مجلة الرسالة/العدد 106/النهضة التركية الأخيرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 106/النهضة التركية الأخيرة

مجلة الرسالة - العدد 106
النهضة التركية الأخيرة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 07 - 1935

4 - النهضة التركية الأخيرة

للدكتور عبد الوهاب عزام

الحروف اللاتينية

أنتشر الإسلام بين الأمم فدخل الناس في الاخوة الإسلامية وصاروا أمة واحدة، واتخذوا اللغة العربية لسان الدين والعلم، لا يكتبون غيرها

ولما حيت لغاتهم على مرّ الزمان بجانب العربية كتبوها بالخط العربي الذي ألفوه، وترك من كان ذا كتاب منهم كتابته الأولى. ولم يخسروا في هذا شيئاً إذ كانت الكتابة العربية على علاتها أوضح وايسر مما كان عندهم

- 1 -

كان الفرس يكتبون بالخط الفهلوي، وهو مشتق من الخط الآرامي القديم، والخط الفهلوي مبهم مشكل. قال الأستاذ براون إنه يصدق فيه ما قاله أحد الفرنسيين عن الخطابة إنها فن إخفاء الأفكار، يعني أنه خط يخفي الألفاظ. ذلك بما تشابهت حروفه، وبما اشتركت الأصوات المختلفة في بعض الحروف. وقد أدى هذا اللبس إلى ما لم يعهده التاريخ في لغة أخرى. كان الكتاب يكتبون كلمة آرامية مكان كلمة فارسية خوفاً من اللبس، فإذا قرأوا نطقوا بالكلمة الفارسية غير المكتوبة، وتركوا الآرامية المكتوبة. روي عن ابن المقفع أنه قال: إن في اللغة الفهلوية ألف كلمة تقرأ ولا تكتب. ورى ابن النديم في الفهرست من أمثلة هذا أنهم كانوا يكتبون كلمة (بسرا) الآرامية ويقرءون كوشت (لحم) بالفارسية، ويكتبون (لهما) الآرامية ويقرأون نان (خبز) بالفارسية

ولم تكن الألفاظ الآرامية مقصورة على ما يستعار من لغة إلى أخرى من الأسماء، بل كان فيها أفعال وضمائر وإشارات. وكانوا يلحقون بالكلمات الآرامية خواتم فارسية الخ، ومن أجل صعوبة الخط الفهلوي ندر القارئون في ذلك العهد

فكان خيراً للفرس أن كتبوا لغتهم بالحروف العربية لهذا، وللأخوة العامة التي أدخلهم الإسلام بها حين مدّ ظله على الأمم وأراد أن يمحو الفروق بين بنى آدم

- 2 - وأما الترك فكان أكثرهم قبائل أمية لا تعرف قراءة ولا كتابة، وتسربت إلى طوائف منهم كتابات الأمم المجاورة. كتبت بعض الأسماء والألقاب التركية بالهيروغليفية الصينية في القرنين السابع والثامن بعد الميلاد. ولما أريد تنصير الترك النازلين على بحر الخزر في القرن السادس ترجم لهم الكتاب المقدس، وكتب بالحروف اليونانية. وكذلك كتبت التركية بالحروف اليونانية في جهات الطونة، وكذلك كتبت التركية بالعبرية، والنسطورية، والهندية، والسلافية، والأرمنية الخ الخ

وقد أثر عن جماعات من الترك ضربان من الكتابة يمكن أن يعدا كتابة تركية. وهما الخط الأورخوني الذي دلت عليه الآثار التي عثر عليها حوالي نهر أورخون في سيبريا، والخط الأويغوري. والأول كتبت به تركيا الشمال، وبالثاني كتبت تركية الجنوب

فأما الخط الأورخوني فيرى أكثر العلماء أنه مشتق من الخط الآرامي القديم. وقد كتب به فئات من الترك من القرن الرابع الميلادي إلى القرن الثامن. وهو مؤلف من ثمانية وثلاثين حرفاً، أربعة منها حروف حركة، وثلاثة منها مركبة. ويوصل به غالباً كلمتان أو ثلاث معاً. وأحيانا يستغني بالحرف من الكلمة فتكتب (ت) للدلالة على آت (فرَس) و (ز) للدلالة على آز (قليل) وهكذا. ولا ريب أن هذا الخط لا يقاس بالخط العربي وضوحاً ويسراً وكمالاً

