مجلة الرسالة/العدد 1007/شلر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 1007/شلر

مجلة الرسالة - العدد 1007
شلر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 10 - 1952


للكاتب الكبير توماي كلرليل

ترجمة الأستاذ يوسف عبد المسيح ثروت

- 3 -

وطبيعة الكتاب وما أيقظه من رغبة جامحة لفتت الأنظار إلى الأحوال الخصوصية للمؤلف، ولم تكن هذه المأساة وحدها هلي التي جلبت الانتباه؛ بل إن جميع ما كتبه ووجد له سبيلا إلى النشر والذيوع من الكراسات الدورية الأخرى أوضحت بجلاء بأن هذا الإنسان لم يكن شخصا عاديا. وقد أغاظت العواطف الحادة التي أبدتها مأساة (اللصوص) كثيراً من الأشخاص الرصينين، وقد كان لقابلياته التي لا تجارى وإكثاره في التعبير عن مكنونات نفسه أثرهما في تعكير القضية أكثر فأكثر. وأما ما يخص رؤساء شلر فلم تكن تهمهم مثل هذه الأشياء ولم يفهموا منها شيئا يذكر، وقد يكون شلر عبقريا ولكنه كان خادما خطرا لصاحب السمو دوق (فرتمبرك). ولم يقتصر الأمر على الناس الفضوليين في القضية؛ بل إن ذلك قد تعدى حتى إلى الرعاة في جبال الألب. وقد أصبح قضاة (كرسنز) بعد قراءتهم لهذا الكتاب يشعرون بماله من تأثير سيئ في الناس، مما حدا بهم أن يشكو من ذلك في جريدة (هامبورغ كورسبوندنت)، ثم أعقبوا ذلك برفع القضية أمام الدوق العظيم). (ولما اطلع الدوق على هذه الوضعية ساءه وعبر عن عدم استحسانه عن أعمال شلر بعبارات صريحة نابية جافة. وأخيراً قدم شلر أمامه، فما كان من صاحب السمو إلا أن شرح له سخطه على أخطائه الأخلاقية والسياسية كما استهان بقيمة مؤلفه الأدبية. ولكن رأى الدوق لم يلق رضاً من شلر، وقد انتهت المواجهة بدون جدوى بسبب إصرار الطرفين على رأيهما، وبعد ذلك أمر الدوق بأن ينصرف شلر إلى دراسته الطبية، أو على الأقل ألا ينظم شيئا من اشعر وينشره بدون الحصول على موافقته. ولم يقتصر الأمر على هذا فقط؛ بل إن كثيراً من التقريع كان في انتظاره. فكل جهوده في أداء واجبه على أحسن وجه كانت تفسر تفسيراً خاصاً.

وكان يعاقب على أبسط هناته أقسى العقاب. لقد انكمشت روحه، لما أصابها من إنهاك ونزيف في النضال المرير ضد العوائق المثيرة المتمثلة في الاضطهاد اللانهائي من أناس لم يعرفوا عنه شيئاً ولكن سوء الطالع وضع مصيره بأيديهم القذرة. وقد طافت في ذهنه فكرة السجون والسجانين فعذبته تعذيباً مرا، كما أنه فكر كثيراً في الوسائل التي يتذرع بها للتخلص من عذاب السجن الذي كان ينتظره في كل يوم، فأراد نبذ الشعر الذي كان له بمثابة ينبوع السرور ومصدر الهموم في الوقت ذاته واعتزاله هذا - لو قدر له أن يقع - لاعتبر حكما بالإعدام على كل شيء سام ومفرح في نفسه وعلى القيم التي كان يعتز بها أشد الاعتزاز).

وقد دفع الشعور الطبيعي المؤلف اليافع على الجسارة للذهاب سرا لمشاهدة تمثيل مأساته في مانهايم. ولم يستره هذا التنكر، فقد ألقي القبض عليه بعد أسبوع من ذلك بسبب إساءته هذه، وما يمنعه العقاب الذي أنزل به من الاجتراء مرة أخرى وبالأسلوب عينه. وقد علم أن هناك خططا جديدة توضع ضده، وقد ألمح له بعضهم ببعض الوسائل الشديدة التي تنتظره إن هو أصر على غيه ولم يفق من غفوته.

ولم يفد في ذلك الموقف العون الذي قدمه له (البرغ) الذي كان أمله الوحيد في التخلص من هذه المضايقات. فرأى شلر نفسه محاطاً بالمصائب المختلفة والشرور المرعبة من كل جهة، وقد أثار ذلل غضبه أشد الإثارة ولكنه أضطر إلى السكوت وارتداء قناع الصبر، وأخيراً لم يطق احتمال هذا الضغط الجنوني أكثر مما تحمله. قد قرر أن يكون حرا مهما بلغ الثمن، وقرر كذلك أن ينبذ كل الفوائد المتأتية من جراء السكوت، فترك البيت الذي كان يعيش فيه، وهو بيت مربيته وخرج فريداً لا يلوى على شيء باحثاً عن عمل في سوق الحياة الكبيرة.

