مجلة الرسالة/العدد 106/أقصوصة عراقية:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 106/أقصوصة عراقية:

مجلة الرسالة - العدد 106
أقصوصة عراقية:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 07 - 1935


بداي الفايز

للأستاذ محمود. أ. السيد

- 1 -

كان اليوم العاشر من شهر مايو. . .

كان الفرات فائضاً توشك أمواهه الطاغية أن تجرف السدود المقامة على ضفتيه. وكان الفلاحون من أبناء القبائل المختلفة، في منطقة خضراء بين ذي الكفل والكوفة - كأمثالهم في مناطق الفرات الأخرى - ساهرين عليها، مقيمين حولها ليلاً ونهاراً وجلين، يخيفهم الخطر الجاثم حيالهم منذ شهر، وقد أشتد بعد أن كان ضعيفاً مبهماً

وكان الصبح. . .

وكان النسيم يهب بليلاً فينعش هؤلاء المساكين، ويحيي فيهم عنصر النشاط الذي كانوا في أشد الحاجة إليه؛ فقد أنهكهم النصب، وآذاهم الجهد الذي بذلوا مذ طغى الماء، وهم يصارعونه ليحولوا بينه وبين زرعهم - مع أنه جزء قليل من زرع الرؤساء المالكين - وماشيتهم؛ وهما لهم قوام الحياة

وكانت سنابل القمح المنتشرة المتكاثفة في الحقول على مقربة من بيوتهم - وهي من القصب البالي والحصر وجريد النخل - ومن النهر، مصفرة ناضجة تبهج الناظرين. وكان وقت حصادها جد قريب

وحان الضحى؛ فحانت ساعة العمل لتقوية السدود وتمكينها فانتشرت جموعهم كالنمل تحمل إلى المواقع الواهنة منها التراب من أطرافها، ثم تعود لتحمل إليها التراب كذلك والحطب والقصب والحصر والعَمدَ والحبال وما إليها؛ ثم تعود مرة أخرى، فأخرى، يسوقها المهندسون والرؤساء المالكون في غير ما لين ولا إمهال

وحان الظهر؛ فاستراحوا قليلاً ثم عادوا يعملون

وتغير الطقس، آنئذ، تغيراً مفاجئاً - ومثل هذا التغير مألوف ومعتاد في العراق - فحجبت وجهِ الشمس عاصفةٌ شديدة أثارت الموج في النهر، وعظم بها الخطر، لأن السدود قد كانت احتملت من جريان المياه الطاغية وتيارها القوي أكثر مما تطيق احتماله، فكيف بها الآن وقد أخذ الموج يلطّمها فيوهنها ويكاد يهدّمها تهديماً

وكان الخطر أعظم ما يكون في الضفة اليسرى من النهر، لأن أهلها كانوا أقل عديداً من جيرانهم أهل الضفة اليمنى، وأرضهم أوطأ من أرضهم، وسدودهم أضعف من سدودهم

وكان الرؤساء جميعاً، هنا وهناك، مع وفرة غناهم، وامتلاكهم الدور والأحراز والأرضين دون الفلاحين، أحرص منهم على حفظ السدود لحفظ الزروع. فداروا حولهم يشجعونهم ويضربون المقصّر المتخلف منهم عن صحبه بالعصي والسياط

ونحن الآن في الضفة اليمنى

حان الأصيل، وبدأت قصتنا؛ فوقف فتى طويل القامة مفتول الساعدين، آدم اللون، يدعونه (بدَّاي الفايز) ويتميز بخنجر مفضض لا يفارق حزامه، أمام رئيس من رؤساء القبيلة التي ينتمي إليها، معتدلاً يعلوه الشمم، وتهز كيانه نخوة الأعراب؛ وقد أصابته منه ضربة عصا كما أصابت غيره ضربات، وسواء أكان لتلك الضربة سبب من تقصير في العمل أم لم يكن، فان (بداي) الذي كان شاذا في قبيلته في بعض خلاله، قوي الشكيمة، عزيز النفس، معتزاً بقوة جسمه، لم يحتملها؛ فوقف يغمغم متظلماً في شبه ثورة وعصيان