وأما الخط الأويغوري وهو أحدث الخطين، وأطولهما عهداً، وأوسعهما انتشارا، فيظن أنه حل محل الخط الأول منذ القرن الثامن الميلادي. كتبت به أول الأمر ترجمة الكتب البوذية، وبقى بين الأويغوريين وغيرهم من الترك، بعد أن دخلوا في الإسلام فكتبت به الدولة الخاقانية في كشغر (320 - 609هـ) والدولة الجنكيزية، والايلخانية (654 - 744) ودولة آلتون أوردو في قفجاق (621 - 907). وكتبت به بعض الكتب الإسلامية حتى القرن العاشر الهجري. وهذا الخط مشتق من الخط الصْغدي والصغْدي مأخوذ من الآرامية أيضاً، وهو أربعة عشر حرفاً يدل بعضها على أصوات مختلفة. وهو من اللبس والعسر بحيث لا يقاس بالخط العربي أيضاً

فكان من نعم الإسلام أن بدل بهذين الخطين الخط العربي الذي صار خط الأمم الإسلامية جمعاء. ثم الآثار القليلة التي أثرت في الخطين الأورخوني والأويغوري في بقاع ضيقة، وموضوعات تافهة لا تقاس بما كتب باللغة التركية والحروف العربية في العهد الإسلامي إذ أفاد الترك من الحضارة الإسلامية، ودخلوا في جماعة المسلمين، وتمكن سلطانهم بينهم

- 3 -

والتركية العثمانية التي اختيرت لها الحروف اللاتينية أخيراً لم تعرف في تاريخها غير الحروف العربية، ولم تدوّن إلا في ظل الحضارة الإسلامية بعد سبعة قرون من الهجرة

دخل السلاجقة في الإسلام ثم أقاموا دولتهم في القرن الرابع وفتحوا بغداد سنة 447، وامتد سلطانهم على آسيا الغربية من أفغانستان إلى البحر المتوسط. ثم تقسم الخلف ميراث السلف فكان من الدول السلجوقية المتعددة دولة سلاجقة الروم وهي التي نشأت في الأناطول وما يصاقبه

وكان الأدب الفارسي في القرن الخامس قد أزدهر بجانب الأدب العربي، فأخذ السلاجقة حضارة الإسلام باللغتين العربية والفارسية. فكانت العربية لغة العلم عند سلاجقة الروم والفارسية لغة الدواوين. وكان الأدب التركي مقصوراً على العامة، غير مدوّن

ولما نشأت إمارة قرمان بعد منتصف القرن السابع صارت التركية أول مرة لغة الدواوين وكتبت بالحروف العربية

وقد اشتملت هذه التركية المكتوبة على كثير من الكلمات العربية والفارسية

- 4 -

وكانت الكتابة التركية في عهدها الأول تقارب الأسلوب العربي لا تكتب فيها حروف الحركة إلا قليلاً. ثم أثبتت حروف العلة والهاء للدلالة على الحركات دون تعميم. ثم انتهى الأمر في العصر الأخير إلى أن كتبت حروف الحركة في كل كلمة فصارت الكتابة التركية كالكتابة اللاتينية: كل حرف صحيح يليه حرف معتل للدلالة على الحركة

فإذا قرأنا مثلاً في ديوان سلطان ولد ابن مولانا جلال الدين الرومي وهو أول ناظم بالتركية العثمانية نجد رسم الكلمات الآتية على هذا النسق: أل (هذا) كُررُ (يرى) بقمز (لا ينظر) كنش (الشمس) ألرُ (يكون) أيقدا (في النوم) أجَر (يطير)، فإذا قرأنا في كتب المتأخرين وجدنا الرسم قد تغير على هذا النسق: أول، كورووو، باقماز، كونش، أولور، أويقوده، أوجار

وإذا قرأنا في الكتب التي كتبت قبل ثلاثين سنة لا نجد حروف الحركة مثبتة في كل مقطع. فإذا نظرنا في الكتب التي كتبت من بعد وجدنا اطرد حروف الحركات في مقاطع الكلمة. كانت الكلمات الآتية ترسم كما ترى:

تميز (نظيف) آرقداش (أخ) كنيش (واسع) دها (أيضاً) كبى (مثل) قدر (مقدار) دكل (ليس) درين (عميق) كوزل (ظريف)

