مجلة الرسالة/العدد 106/الدرامة في الأدب الإنجليزي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 106/الدرامة في الأدب الإنجليزي

مجلة الرسالة - العدد 106
الدرامة في الأدب الإنجليزي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 07 - 1935


المذهب الواقعي وفن الدرامة

بقلم محمد رشاد رشدي

تتمه

الدرامة الإنجليزية في عهد (دريدق)

من أهم ما يميز هذا العصر - منتصف وأواخر القرن السابع عشر - انتشار عادة غريبة، هي محاولة حل كل شيء في الوجود بواسطة العقل والتفكير؛ وقد كان (بوالو) على حق حينما قال: (إن ديكارت قد ذبح الشعر) - على أن هذه العادة نشأت نتيجة لحضارة هذا العصر التي كانت قائمة على أكتاف الطبقة الوسطى - ونحن لا نجد عصراً من عصور إنجلترا كان نصيب الفلاح فيه أقل مما كان في ذلك العصر؛ مع أن مادة الفن الغزيرة تأتى دائماً من الفلاح حيث يعيش الرجل جنباً إلى جنب مع الطبيعة، ويواجه صعابها وشؤونها كل ساعة وكل يوم فيتحايل على فهمها وإدراك أسرارها لا بالعلم والتفكير بل بالدين والفن

في هذا العصر لبست الدرامة ثوب النثر وأخذت (الكوميدية) تنقد عادات الناس وأحوالهم، فهي تارة ساخرة وتارة مهذبة ناصحة، وأخرى مستهترة متهتكة - على أن حوادثها وشخصياتها كانت كثيرة المطابقة للواقع، حتى أن بعض الكتاب كان يبنى قصصه بناء تاماً على حوادث شخصية وقعت له أو لمن يعرفهم - وإن كان ثمة شيء ينقص من واقعية هذه (الكوميدية) فهو أن الكاتب كان كثير الحضور والظهور في قصته - فهو يكاد يكون دائم الحديث على ألسنة أبطاله، إما ناصحاً أو متفكهاً أو ناقداً أو جاعلاً هؤلاء الأبطال الذين لا يمتون للشعر بسبب - وللحياة اليومية بكل سبب - يتحدثون بلغة هي أبعد ما تكون عن لغة الحديث العادية. أما (التراجيدية) فقد اتجهت اتجاهاً آخر كان فيه القضاء عليها، فباتت تصور عالماً كله بطولة وحب وشجاعة، وأضحى أبطالها آلات تتغنى بالفضيلة والطهر والمروءة في كلام موزون مقفى ثقيل على الأذن لا مرونة فيه ولا عبقرية؛ وإنما كان هذا التصوير الخاطئ للحياة رد فعل للجو الإباحي المستهتر الذي كان يعيش فيه شعراء العصر وطبقته العليا - كما كانت الفضيلة والبطولة مثل الفروسية الأعلى في القرون الوسطى - رد فعل لخلو الحياة في ذلك العصر خلواً يكاد يكون تاماً من كل ما هو فاضل بريء

نهضة الدرامة في القرن التاسع عشر:

كانت حياة المسرح الإنجليزي في القرن الثامن عشر حياة خاملة لا نشاط فيها ولا جدة، ولو أن نجماً أو نجمين سطعا في سمائه ثم أفلا - وأعني بهما (شريدان) و (جولد سمث). والآن ونحن نريد أن نعالج نهضة القرن الفائت الحديثة يجدر بنا أن نذكر شيئاً عن كل من الاتباعية (الكلاسزم) مذهب العهد المنقرض، والإبتداعية (الرومانتسزم) مذهب العهد الناهض الجديد. والحق أن كلا من المذهبين ينشأ عن وجهة نظر خاصة نحو الطبيعة البشرية. (فالاتباعية) تعتبر الإنسان حيواناً حقيراً بطبيعته، وتعتبر أنه لا يستطيع أن يرقى وينهض إلا بالطاعة وحكم النفس والعمل الدائم. ومن هذا كانت الطاعة وضبط النفس أظهر مميزات هذا المذهب، وأنت تجدها تتجلى في الفن (الاتباعي) في دقة الأشكال والأوضاع، وفي صقلها صقلاً تاماً، ثم في خلوه من كل ما من شأنه التطرف والعنف. أما الإبتداعية فتعتبر الإنسان نبيلاً بطبيعته، غير أن الأوضاع والأنظمة التي وضعها لنفسه هي التي حطت من قيمته وجعلته ذليلاً ضعيفاً. ومثل هذه الأنظمة المجتمع نفسه - الأخلاق - والقانون وغيرها - وإن عبارة (روسو) الافتتاحية في كتابه العقد الاجتماعي: (الإنسان حر بطبيعته ولكنه يجد نفسه مكبلاً بالقيود أينما كان) هي أول تعبير صادق (للابتداعية) وهي تتجلى في الفن في نبذٍ متعمد لكل القواعد والتعاريف، وفي الاعتماد اعتماداً تاماً على قوة تعبير الفنان تعبيراً لا يقيده شكل ولا تحده قاعدة - فإن أراد الفنان (الابتداعى) أن يعالج الطبيعة لم يكن محتاجاً إلى الفلسفة تقوده وتهديه - كما كان يفعل شعراء وكتاب القرنين السابع والثامن عشر، بل إن عليه أن يلاحظ ظواهرها فقط، وأن يدون ملاحظاته دون تعديل ولا تهذيب

