أخرى يقاس بها عمق الفضاء ولكن لن أتعب نفسي وأجهد القارئ في شرحها وتفهمها. وقد يتفضل بعض الأصدقاء (من العلماء) بالرد على هذا المقال؛ ثم يتوسع في الشرح والبيان بما يشفي غلة الظمآن.

علمنا إذن أن هذا الكوكب يشمله الهواء من جميع النواحي. ولحكمة إلهية عظيمة قد أحيطت الأرض بهذا الغطاء الكثيف الذي يحول دون أن تنفذ إلى الفضاء رائحة ما بالأرض من أدران وآثام. وما يغشاها من بغي وظلم. . فلنحمد العناية التي عملت على وقايتنا شر الفضيحة، فلم تطلع سكان السماوات على ما انغمست فيها أرضنا من إثم ورجس وفسوق وعدوان.

هذا الغلاف العظيم الذي يحيط بالأرض ليس هادئا ساكناً بل فيه حركة دائمة. وهذه الحركة هي التي نحسها حين نحس بهبوب الرياح. وأول سؤال يعرض لنا طبعاً هو: لماذا يتحرك الهواء ولماذا تهب الرياح؟

إن الشاعر العربي يتساءل: (أم هبت الريح من تلقاء كاظمة؟) ويريد هو واتباعه من الغاوين أن يوهموا العالم إن الريح ما هبت من تلقاء كاظمة إلا لكي يستطيع حضرته إن يمزج دمعاً جرى من مقلة بدم! ونحن نؤكد للشاعر الفاضل إن الريح لا يهمها إذا كان يمزج دمعه بدم أو يمزج الماء بالراح أو الوسكي بالصودا. . وإذا كانت الريح قد هبت من تلقاء كاظمة، فما ذلك إلا لأن الضغط الجوي شديد (عال) في جهة كاظمة وخفيف يسير (منخفض) في الناحية التي كان بها الشاعر.

ولقد يقف القارئ عند كلمة الضغط هذه ويتساءل (وحق له أن يتساءل) كيف يكون في الجو ضغط شديد أو غير شديد؟ إنّا نسلم بان في الأرض ضغطا وظلما واستبدادا يتفاوت من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ولكن أيكون في الهواء ضغط وهو تلك المادة اللطيفة؟

والجواب على هذا السؤال بالإيجاب. فان الهواء في بعض النواحي شديد الضغط ونواح أخرى خفيف الضغط، فيدفع الهواء من الناحية التي يشتد بها الضغط إلى الناحية التي يخف بها الضغط منحرفاً في سيره إلى اليمين قليلاً في نصف الكرة الشمالي وإلى اليسار في نصف الكرة الجنوبي.

وهكذا تحدث الرياح وكلما كان الفرق بين الضغطين كبيراً ازدادت الرياح شدة وقوة. فيكون الاختلاف بين الرياح: فمن نسيم عليل إلى إعصار عنيف.

ثم يعرض لنا سؤال آخر نحاول أن نفر منه فلا نستطيع إلى الخلاص منه سبيلا. ذلك إننا وان سلمنا بان الرياح انتقال الهواء من جهة ذات ضغط شديد (عال) إلى جهة ذات ضغط خفيف (منخفض)، فأننا لابد أن نتساءل لم كل هذا الاختلاف في الضغط؟ ألا يمكن تطبيق مبدأ المساواة المجيد ولو في الهواء، مع العلم بأن المساواة في الظلم عدل؟

هنالك لابد لنا أن نقرر والحزن يملأ قلوبنا إن ليس في العلم (ويا للأسف!) مساواة. انظر حيثما شئت تجد التباين والاختلاف! انظر إلى البحار تجد منها العميق الذي لا يسير له غور والضحل القريب المنال. والأنهار منها الضعيف القليل الماء ومنها المفعم السريع الجريان. ثم انظر إلى اليبس تر فيه جبالاً شاهقة قد رفعت رأسها فوق السحاب وفي ناحية أخرى ترى سهولاً مبسوطة وأودية وطيئة.

إذن فلا عجب إذا اختلف ضغط الهواء على وجه الأرض وأسباب هذا الاختلاف كثيرة، وأهمها من غير شك اختلاف حرارةالأقاليم، فحيث الحرارة الشديدة يتمدد الهواء ويخف وزنه وضغطه ويحاول الصعود إلى أعلى فيندفع الهواء من جهات حرارتها أقل من حرارة تلك الأقاليم ليحل محل الهواء المتمدد الصاعد ويسد الثغرة التي أوشكت أن تحدث. وإذا كنا نحن في مصر نحسّ رياحا آتية من الشمال ذاهبة نحو الجنوب (نحو خط الاستواء) مارة ببلادنا العزيزة فتنعشها وتبردها ومن اجلها أحببنا لمنازلنا أن تطل على الشمال. فان هذه الرياح هي من ذلك النوع وهي الرياح التجارية بالذات - تمر بنا وهي ذاهبة إلى الأقاليم الحارة لكي تحل محل ذلك الهواء الخفيف المتصاعد في تلك الأقاليم.

هذا بعض السبب في اختلاف ضغط الهواء من مكان إلى مكان. وهنالك أسباب أخرى مثل دوران الأرض وتوزيع الماء واليابس وغير ذلك من أمور لا نريد أن نطيل شرحها خوفاً من أن ينقلب هذا الحديث إلى درس من دروس الجغرافية.

بقيت ملاحظة لابد منها وهي أن المصريين وعلى الخصوص الطبقة المثقفة منهم قلما يلاحظون الرياح وهبوبها واتجاهها. فقد يختلف اتجاه الرياح في اليوم الواحد من أيام الخماسين مرتين أو ثلاثا فلا تنتبه إلى هذا التغيير في اتجاه الريح. وأقصى ما نلاحظ أن الهواء حار أو شديد. وانه قد انقلب فصار هادئا بارداً.