وبهت الرئيس، فنظر إليه مستغرباً مستنكراً: مستغرباً شممه ونخوته وقد حسبهما طيشاً ونزقاً وخنزوانة عبد، وحمله خنجره المفضض حتى في ساع العمل العسير، مستنكراً تظلمه، وكيف لم يحتمل منه ما احتمل الآخرون أذلة خاضعين

وأقبل عليه يريد أن يضربه مرة ثانية؛ ثم انثنى عنه في لحظة فانشأ يرميه بما هو عند القبائل شر من ضرب العصي وأنكى، قال يعيره:

- (ويلك يا جبان! هل يرفع أنفك فيميزك عن أخوتك الطائعين هؤلاء خنجرك المفضض هذا!؟ ولأي يوم كريهة تحمل هذا الخنجر وتلك البندقية التي تعلقها بالسدرة؟ وأين كان هذا السلاح يوم قتل جسام أخاك عباس؟ ولماذا لم تثأر له به حتى الآن أيها الجبان الذليل؟!)

وإذ نطق باسم (جسام) شدّد (السين) تشديداً غريباً ومد (ألفه) وهو يشير بعصاه إشارة ذات معنى إلى ضفة النهر المقابلة؛ ثم إذ أتم كلمته أبتسم ساخراً متهكماً وتولى، وهو مدرك أية طعنة نجلاء طعن الفتى وسمع بداي هذه الكلمة الطاعنة أمام الجمهور الحاشد من الفلاحين الذين كان يراهم دونه شمماً وإباء للضيم ونخوة، وهو في أسوأ حال من الاضطراب النفسي والغيظ، وعضّ على شفته إذ أخذته (العزة)؛ فصاح صيحة كاد ينفطر لها فؤاده:

- (أخسأ! أنا أخو شمسة! ولأنتقمن ولأدفعنّ عني عاري!)

وترك العمل وهو حانق غضبان. وشعر بأن حياته أضحت عبئاً ثقيلاً عليه. و (النار ولا العار!) وهل يهمه بعد الزرع وغير الزرع؟ (لقد قتل جسام من أبناء القبيلة المجاورة أخاه عباساً، في نزاع على دين قديم، منذ عهد قريب، وتلكأ عن أداء ديته. هذا ما كان يعلمه؛ ولكنه لم يكن راضياً بالعار الذي خلع عليه هذا الحادث منه جلباباً أسود ضافياً. لم يكن ساكتاً عن حقه، والثأر في القبائل كالدية، حقٌ. على أنه لم ير بداً من التريث حتى تنجلي هذه المصيبة التي حلت بالقبائل الفراتية كافة: مصيبة الفيضان. فكان من المروءة تركه وشأنه؛ أما وقد سبق السيف العذل؛ فعيرّ أمام الناس، فلا كانت الحياة إن لم يثأر وينتقم. . . . .)

هذا ما فكر فيه في دقائق مسرعة كالثواني، ونفض عباءته ليزيل ما علق بها من تراب حين العمل، ثم تناول بندقيته غير ملتفت وراءه، وتوارى عن الأنظار

- 2 -

ونحن الآن في الضفة اليسرى

أقبل الليل؛ وانقلب الفلاحون إلى بيوتهم، وهم يتوقعون الخطر الجاثم حيالهم، يتوقعون أن تتدفق المياه عليهم في هذه الليلة إن لم تنقص قليلاً، وبقيت الريح العاصفة على شدتها تثير أمواجها فتوهن السدود. وكان الإعياء آخذاً منهم مأخذه فرقدوا متوكلين على الله؛ إلا الحراس منهم الذين أقاموا على السدود، فكانوا متحفزين للعمل، يروحون ويجيئون كأشباح الجن؛ يلفهم نور القمر الضئيل الذي حجبت سطوعه الريح الذارية وما كانت تحمله للقوم من غبار كثيف

وكان جسام القاتل واحداً من هؤلاء الحرس

وكان وهو في جماعته، مطمئناً غافلاً، لا يدري أن بداي قد أقسم لينتقمن لشرفه في تلك الليلة؛ لا يدري أنه جاء دارة القوم خلسة وقد عبر الفرات على زورق من زوارق الصيد صغير، بعد لأي وجهد كبير؛ وأنه كان - وقد مضى الهزيع الأول من الليل - يكمن له وراء نخلة في طرف حديقة مجاورة لبيوت القبيلة مما يلي مضرب الحرس ملثماً بكوفيته، متلفعاً بعباءته السواء؛ مصمماً على قتله