استغل شلر وصول أحد الأمراء والدوقات إلى مدينة ستتغار والضجة التي أثيرت في الترحاب به والحفاوة التي أسبغت على المدينة حلة من الزينة، وهكذا تمكن من التخلص وسط هذا الزحام من مراقبة العيون والأرصاد لانشغالهم بهذا الاستقبال، ففر من المدينة في أكتوبر سنة 1782 وكان عمره آنئذ ثلاثاً وعشرين سنة. وفي مثل هذه الظروف شب شلر عن الطوق وبلغ مبلغ الرجال من القوة والبأس.

وقد أثرت هذه العقبات والنكسات في سلوكه ولكن قوته الخاصة تمكنت من الغلبة في النهاية. . . أما طفولته فقد كانت هانئة هادئة، كما سبق أن ذكرنا ذلك في حينه، لأن والديه أسبغا عليه جوا من المحبة والحنان، فجعلاه يشعر بالانشراح والشرور وبالسعادة الحق.

لقد قدر لهذه البذرة غير المرئية أن تنبت يوماً ما وأن تصبح شجرة التقى والفضيلة الرقيقة، ومن حسن حظه أن الهجوم العنيف الذي شن عليه لم يقع إلا بعد أن أكمل عدته لمواجهته بعد أن أجمع قوته. ويعود الفضل الأكبر في فوره النهائي في هذا النضال الهائل إلى أساتذة مدرسة ستغادر ودوقهم الأعمى. ومع ذلك لو كان النظام الذي اتبعوه أكثر مدنية وأقل تعصباً لما خسرنا شاعرنا أيضا، لأن بركان شعره كان كامنا في أعماق نفسه ولا يمكن أن يبقى مثل هذا الركان صامتا طويلا، بل إن انفجاره كان محتما في يوم لا بل في كل ساعة. وقد أثرت هذه المعاملة الخشنة في سلوك شلر فأججت حساسيته وزادت من رقته وإرهافه، وخصوصاً إذا عرفنا مدى اتصال ذك كله بطبيعته ذات الفعالية الذاتية، ولو كانت لديه ميول أقل تأججاً وأبد محبة، لرأينا في الوقت المناسب كيف ينتهي كل هذا إلى عزلة خانقة خائفة ووحشية، وحتى إلى مقت شديد للإنسانية. وإذا نظرنا عامة إلى شلر في مثل هذه المرحلة لظن لعض المتتبعين القصيري البصر أن شلر ضعيف لأن مثل هؤلاء المتتبعين يخلطون بين الرقة والضعف على اعتبارهما شيئا واحد. فعنصر القوة الذي يتمتع به وهو أصل كل تقديم يجعله يتصرف على رغائب نفسه، لقد كان له قصد وغاية فيما يعمل، وكان يحب الجمال الروح بكل جوارحه وبكل نفسيته، وهو مستعد في سبيل الوصول لمثل هذا الهدف إلى تقديم التضحيات. لقد ظهر هذا الهدف كغريزة جامحة، وتحت أشكال غامضة، وقد ازدادت قوة على قوة كما اتسمت بالوضوح في النضال والمقاومة فيما يجب الانتصار فيه. . إن لهذه النكسة في حياة شلر أهميتها في التاريخ الأدبي: وهذا التعذيب في سبيل الضمير، وهذا ما وقع للهرطقة والزنادقة في الدين أكثر مما وقع للهرطقة في الأدب. هذا النضال الأعمى الذي قصد إلى إخماد النور السماوي في الروح الإنسانية، وقد انتهى هذا النضال إلى البوار والفشل كما انتهى إلى ذلك في الأدب أيضا.

وما من شك أن ما فعله حكام محكمة التفتيش من أعمال مرعبة وجرائم نكراء لم يكن وحيداً في بابه وفريداً في نوعه. . لأن حكام محكمة التفتيش الأدبية قد خلفوا السابقين، ومع ذلك فلم ينته أمرهم إلا كما انتهى أمر أسلافهم. . لأن تأثيرهم كان مؤقتا وعرضيا ولم يؤد إلى أية نتيجة تذكر.