وان المرء لتأخذه الدهشة حين يقارن هذه الحال بما كان عليه العرب من دقة الملاحظة لهذه الظاهرة الطبيعية وكيف استطاعوا أن يميزوا شكولها وضروبها فراقبوا اتجاهاتها المختلفة وأطلقوا على كل ريح اسماً يدل عليها. ثم لاحظوا ما بها من قوة وضعف وجعلوا لكل اسمه، وكذلك ميزوا الرطب منها والبارد والحار وما إلى ذلك.

ولئن كان العلماء اليوم يرقبون اتجاه الرياح ويقيسون سرعتها وشدتها ودرجة حرارتها مستعينين بآلات دقيقة فان العرب قد سجلوا هذا كله من غير استعانة بآلات. فمن حيث اتجاه الرياح نرى العرب قد ميزوا بين الرياح التي تهب من الشمال والجنوب والشرق والغرب، ورياح الشرق هي التي سموها الصبا ويقابلها من الغرب الدبور. وكانت الريح أحيانا تهب منحرفة عن الجهات الأربع الأصلية فكان العرب يدعونها عند ذلك بالنكباء.

ثم أرادوا أن يميزوا بين الرياح الضعيفة المريضة والقوية العنيفة فأكثرها هدوءاً النسيم التي تهب بنفس ضعيف ثم الرخاء السهلة ثم الحنون التي لها مثل حنين الإبل ثم تليها الرياح الشديدة فالبارح التي تهز الأشجار.

وتأخذه عند المكارم هزة ... كما اهتز تحت البارح الغُصن الرطب

ثم الهوجاء التي تجر وراءها ذيلاً من التراب ثم الزعزع ثم العاصفة، ثم الحاصب وهي التي تقشر الحصا من وجه الأرض (وأرسلنا عليهم حاصبا).

وكذلك ذكر العرب أنواعا خاصة من الرياح فالزوبعة هي التي تدور في الأرض دون ان تقصد وجهاً واحداً. والإعصار ريح تدور بقوة وتنعكس من الأرض إلى السماء. وهكذا تجد في العربية كثيراً من الدقة في التمييز بين الرياح القوية والضعيفة. أما ملاحظتهم للرياح الحارة والباردة فلا تقل عن هذا دقة. فالريح البليل هي المنعشة ذات الندى التي ليست بالحارة ولا بالقارسة وكذلك الصراد أبرد منها قليلا. أما الرياح الشديدة البرودة فهي العريّة التي تهب عادة من الشمال: وأنت على الأدنى شمال عَريَّة ... تذاب منها مرسغ ومسيل

ثم الريح الصرصر والحرجف والالوب.

أما الرياح الحارة فمن أسمائها الحرور والسموم والسعار وهذه الأخيرة اشدها حراً وسعيرا.

وليست هذه الأسماء كل ما ورد ذكره في كلام العرب عن الرياح بل أن هنالك أسماء أخرى عديدة. وما ذكرنا الذي أوردناه هنا إلا لكي يرى القارئ مبلغ دقة العربي في ملاحظة الظاهرات الطبيعية، وليس بين كل هذه الأسماء ما هو مترادف. بل لكل منها معناه الخاص الدقيق.

وبالطبع قد أكثر شعراء العرب من ذكر الرياح وبوجه خاص اكثروا من ذكر الصبا. وأهل الحجاز يدعونها صبا نجدٍ لأنها تهب عليهم من تلك الناحية.

وهي ريح لطيفة جافة ليست بالحارة ولا بالباردة. وأظن الإكثار من ذكرها في الأشعار يرجع إلى عذوبة اسمها اكثر مما يرجع إلى عذوبة المسمى. أو لعل شعراء نجد هم الذين أكثروا من ذكرها إذ كانوا يفدون إلى الحجاز ليتاجروا بما لديهم من تمر وسمن ووبر ثم تهيج الصبا شوقهم إلى أوطانهم فيصيح شاعرهم:

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد؟ ... لقد زادني مسراك وجداً على وجد

فالأصل في التغني بريح الصبا أن يكون صادرا عن النجدي وهو في الحجاز ثم يقوم الآخرون بالتقليد.

وهنالك نظرية أخرى لا تقل طرافة عن هذه، وهي إن الوفود إذا أقبلت على مكة فان الفتى الحجازي قد يهيم بغانية من بنات نجد لا تلبث أن تعود بعد الحج إلى وطنها العزيز ويطير قلبه وراءها شعاعا. ولا يزال بعدها تهيجه روح الصبا وتشوقه.

أما بشار بن برد فزعم انه تستهويه الجنوب على إنها عادة رياح حارة شديدة الحرارة وللناس فيما يعشقون مذاهب!

هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت ... وأهوى لقلب أن تهب جنوب

وما ذاك إلاّ أنها حين تنتهي ... تناهى وفيها من عبيدة طيب.

ويعجبني في هذين البيتين مطابقتهما في المعنى لبيتين قالهما بعد بشار بألف سنة الشاعر الاسكتلندي الرقيق روبرت برنز. وهما قوله: وتعريب البيتين:

من بين الرياح التي تهب من مختلف الجهات

أحب حباً شديداً رياح الغرب

لأن هنالك تعيش الغادة الحسناء

الغادة التي أحبها أكثر من كل شيء

وهذا من أبدع الأمثلة التي يمكن أن تذكر في توارد الخواطر.

ولابد أن نختم الآن هذا المقال لان حديث الشعراء كحديث العفاريت إذا فتحته فمن الصعب أن تسده.