وكان موقع الحارس جسام قريباً من الحديقة؛ وكان خصمه يتبينه؛ وكان يعرفه مستدلاً عليه بصوته الذي كان يرتفع بين دقائق ودقائق إذ ينادي صحبه نداء الحذر والانتباه

وكان ينظر إليه وهو واقف في الظلام، ظلام الحديقة الذي كان يستره كالخنزير الحانق على الصياد؛ ويقول بصوت خافت؛ وكأنه يتوعده:

- (اصبر لي قليلاً يا ابن الكلب. . . .)

ثم حشا بندقيته؛ وقد اشتدت ضربات قلبه؛ وبدت على وجهه سيماء الإنسان الوحشي القديم؛ وثنى ركبتيه وأطال النظر في عدوه ليسدد الرمي؛ وكاد يطلق رصاصاته الخمس التي أعدها لقتله، لولا أن رأى بجانبه حارساً آخر أقبل عليه مسرعاً. فكان على بداي لقتل واحد منهما أن يقتل الاثنين معا، وهذا ما لم يكن يريده؛ لأن ثأره على تلك الصورة يخلق له مشكلة يصعب عليه التخلص منها، فقد يغتفر له ذوو جسام وأبناء قبيلته قتله لأنه قاتل أخيه، ولكنهم لا يغتفرون له قتل الثاني؛ ولابد لهم من قتله بعدئذ ليثأروا به منه

وتملكته الحيرة فلم يدر ماذا يفعل

ثم بدا له أن يتوقع عودة القادم، لينفرد بفريسته، وبينما هو في موقفه هذا، ارتفعت من جانب بعيدً قيدَ غلوة صيحة حارس يستغيث

لقد حم الأمر؛ وتفجرت المياه من ثلمة حدثت في السد المصاقب، ومضى الحرس وفي طليعتهم جسام، يعدون مستبقين لسد الثلمة، فلم يتمكنوا من ذلك، ولم يكن دفع المياه المتدفقة المتحدرة تحدر السيل من أعالي الجبال مستطاعاً

واستيقظ أبناء القبيلة فروَّعهم الحادث، وشعروا بوقوع الكارثة، فأضاعوا رشدهم، كما أضاعوا من قبل جهودهم كلها في الزرع وفي إقامة السدود. وحاولوا كفاح المياه العرمة فحاولوا عبثاً، وراموا مستحيلا

وما كان أمامهم إلا الهرب، فكان النساء يولولن، والأطفال في خوف ورعب يتصارخون. وكان جسام ذا أسرة تتألف من زوج، وثلاثة أطفال، وأم عجوز، وأخت. وكان الرجل آخر هارع إلى أمه وإلى أطفاله لينقذهم من الغرق، وقد خسر مع الخاسرين نصيبه في الزرع، ونسي بقرته وغنمه؛ وعلى هذه البقرة والغنم تقوم حياتهم بعد الزرع. . .

وأدركت الرحمة الطبيعة حينئذ، فسكنت الريح، وانقشع الغبار، فهذا القمر المنير زاهياً متلألئاً يطل على هذه الفاجعة في قسوة وجمود

- 3 -

وبعد ساعة أو أقل كانت الثلمة متسعةً، تنصب منها في السهل الكائن وراءها حيث البيوت ثم الحقول، مئات الألوف من الأمتار المكعبة من الماء. وكان بداي يشهد هذه الفاجعة التي فجعت بها القبيلة في دهش وتألم. وكانت نفسه ساكنة هادئة بعد أن أفلتت فريسته منه، وأحس شيئاً يتمزق في جوفه. ثم أستيقظ في نفسه شعور غريب جديد، هو غير الشعور بالضراوة والرغبة في الانتقام والثأر؛ وذهل عما جاء من أجله؛ فاقترب من بيوت القوم قليلاً، فرأى - مما رأى - أطفال جسام الثلاثة في صراخهم وعويلهم، والأب يحمل منهم الاثنين الكبيرين وكانا في الرابعة والخامسة، نحيفين واهنين من مرض أو جوع، وزوجه تحمل بعض المتاع وتقتاد البقرة، وأخته تريد أن تحمل أمها العجوز، والطفل الثالث، وهو في الثالثة من العمر ما يزال على الأرض متشبثاً بأذيال أمه يرتجف ويعول باكياً، والأم ذاهلة تحني فتتناوله لتحمله فوق المتاع، فيفلت منها زمام البقرة؛ ثم يذكر الأب، وهو دهش يحمل طفليه، غنمه فيذهب إليها حيث كانت في زريبة مجاورة ليسوقها أمامه. . . وأبناء القبيلة كل منهم مشغول ببلائه، وقد اختلط الحابل بالنابل؛ فكانوا في مثل يوم المحشر الموعود