فصارت بعد كما يأتي:

ته ميز (الهاء علامة الفتحة الخفيفة) أرقاداش، كهنيش داها، كيبى، قادار، ده كيل، ده رين، كوزه ل

وكان يسع الكماليين أن يسيروا على هذه السيرة واصلين حديثهم بقديمهم مبقين على ما دوّن أسلافهم، ولكنهم آثروا، إنفاذا لخطتهم، أن ينبذوا الحروف العربية، وهي الحروف التي يكتب بها مسلمو العالم كافة، ولفقوا هجاء من الألمانية والفرنسية والإيطالية فبلغوا الكمال المطلوب ولحقوا بالسادة الأوروبيين. ولست أقول ما قاله أحد كبراء الفرس لأديب تركي يناظره في الحروف اللاتينية: (إنكم معشر الترك ليس لكم من آدابكم ما تفخرون به فآثرتم أن تسدلوا عليها ستراً من الحروف اللاتينية ولكن لنا من آدابنا ما نفخر به ونحرص على قراءته في كل جيل فلسنا نريد أن نغير كتابتنا). لست أقول هذا ففي الأدب التركي القديم ما هو جدير بالرعاية، وقد أفتن الترك في تجويد الخط حتى صاروا أئمة فيه وصار لهم من آياته ما يجدر بكل أمة أن تحرص عليه

مسألة الحروف اللاتينية ليست فيما أرى ضرورة أو إصلاحاً ولكنها فتنة من فتن تقليد أوربا التي ضربت الشرق عامة والمسلمين خاصة بالذلة والهوان، وقد بلغ الأمر أن يرى بعض الناس أن تكتب اللغة العربية أيضاً بالحروف اللاتينية، فإذا قلت لهم فما تصنعون بأحد عشر حرفاً من الهجاء العربي ليست في الحروف اللاتينية؟ قالوا نضع لها حروف لاتينية بالتركيب أو النقط. فياسبّة الأمم، وعار الأجيال، وموتى النفوس، لماذا تجعلون من أنفسكم واظعين مخترعين في حروف اللاتينية، ولا تكملون ما في حروفكم من نقص، وتصلحون ما بها من عيب؟ جرى الجدال بيني وبين واحد منهم فكان منه الحوار الآتي: قلت: كيف تكتب، خاشعاً وخاضعاً، بالحروف اللاتينية؟

قال هكذا: , و , فأركب للدلالة على الخاء، وللشين واضع مدا على وأدل على العين بالحرف مفصولاً عما قبله بشولة كما يفعل المستشرقون

قلت فلماذا كل هذا العناء؟ لقد اضطررت أن تنقط وتشكل في الحروف اللاتينية، أترى هذا أيسر وأبين من خاشع وخاضع، قال: لا، ولكن الكلمتين بالخط العربي خاليتان من حروف الحركة

قلت: فضع كسرة تحت الشين والضاد. وهذا حسبك، بل لست في حاجة إلى هذه الكسرة فوزن الكلمة يعين حركتها. قال هذا صحيح في هذا المثال، فما بال الكلمات الأخرى. قلت: صدقت فهلم نتناول الموضوع على عمومه

- ماذا تنقمون من الكتابة العربية؟

- ننقم منها أنها كتابة لا تبين عن الألفاظ، فهذه الصورة (حسن) تقرأ حَسَن، وحُسْن، وحَسُن، وحَسّن، وحُسّن. . . . الخ

- قد كانت كتابتنا أول عهدها غير معجمة ولا مشكوله، مثلاً كانت الجيم والحاء والخاء ترسم بصورة واحدة فأعجم السلف الحروف فامتاز بعضها من بعض، ثم وجدوا الحرف الواحد في اكثر حالاته مبهم الحركة، فشكلوا الحروف فتعينت الحركات، واستبانت الألفاظ، وكان للحروف صور غير صورها الحاضرة، مازال بها الأختراع، والتجميل والتجويد حتى بلغت جمالها الحاضر، وتعددت الخطوط، وجعل لكل مقصد ضرب يواتيه، فكان خط الثلث والنسخ والرقعة وغيرها. فان كنتم يا رجال القرن العشرين أحياء قادرين على الإبداع، أباة آنفين من المحاكاة، وإن تكن عقولكم غير سقيمة، وقرائحكم غير عمقية، فانظروا في كتابتكم، فان رأيتم عيباً فأصلحوه، وأن آنستم نقصاً فأكملوه، ولا تكونوا في عصور العلم ضلالاً، وفي نور القرن العشرين ظلالاً، أدخلوا في الكتابة حروف الحركة إن شئتم، أو افعلوا غير ذلك إن استحسنتم، فأما أن تقولوا كتبت أوربا فنكتب مثلها فذلك ضلال العقول، وهوان النفوس، والموت الذي لا يستره باطن الأرض