ومن هذا يتضح قرب المذهب (الابتداعي) من المذهب الواقعي - أعني اتجاه (الابتداعية) اتجاهاً واقعياً قوياً بطبيعتها - واتصالها أساسياً بالحقيقة والواقع. وإن شعر الشاعر الإنجليزي (وردسورث) ونظريته في الأسلوب الشعري - أن يكون خليطاً من الأساليب والألفاظ التي يتحدث بها الناس في حياتهم العادية - لشاهد على ذلك

ومما يشاهد في الدرامة في أواخر القرن التاسع عشر نبذ بعض كتابها - عن عقيدة وعمد - كل ما هو شعري نبذاً تاماً كاملاً. ولقد نشأ هذا عن رغبة أصحاب المذهب الجديد في إدخال طرق البحث العلمية في الأدب، إذ يجب أن تكون الملاحظة دقيقة لا تحيز فيها كما يجب أن يكون الملاحظ مختفياً لا أثر لوجهة نظره الخاصة، بل يدوّن كل ما يلاحظه تدويناً صادقاً واضحاً. وقد كتب (زولا) يقول: (لقد ترك الكيميائيون اليوم البحث عن الذهب - على أنهم لو اهتدوا يوماً إلى صنعه، فسيكون دليلهم البحث العلمي الجديد، وإني أشبه نفسي بهم - فأنا أكدّوا وأبحث محولاً إتمام الطريقة الحديثة التي ستهدينا ولا ريب شيئاً فشيئاً إلى الحقيقة كاملة)؛ على أن (زولا) نفسه كان يدرك أن الدرامة لأجل أن تكون فناً، يجب أن تجمع عناصر أخرى غير عناصر العلم. وهو يذهب في كتابة أخرى له إلى أن للواقعية نفسها لوناً شعرياً فنياً لا يستطيع أحد إنكاره، إذ يقول: (من يستطيع أن ينكر أن في حجرة العامل الفقير شعراً أكثر مما في قصور التاريخ جميعاً؟)

ومن ظواهر هذه الواقعية العلمية التي ظلت تسود الدرامة منذ نهضتها في أواخر القرن الماضي إلى عهدنا الحالي ظاهرة التشاؤم والانقباض. والحق أن الواقع والتشاؤم يسيران دائماً جنباً إلى جنب، فالعقل الإنساني يميل إلى صبغ ما يخشى حدوثه بصبغة الحقيقة، وما يرجوه وما يأمله بصبغة الحلم والخيال؛ ولقد كانت آلهة الإنسان الفطري - وقد كان يخافها كل الخوف - أقوى في مخيلته وأوضح شكلاً من حوادث حياته اليومية

أقطاب النهضة الحديثة: أنتوق تشيكوف

تؤكد شخصية (تشيكوف) وجو مسرحياته الخاص وأسلوبها أنه أول الكتاب الحديثين الذي حقق المثل الأعلى للواقية؛ فتشاؤمه ونظرته الخاصة نحو الحياة تبدو كأنها ليست نظرة شخصية خاصة بل نظرة أهل عصره العامة - نظرة الروسي البائس الفقير الذي كان يعيش في روسيا في القرن الماضي. فأنت لا تجد (لتشيكوف) دعاية خاصة يدعو بها أو عقيدة يدافع عنها، بل هو يصور الحياة كما يراها، هادئاً قابعاً مختفياً وراء صورته. . .

