مجلة الرسالة/العدد 106/الميت الذي لا يموت

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 106/الميت الذي لا يموت

مجلة الرسالة - العدد 106
الميت الذي لا يموت
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 07 - 1935

2 - الشيخ محمد عبده

بمناسبة ذكراه الثلاثين

تولدت حيوية الأمام القوية من جبله أبيه الحرة في (محلة نصر)، وتكونت نفسيته الدينية من صوفية خاله النقية في (كنيسة أورين)، وتفتحت عقليته العلمية في شمس جمال الدين المشرقة بالقاهرة؛ فكان سر الوراثة يجريه في الاعتقاد على الإخلاص، وفي العزم على المضاء، وفي القول على الصراحة، وفي العمل على الجرأة، وفي الحياة على التمرد؛ فالقلق المقدس الذي يشبه في الحكماء، والإرهاص في الأنبياء، كان لا يفتأ منذ الحداثة يساوره في كل هم يحاوله، وعمل يزاوله، وموضع يستقر فيه؛ وذلك القلق مبعث في المصلح صفاء النفس ولطف الحس وحدة الفطنة، فهو وحدة يدرك النقص فيروم الكمال، ويلحظ الخطأ فيطلب الصواب، ويسام الركود فيبتغي التحول؛ ولذلك كان الأمام لا يكره طبعه على حال، ولا يلبس سمعه على رأي، ولا يملك لسانه عن نقد، ولا يكف عزمه عن تغيير، ولا يخزل جهده عن إصلاح

دخل المعهد الأحمدي فبرم بالتعلم لفساد الطريقة وسوء الكتب، فكان وَكْدُه طول عمره أن ينعش الدين من هذا الخمود، ويخرج الأزهر من هذه الفوضى، وينقذ الطلاب من هذا العنت؛ وظهرت مقالاته في (الأهرام) وهو لا يزال في صدر الطلب تحمل دعوة هذا العقل المتجدد المتمرد إلى العلوم العقلية، والمعارف العصرية، والأدب المنتج؛ ثم تولى رآسة المطبوعات وتحرير الجريدة الرسمية فثار على الأساليب الكتابية في الدواوين، والتقاليد الإدارية في الحكم، والبدع الفاشية في الدين، والعادات المنكرة في المجتمع؛ وكانت مقالاته في (الوقائع المصرية) دستوراً للغة، ونظاماً للكتابة، ومنهاجاً للفضيلة، قام على نفاذها سلطان من شجاعته وقوة من نفوذه

ثم شايع العرابيين في الغضبة المصرية الأولى مشايعة البصير الحازم، فأعقبته النفي إلى سورية؛ وهناك دله ذلك الشعور النبوي فيه إلى ما جره سوء سياسة السلطان، من انفراج الحال بين الأديان، وجفاف الثرى بين الأخوان، فوضع دستوراً لإصلاح التعليم الديني قدمه إلى شيخ الإسلام، ومشروعاً لإصلاح القطر السوري قدمه إلى والي بيروت، ولو أخ بهما الحكومة العثمانية لكان شأنها غير ذلك الشأن، وعاقبتها غير هذه العاقبة

ثم أتسع أفق تفكيره، وأنفسخ مدى نظره، فراعه حال المسلمين من قناعتهم بالدون، واستنامتهم إلى الهُون، وقعودهم عن مسايرة التمدن، فوافي الأفغاني إلى باريس، ودعا في (العروة الوثقى) أشتات الأمة إلى الوحدة، وأموات الجهالة إلى البعث وأسرى العبودية إلى التحرير

ثم ولوه يعد العفو عنه القضاء، فلاءم بين الأحكام المدنية والدينية، وساوى في النظام بين المحاكم الأهلية والشرعية، وأرتحل لهذه من الإصلاح ما حقق من وجودها النفع، وجدد في قضاتها الثقة، وضمن لقضائها التنفيذ

ثم عاد فحصر إصلاحه الداخلي، الديني والمدني، في إصلاح الأزهر، لأنه منشأ الدعاة والهداة والقضاء والمعلمين في مصر وغير مصر، فإذا قلبه على الوضع الذي يريد فقد وضع المكواة على أصل العلة، وأختصر الطريق إلى بلوغ الغاية؛ ولكن أبا لهب وأشياعه في الجامع وفي القصر أرادوا وا أسفاه أن يطفئوا بأفواههم نور الله، فأطفأوا بكيدهم سراج حياته!!

ذلك سر الوراثة الفلسجية عن أبيه القروي الفقير الباسل، أما سر الوراثة الروحية عن خاله التقي العارف، فرجوعه إلى مشاريع الدين الصافية، وعقائد القرآن الأولى. قال ذات يوم لخاله: ما طريقتكم؟ قال: الإسلام، قال: وما وردْكم؟ قال القرآن. فلم يتبع منذ يومئذ غير سبيل المؤمنين ومنهاج الأئمة: أيقظ همه للإسلام فقرت عقائده من الأفهام، وقطع عنه ألسنة المبشرين والمستعمرين بالأدلة النواهض والحجج الملزمة؛ وجعل عزمه للقرآن ففاز منه برياض مونقه، وأعلام بينه: فبراهين قضاياه من قواعده، وبينات دعاواه من شواهده، ومضامين عبقرياته من هدية، وأفانين بلاغاته من وحيه، وعناوين مقالاته من آيه؛ فكأنه رسول الرسول ظهر في عصر العلم الشاك والمدنية الملحدة ليكشف عما غيب الله من نور الكتاب وسره!

أما سر الوراثة العقلية عن أستاذه الحكيم الثائر، فذلك النفوذ البعيد في علوم الفلسفة، والبصر الشديد بضروب المعرفة، والإلمام المحيط بثقافة العصر، والعلم الواسع بقواعد العمران وتاريخ الأديان وطباع الشعوب وأخبار الأمم! وسر النتائج في هذه الوراثات الثلاث: طبع ذكي، ونبوغ فطري، ونفحه من روح الله ليعيد كلمته على لسنه، ويبعث شريعته عن قلبه

كان الأمام محمد عبقرية ثائرة ناقدة لا تعرف القيود ولا الحدود ولا السطحية، ولكنها انحصرت بحكم الظروف في الإصلاح الديني، فوقفت بين الدين الذي تأخر، والعلم الذي تقدم، موقف ابن رشد وابن سينا من قبل: تحاول التأليف بين القلب والعقل، والتوفيق بين الرأي والنقل، فذهب أكثر جهده باطلاً بين الجامدين الذين يرون في تجديده الدين بالعلم بدعة، وبين المسرفين الذين يرون في تقييده العلم بالدين رجعية! فلو أنه عالج الإصلاح الاجتماعي من طريق العلم، أو السياسي من طريق الحكم، لدفع الأمة إلى الأمام قرناً على الأقل

وبعد، فإن في ميدان الأزهر الجديد موضع التمثال العتيد لمجدد الإسلام ومصلح الأزهر! ولو كنا اقترحنا هذا الاقتراح في عهد (الفلان) وأشباهه لاستغفرنا الجهل سبعين مرة، ولكننا نقترحه اليوم في عهد المراغي تلميذ الأمام وخليفته! فهل يتحقق الظن ويصدق الأمل؟

أحمد حسن الزيات