وكانت الكلاب تنبح شاعرة بالخطر نباحاً صاخباً يملأ الجو

وحينئذ كان بداي يحكم لثامه شداً، ويتنكب بندقيته، ويشمر عن ساعديه؛ ويبادر لنجدة هذه الأسرة وعونها. وأقبل على الأم الذاهلة فتناول منها طفلها فخفف عنها حملها الثقيل. وحسبه جسام، وقد حانت منه التفاتة إليه في الزحام، واحداً من أبناء عمه، فخاطبه مرشداً ومشجعاً:

- (دونك السد)

وكان السد الممتد على طول النهر والمؤدي إلى قرية قريبه، الطريق الوحيد الذي لجأ إليه القوم طلباً للنجاة من الغرق لقربه من بيوتهم وارتفاعه عن السهل المنبسط الذي أخذ الماء يغمره شيئاً فشيئاً. . .

وإذ تخلصت زوج جسام من وليدها، واطمأنت لنجاته، استطاعت سحب البقرة وراءها واستنقاذ ما حملت على ظهرها من متاع البيت. وحملت أخته أمها العجوز. وبلغوا يخوضون الماء المتدفق خوضاً، معه، وهو حامل طفليه. واستعدوا ليمشوا وراء قافلة القبيلة التي رحلت من مستقرها وقد مسها ضر أليم. وأقبل أثرهم الرجل الملثم حاملاً الطفل الصغير فأنزله إلى الأرض، واقترب حتى قابل جساماً فحل عنه لثامه، ونظر إليه، في ضوء القمر، محملقاً كأنه يقول له:

- (هلا عرفتني؟ فأنا خصيمك طالب ثأر عباس؟)

ولبثا دقيقة ينظر الواحد منهما إلى الآخر، وقد أوشكت أن تثور فيهما نوازع الرغبة في الاقتتال، هذا ليدافع، وهذا ليثأر وينتقم

ونحَّى جسام طفليه عنه في تأن وحذر، ومد يمناه إلى خنجر

بيد أن بداي أخلف ظنه فما زاد على أن هز رأسه، وقال له بصوت أجش:

(اذهب الآن!. . مع السلامة. . خلصت. . ولكن لا تنسى أن لك ساعة أخرى!)

وانكفأ إلى زورقه مسرعاً، تاركاً ثأره وزوجه التي انتبهت إليه آخر الأمر، في حيرة واستغراب

وآب بداي الفايز إلى قبيلته ساكناً هادئاً، فخوراً بالفعلة التي لم يفعل مثلها أحد قبله، إذ أنجد أسرة حين لم يكن له من إنجادها بد، واستحيا لأجلها، ولو إلى حين، نفساً ما كان لها إلا أن تموت

- 4 -

ومر عام على هذا الحادث. فعادت قبيلة جسام إلى أرضها الأولى، بعد أن زال عنها الماء الذي غمرها أشهراً؛ وأنشأت لها سداً جديداً على ساحلها؛ فجاءها رسل من القبيلة الثانية يسعون بين بداي وجسام بالصلح، ويحملون دية القتيل مالاً وامرأة وهي أخت القاتل، فتزوجها بداي زواج (الفصل) على سنة القبائل الموروثة وتقاليدها

ولم يعد أحد يجرؤ، بعد ذلك، أن يعير الفتى بأنه نام عن ثأره نوم الجبان الذليل (العراق - الأعظمية)

محمود. أ. السيد