ثم تنسى يا أخي أن اللغة العربية لغة أوزان وصيغ، فليست كل كلمتها في حاجة إلى الشكل، ولو أتسع المجال لأبنت لك أن الكاتب العربي يستطيع أن يكتب سطوراً لا يحتاج فيها إلا إلى شكلات قليلة، وقد ضربت مثلاً من هذا في مقدمة الشاهنامه

- هب ما قلت صواباً، فماذا ترى في شكاوي أصحاب المطابع من كثرة صور الحروف العربية: للحرف صورة في أول الكلمة وأخرى في وسطها وثالثة في آخرها، على حين لا يرى الطابع الأوربي أمامه للحرف إلا صورة واحدة

- بل صورتين صغيرة وكبيرة

- أجل وهذه ميزة أخرى للحروف اللاتينية

- هذه الشكاوى هي شكاوى أصحاب المال من كثرة العمال؛ كل صاحب مطبعة يود أن يديرها عامل واحد، ليأخذ كثيراً ويعطي قليلاً، وأما القارئ فسيان عنده أن يكون الذين هيأوا الجريدة خمسة عمال أو مائة، ثم أخبرني: ما الذي جعل للحروف اللاتينية هذه الميزة؟

- صور هذه الحروف، ثم فصل بعضها عن بعض

- قد كانت الحروف اللاتينية كلها موصولة ولا تزال توصل في كتابة اليد، فلما كانت المطابع أستحسن الأوربيون أن يفصلوا بعضها من بعض، فما الذي يمنعكم أيها المقلدون أن تفصلوا حروفكم فلا يكون للحرف في المطبعة إلا صورة واحدة؟

- هذا يبدوا لي صواباً ولكنه عجيب غريب

- أعجب منه أن نفكر في كتابة لغتنا بالحروف اللاتينية. قد هانت علينا نفوسنا حتى صار التقليد يسيراً قريباً، والاختراع مهما قل عجيباً غريباً

- لا تنسى أن العلوم والمخترعات قربت بين الأمم وطوت المسافات بين أطراف الأرض. والأمم صائرة إلى التوحّد فلماذا لا تكتب لغات الأمم كلها بالحروف اللاتينية؟

- أجل قربت العلوم والمخترعات بين الأمم، ولكن أوربا لا تعرف الأخوة بين الناس، ولا تزال تفرق بينهم بأتفه الأشياء وهي الألوان. والتوحيد الذي تريده أوربا أن تكون هي آكلة ونحن مأكولين. وهذا حديث يضيق عنه مقامنا الآن. وبعد فلماذا يكون توحيد الكتابة بالحروف اللاتينية ولا يكون بالحروف العربية؟ أن أردت أن تمتحن صدق الداعين إلى التوحيد فادعهم إلى استعمال الحروف العربية فستبلغ بهم الكبرياء والازدراء والسخرية والعجب ألا يجيبوك بكلمة. ولن يكون ذلك لما عرفوا من فضل حروفهم على حروفنا، بل لأن هذه حروفهم وتلك حروفنا. وسيشترك في السخرية من لم ير الحروف العربية قط. ثم هل اتفق الأوربيون على الكتابة بحروف واحدة؟ وهل استعملوا الحروف التي اتفقوا عليها بأسلوب واحد؟ أذكر أنه منذ ثلاث سنين جاء إلى أستاذ كبير في الجامعة المصرية كتاب من جماعة في أوربا يدعونه إلى العمل معهم على تعميم الحروف اللاتينية في العالم، فسألني رأيي فيما يجيبهم به فقلت إن كان لابد أن تجيب فاكتب إليهم أن ابدأوا بكتاباتكم فوحدوها فإذا صار الروسي واليوناني والألماني والفرنسي والإنكليزي والأسباني الخ يكتبون بحروف واحدة، وأجمعوا في كتابة هذه الحروف على نمط واحد فاكتبوا إلينا لنفكر في الأمر

