مجلة الرسالة/العدد 1011/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 1011/القصص

أنظر أيضا مجنون؟ (موباسان)

مجلة الرسالة - العدد 1011
القصص
غي دو موباسان
بتاريخ: 17 - 11 - 1952


مجنون

للكاتب الفرنسي جي دي موباسان

أبي مس من جنون؟ أم أن ما بي فيض من غيرة فحسب؟ لست أدري من أمر ما بي شيئا، ولكنني أكابد مر العذاب، ومض الألم. لقد أجرمت يداي أثم طيش، طيش أهوج مجنون، إن هذا لحق. ولكن ألا تكفي هذه الغيرة الرابية المبهورة، وذلك الحب الثائر الخائن الملعون، وهذا الألم الباهظ الممقوت - ألا يكفي كل هذا لأن نأتي إثما من الأمر وسخفا دون أن ينزع منا إلى هذا السخف أو ذاك الإثم عقل أو فؤاد؟ أواه أنى لآسي وآلم. . . من عذاب دائم حاد مفرط. لقد أحببت تلك المرأة حبا سليطا طاغيا. لكن أكان حبها حقا؟ أعلقتها؟ كلا ثم كلا! لقد ملكت علي حسي، وحالت بيني وبين نفسي. . أسرت وصرعت، فكنت في يدها - وما أزال - دمية. كنت ملك النظرة الخاطفة، واللحظ الرهيف؛ أسير الغلالة والقد الدقيق؛ عبد التبسم والشفاه. . . وكنت الهث إذا ما تسلط علي هيكلها وتأمر. . . ولكنها هي، صاحبة كل هذا، وكائنة هذا الجسد، امقتها أحقرها والعنها. فقد كانت كديره غادرة، وكانت دنسة ماكرة، وكانت محط الفساد ومهبط السوء، إنها لحيوان فاسد مثير تخلى عن الروح فتخلت عنه ولم تعد بعد فيه؛ ولم يعد يسير عقله كما يسير نسيم منعش متطلق. إنها البهيم الآدمي، بل هي أحط من هذا واقذر. أنها ردغة مستوحلة. هي آية من آيات الجمال البض الغريض سكنت دار الخزي والعار

كان اتصالنا في أول الأمر غريبا جميلا. وكان يقتلني - بين ذراعيها المفتوحتين أبدا - جنون الرغبة الملحة العاتية. وعيناها كانتا تفغران فمي كأنما ألهب حلقي العطش. كانتا سنجابيتين حين الظهيرة، ومشوبتين بخضرة وقت دلوك الشمس، وكانتا زرقاوين أبان الشروق. ليس بي مس من جنون، فإني لأقسم أن كان لعينيها هاته الألوان الثلاثة. فهم في أحايين الحب زرقاوان ثاقبتان، يتوسطها إنسانان كبيران مضطربان، وشفتاها تقلصهما رعدة محمومة، فلربما انفجرتا عن طرف لسان ريق احمر يتحرك كلسان الافعوان، وجفناها الغضيضان الناعسان تشرعهما في وناء وهينة، فتكشف عن نظرة مضطرمة وآرية، كانت تزيدني جنونا. وكنت احتدم غيظا إذا ما رأيت نظرتها هذه لدى العناق، وارتجف حنقا ورغبة أن اقتل هذا الحيوان الذي تلحف الضرورة في بقائه

وكان فرعي يهتز لوقع خطاها وهي تتخطر في حجرتي؛ وكان قلبي يثب لحفيف ثوبها إذ تأخذ في خلع ثيابها فتدع ثوبها يقع. وتخرج منه عارية مخجلة، وكنت أحس من ريح غلالتها الملاصقة انحلالا رخيا يسري في أعضائي وأطرافي جميعا. . .