هنريك ابسن:

كذلك مسرحيات هذا الكتاب النرويجي هي مثل أعلى للواقعية الحديثة؛ ولو أنها تختلف كثيراً عن كتابات (تشيكوف)، ولقد تبدو قصصه - لأول نظرة - قصصاً تعالج شئوناً اجتماعية مثل الزواج وتحرير المرأة وغير ذلك؛ ولقد يتبادر إلى ذهن القارئ أنه بزوال هذه الشؤون وحلها ستزول قيمة القصص وتقل أهميتها. على أن هذا الزعم خاطئ، فروح (إبسن) ليست بروح المصلح الاجتماعي فحسب، بل هي قبل كل شيء روح شاعر كان إذا ما فكر في مشكلة اجتماعية ملكت عليه كل حواسه فأصبح لا يرى للعيش قيمة إذا هو لم يهتد إلى حلها وإزالة خطرها

ومسرحيات (برنارد شو) تعالج هي الأخرى موضوعات اجتماعية؛ على أن الفرق بين الكاتبين عظيم، فمعالجة (شو) لموضاعته هي معالجة علمية بحتة، أعني أنها لا تهمه شخصياً بل اجتماعياً - أما مع (إبسن) فهي كما قدمت موضوعات شخصية قبل أن تكون اجتماعية أو عالمية - موضوعات تهمه مباشرة كأنما كان يتعلق بها كيانه ووجوده. وقد كتب (إبسن) مرة يقول: (كل ما أكتبه له علاقة وطيدة بكل ما أحيا خلاله؛ وفي كل قصة أو قصيدة أكتبها أبغي تحرير نفسي وصفاءها). ومن الجلي أن هذا يختلف كثيراً عن تفكير الكاتب الايرلندي الذي يهمه تحرير إنجلترا قبل تحرير نفسه هو؛ وقد كان تحرير النرويج يهم (إبسن) أيضاً، على أن الأهمية لم تأت مباشرة، بل أتت عن طريق نفسه وروحه. ولقد يبدو من حديثنا هذا أن مسرح (شو) أكثر مطابقة للواقع وللروح العلمية الجديدة من مسرح (إبسن)، على أن هذا خطأ وعكسه صحيح. والسبب في ذلك هو أن الناس يختلفون في آرائهم أكثر مما يختلفون في مشاعرهم واحساساتهم - (فبرنارد شو) الذي يعتمد اعتماداً كلياً على الفكرة والرأي، والذي يعيب مسرحياته من الجهة الواقعية كثرة ظهور المؤلف في القصة - سيهرم ويذوي عندما تهرم الموضوعات التي يعالجها وتموت - أما (إبسن) الذي لا يعتمد على الفكرة اعتماد (شو)، والذي لا يجعل من أبطال مسرحه ألاعيب ودمى لا قيمة لها إلا إظهار الفكرة والدعاية لها، بل يجعل منها أشخاصاً آدميين نافذاً إلى أعماق نفوسهم - مظهراً منها ما قد خفى ومضيئاً ما قد أظلم أو قتم - فسيظل حياً ما دام الإنسان والنفس البشرية حية على ما هي عليه

ويرينا (إبسن) أن أعلى أنواع الواقعية في الدرامة كما في كل فن آخر - إنما يعتمد على الخيال القوى الوثاب الذي يستطيع أن يعالج مسائله الشخصية معالجة يفهمها الجميع وتصل إلى كل القلوب حتى لقد تبدو لها وكأنها مسائلها هي لا مسائل الشاعر، ونبضاتها هي قد سجلت على الورق لا نبضات الكاتب النرويجي أو الروسي أو الإنجليزي؛ وعلى هذا ففي معنى أدق مما كان يقصده الفيلسوف الإغريقي (أرسطو) تكون شخصيات مثل هذه الدرامة (مثلنا تماماً)

فليست الواقعية وليدة بحث علمي أو مذهب أو عصر خاص، بل هي جزء لا ينفصل عن الشاعرية الفذة والخيال القوي الذي يصور لك ما يرسمه تصويراً حياً قوياً، يجعلك تراه وتؤمن به وتشترك فيه حساً وعاطفة وفكراً

محمد رشاد رشدي

بكالوريوس بامتياز في الأدب الإنجليزي