وبعد، فاللغات يا أخي مهما أحكمت كتابتها، لا تؤخذ من الكتب وحدها بل لابد لها من التلقين. تعرف الكلمة بالسماع ثم تدل الكتابة عليها دلالة تامة أو ناقصة. وكثيراً ما تكون الحروف كالرموز أو العلامات يلمحها الإنسان فيعرف ما وراءها من لفظ قبل أن يكمل قراءتها، ويدرك اللفظ من صورة الحروف مجتمعة بل كأنه يفهم المعاني من النقوش دون توسط الألفاظ. وإذا أسرع القارئ سلط عينية على المكتوب وقصّر لسانه عن مجاراة عينية، ثم يا أخي هل بلغت الحروف اللاتينية التي فتنتم بها درجة الكمال، وبرئت من العيوب؟ ألست ترى الصوت الواحد تدل عليه حروف عدة فصوت الكاف تدل عليه , , والحرف الواحد يدل على أصوات مختلفة فالحرف يلفظ مرة ك وأخرى س، ويكون حيناً س وحيناً ز وهلم جرا

والكتابة الفرنسية، وهي أدق الكتابات الأوربية، فيها عيوب كثيرة فاللفظ الواحد أو الألفاظ المتحدة في الصوت تكتب بصورة مختلفة مثل و , و , و , و , و ' , فالصوت وحده لا يدل على رسم الكلمة. وكم في الفرنسية من حروف تكتب ولا تلفظ أحياناً كما ترى في الكلمات السابقة

وأنت تعرف الكتابة الإنكليزية، ودلالتها على الألفاظ بالجملة لا التفصيل، وكم من حرف فيها يلفظ ولا يكتب وآخر يكتب ولا يلفظ وحسبك مثل و , ولو قرأ قارئ الكلمات الإنكليزية كما تدل عليها حروفها ما فهم عنه أحد، وقل أن تسأل رجلاً أو صبياً إنكليزيا عن أسمه أو أسم الشارع إلا أتبع الاسم بهجائه علماً بأن الصوت لا يدل على الحروف والإمبراطورية الإنكليزية، مع هذا، لم تضمحل بهذه الكتابة، والأساطيل البريطانية لم تصطدم بهذه الحروف وما رأيت مصرياً من العيابين الطعّانين في الحروف العربية جرؤ مرة على عيب الإملاء الإنكليزي أو تنبه إلى عيوبه. وذلك بأن الحروف العربية لا تحميها إمبراطورية ولا أساطيل، نعوذ بالله من ضعف الهمم، وذل الأمم

وإن للحروف العربية لمزايا عظيمة فهي أيسر كتابة. لا تملى على صبىّ كلمة فيخطئ كتابتها إلا الكلمات المهموزة. وهي كذلك أخصر رسماً يستطيع كاتبها أن يساير خطيباً أو مدرساً فيكتب كل ما يقول، وهي في جملتها أوضح من كتابة اليد في اللغات الأوربية. قال لي مستشرق ألماني كبير قد أتقن اللغات العربية والفارسية والتركية، وحذق كثيراً من لغات أوروبا: (ما أشكل علي قط قراءة رسالة عربية وقد أشكل علي وعلى غيري مرات كثيرة قراءة رسائل ألمانية)

هذا إلى ملاءمة الكتابة العربية للعين. قال لي طبيب كبير من أطباء العيون: إن الحروف اللاتينية بكثرة زواياها أشق على البصر من الحروف العربية

إن مجال القول يا صاحبي واسع. وما بكم صعوبة الحروف العربية، ولكن الغرام بمتابعة أوربا، والخجل من التمسك بما أورثكم آباؤكم. ما بكم علة الحروف العربية ولكن علل الذلة والمهانة، واحتقار أنفسكم وتعظيم غيركم. إن المريض يكثر التحدث عن صحته، ويكثر اتهام الأطعمة والأشربة، كلما أحس السقم ظن أن الماء الذي شربه قد أضرّ به، أو أن الطعام الذي طعمه لم يلائمه. فكذلك أنتم تخلعون علل أنفسكم على اللغة أو الكتابة أو غيرهما وإنما الداء الدوي في أنفسكم، والعلة القاتلة في سرائركم

(له بقية)

عبد الوهاب عزام