وشعرت بأنها ملتني فجاءة واجتوتني. إذ رأيت ذلك في عينيها يوما حين أصبحنا، فقد كان من دأبي أن أحنو عليها كل صباح ارقب نظراتها الأولى. . . وكنت انتظر - وصدري يدور به الخنق ويحرجه الكره والاحتقار معا - انتظر مترقبا نظرات ذلك البهيم النائم الذي يهيمن علي فأنا له عبد ذليل، ولكن ما تكاد تبدو لعيني حدقتاها الشاحبتان كليلتين سقيمتين إثر الأحضان الأخير، حتى تتقد حواسي ويضطرم كياني فكأنما نار تلهبني فتستنزف كل عزمي وقواي. لكنها حين ذلك اليوم طالعتني بنظرة مختلفة حزينة بائسة لا ترجو من العالم شيئا

آه! حقا رأيت ذلك وعلمته، ولقد شعرت به للتو وفهمته، إذ انتهى كل شيء؛ انتهى كل ما ترجو إلى الأبد، وعندي على ذلك الدليل يقوم في كل ساعة وأخرى؟

فإذاما عانقتها صدفت قائلة (هلا تركتني أذن؟) أو قبلتها فتقول (إنك لبغيض) أو تقول (أفلن اجلس حينا وادعة؟!)

حين ذلك غرت، ولكن كما يغير الكلاب. . . أثارت ما أثارت من ارتياب وكتمان وحيلة. علمت حقا أنها ما عزفت عني ألا لتفسح مجالا لآخر تذكي عواطفه وتلهب حواسه. .

غرت غيرة هادرة طائشة مجنونة، ولكني لم اكن مجنونا كلا! حقيقة كلا! وانتظرت، أه! ثم حنوت عليها ولم يخب ظني ولم تخدعني عيناها إذ ظلتا باردتين مثقلتين، وقد تقول حينذاك: (إن الرجال لتوذيني وتسئمني) وكان ذلك حقا غدوت حينئذ غيورا منها نفسها، ومن عزوفها ونفورها؛ غيورا من فراغ لياليها ووحدتها؛ غيورا من حركاتها وإشاراتها ومن عقلها الذي استشعر دائما عاره؛ وغيورا من كل ما آتوهم وأحدس ورى. وقد تلقاني صبح ليلة من ليالينا المضطرمة، بنظرة رضية ناعمة، كأنما خالطت روحها شهوة فحركت من رغباته. . . حينئذ يحتدم قلبي حنقا فتختنق أنفاسي في صدري المتحرج، وتصرخ رغبة في نفسي أن أخنقها، وأهشم عظمها تحت ركبتي، وأنشب في جيدها أظفاري، حتى تقر بمخازيها المخلة وتفضح أسرار فؤادها المرذول

أبي مس من الجنون؟

- كلا!

فهاأنذاقد انتعشت في إحدى الليالي وانتشيت واستشعرت إحساسا جديدا يخالطها، وكنت واثقا من هذا تمام الثقة؛ فقد كانت تتمم كما تفعل بعد العناق عادة، ونظراتها توقدت واضطرمت وذراعاها قد شاع فيها الدفء والحميا، واضطرب كيانها اجمع إذ تتحكم فيه الرغبة الثائرة الجموح. وضاعت منه البصيرة

وتغابيت، ولكن أحاط بها انتباهي كالشرك، ومع ذلك فما كشف لي منها عن شيء

وتريثت أسبوعا، فشهرا، ففصلا. والآن رأيت جهومتها قد زالت وتدفقت فيها حميا مبهمة، ثم استراحت إلى حياة قوامهم عناق، وعمدتها قبل

وفي لحظة وامضة أدركت! فما بي مس من جنون! وإني لأقسم أن ليس بي مس من جنون!

كيف أقص ذاك عليك! كيف فهمت؟ كيف أبين لك الشيء المبهم الممقوت؟!

إليك ما نبهني إلى كل شيء: في تلك الليلة التي حدثتك عنها كانت عائدة من نزهة على صهوة جواد فسقطت عنه. وقد جلست ليلتئذ أمامي في مقعد وثير متوردة الوجنتين، مخمشة العينين مرضوضة الساقين، صدرها يعلو ويهبط مثل أمواج المحيط. لقد أدركت كل شيء حين رايتها. إنها تحب! ولم استطع أن أخادع نفسي!

حينذاك فقدت شعوري وكرهت أن أنظر إليها. فتحولت إلى النافذة وهناك بصرت بخادم يقود جواد من عنانه يشب ويثب. . . أما هي فقد نظرت الجواد الفتي الشابي واتبعته بصرها حتى غاب فاستلقت وغفت. . .

وطفقت ابحث طول الليل في ذلك. وخيل إلى آني أوغل في غموض ما كنت أتوقعه من قبل. ومن زعم أنه عجم عود النساء الأعوج، وسبر رغباتهن المتضاربة؟ ومن ادعى أنه فهم تقلباتهن الغادرة ورغباتهن السافلة؟

كانت تخرج صباح كل يوم على صهوة جواد إلى الغاب والسهول، ثم تعود لاغبة مكدودة في كل مرة، كما تفعل عادة بعد أن تسكت عنها نوبة من الحب الطائش. الآن قد فهمت فغدوت غيورا من الجواد النهد الكريم، واجداً على النسيم العاشق إذ يحتضنها بينما تنطلق في شوط سريع أهوج؛ وغدوت حاقدا على أوراق الشجر إذ تقبل أذنيها عرضا، حاسد لأشعة الشمس إذ تلثم جبينها من بين الغضون، ولذلك السرج إذ يحملها ويلمس فخذيها البضتين

كان هذا كل ما يسرها ويغويها، ويطلق أسارير محياها ويغريها، وكان هذا كل ما يكدها ويضنيها، فتلقاني متعبة لاغبة إلى حد الإغماء. .

وأزمعت الانتقام لنفسي. وكنت أتلطف معها في الخطاب متلطفا مدللا، وكنت أمد إليها يدي لتعتمد عليهما حين تقفز عن صهوة الجواد بعد أشواطها الهوجاء المضنية. وكان الجواد يرمقني ثم يفحص الأرض صبوة وفتوة. وكانت تدلله وتربت على كتفيه، أو تحتضن أنفه اللاهث. ولا تنسى أن تمسح على رأسه وأصداغ فمه المزبد. وكان ريحها العطر يضوع من جسد تصيب منه عرق اعرف أريجه وسط الليل. وكان هذا العطر يختلف في أنفي بريح الجواد الأصهب

وطفقت أتحين الفرص أتربص الدوائر. لقد كانت تسير كل صباح في إحراج من السدر توغل في الغاب. . ففي يوم غدوت مع الفجر، وفي يدي حبل متين الفتل، وفي صدارى مسدسان محشوان كأني ذاهب إلى مباراة

وعدوت نحو الطريق التي تحب، وربطت الحبل في جذعي شجرتين متقابلتين، ثم تعقبتها في الإحراج

وكثيرا ما خبرت الأرض بسمعي. والآن سمعت وقعا رتيبا من بعيد. وبصرت بشيء من الأغصان يسبح في الهواء سبحاء اه!. . . لم أخدع فقد كان هو الجواد فقد كان النهد الأصيل. وإما هي فقد كانت نشوى من فرط السعادة محمرة الوجنتين. وتبدلت نظرات عينيها فهي الآن طروب لعوب، وتطلقت أعصابها من الهم واستراحت إلى تلك القسوة المنعزلة

ولما أن كبا الحصان بمقدمه تهشمت عظامه، وطرح بفتاتي بعيدا فلقفتها بين ذراعي القويتين حينذاك على حمل ثور سمين. وبعد أن وضعتها على الأرض في هينة ورفق دنوت منه (هو) وقد كان يحملق فينا حينذاك ويحاول أن ينهشني، فأطلقت عليهالرصاص في الأذن فخر صريعا يشحط في دمائه الثرة وقتلته. . .

كما يقتل الغريم!

ولكني أنا نفسي سقطت على الأرض ووجهي قد أدمته جلدتا سوط كان في يدها. ولما أن تأهبت لأن تلهبني بالثالثة أفرغت في جوفها الرصاصة الأخرى. .

فخبرني بربك أكان ما بي مس جنون؟!

س. م