وما كنا لنطيل النظر في هذه الإجراءات إلا لأن ذلك سيقودنا إلى أزمة شلر الكبرى ولأنها تظهر لنا لأول مرة إرادته وهي تؤكد نفسها، وتبين بصراحة القانون الذي سيسطر على مستقبل حياته، وقد قال هو نفسه في خصوص ذلك (لقد عشت فقيراً معدماً ويائساً) ومع ذلك فذهنه ظل في مكانه محافظاً على مواهبه كما أن موجوديته الحية ظلت صامدة كالطود الأشم، ومن هنا يجب اعتباره أديبا وهو سيبقى كذلك في سجيته وسلوكه وقد قال بهذه المناسبة: (لقد انحلت جميع اتصالاتي السياسية، وأصبح الرأي العام كله لي، أنه دراستي، أنه سيدي، أنه موئلي، وإلى الرأي العام فقط تعود حياتي ولن أقف أمام أية محكمة أخرى، وهذه المحكمة بالذات هي التي أعتبرها وأخشاها. يطوف أمامي الآن خيال من الخيال كلما قررت أن أصفد نفسي بقيود غير حكم العالم، ولن أستأنف حكمي إلا أمام محكمة روح الإنسان) وسنجد في حياته اللاحقة وحدة نبيلة متماسكة بما في ذلك من اختلافات خارجية، كما أن الهيام بالأدب والعزيمة التي تهزأ بالمخاطر لازمتاه طويلا ولم تتركاه وحيداً في نضاله الشريف. فنراه متجولا في العالم ناظراً إليه في مختلف الصور والأشكال والألوان، ونراه كذلك ممتزجا بمسرات الحياة الاجتماعية فيصبح زوجاً وأبا ويجرب مصائر الناس، ولكن الكوكب الساطع الهادي كان قائده الذي أرشده في متاهات شبابه وظل نور هذا الكوكب ساطعاً مدى حياته. وكان شلر في كل العلاقات والأحوال نقيا طاهراً لطيفاً حتى أنه كان قليلا ما يخطئ.

لقد كان هدفه الأعلى بعد الكمال الروحي هو الهيام بالشعر، وهذه العاطفة كانت من القوة والشدة بحيث أصبحت نقية طاهرة وعالية سامية، وكانت مصدر سلوكه الحسن وينبوع شعوره النبيل الفياض. وهذه العاطفة يجب أن تكون لدى الجميع نقية وسامية لأنها - في أي مظهر كان - هي وحدها هدف الإنسان الحق، وهي موبوءة لدى كل لإنسان، لأنها لا يمكن أن تطمس كلية، ولكنها تبقى سلبية عند كثير من الناس، أما البقية من الناس والذين تبلغ فيهم العاطفة هذه مبلغاً كبيراً من الفعالية فسيكونون شعراء قولا أو عملا، وقلما تكون الأهداف السامية بعيدة عن المطامح المبتذلة والأهداف الأرضية التي تشوه هذه المظاهر كلية. فعند شلر إذن كانت هي الهدف الأساسي الذي تتجمع حوله جميع الأهداف الثانوية الأخرى، ولم تكن الشهرة نفسها والتمايز العالمي لعينيه في قليل أو كثير، فسلوكه اللطيف المخلص هو الذي كان يجذب إليه الأصدقاء، وقد كانت حياته المستقيمة المسالمة مدعاة احترام الجميع، والذين عرفوه خير المعرفة أحبوه أشد الحب.

علاقته بجوته

ولعل أهم ظرف أحاط بحياته الأدبية هي علاقته بجوته. . ولو استعملنا تعبيرنا السابق لقلنا: لو فرضنا أن شلر كان قسا لكان جوته مطرانا، وهذا الأخير هو الذي رسمه للكهنوت ومنه حصل على النور القدسي. لقد كانت علاقتهما حدثاً قل نظيره في تاريخ الأدب للأسف الشديد، وكانت علاقتها علاقة خالصة من كل زعل وبعيدة عن كل أنانية كما كانت الحالة بين (سوفت) و (بوب) اللذين كانا يتقاسمان السراء والضراء وتجمعهما رابطة الكبرياء. وقلما يتفق الناس بمثل هذه الأحوال ولأغراض من هذا النوع إذا وزنت في الميزان الاقتصادي ساوت وزن خيوط العنكبوت. ويظهر أن بعض العقبات الدولية وقفت في الطريق كما أن بعض التحامل من قبل الطرفين وقع وكان الواجب يقضي بالتغلب عليه. ولعدد من السنين يكن في الإمكان تقابلهما إما لسبب عرضي أو جوهري، وكانت مقابلتهما الأولى غير مشجعة. يقول شلر في هذه المناسبة: (هذا الاجتماع لم يقلل من الفكر العظيمة التي استحوذت والتي كنت قد كونتها مقدماً عن جوته. ولكنني أشك فيما كنا سنتصل في المستقبل مع بعضنا البعض الآخر اتصالا وثيقا فكثير من الأشياء التي تهمني لم يعد لها أي ذكر لديه، وطبيعته في جملتها وتكوينها في الأصل تختلف عن طبيعتي. كما أن عالمه ليس عالمي. ويظهر أن أساليب فهمنا للأشياء تختلف اختلافا بيناً. وطبيعي أن اتحاداً من هذا النوع لا يمكن أن ينتج ألفة وثيقة ثابتة) ومع ذلك فبالرغم من بعض التحامل الخطير من قبل جوته، إن لم نقل شيئاً من الحسد الوضيع الذي كان من الممكن سيطرته على أي شخص آخر في مثل هذه الظروف نفسها، نقول بالرغم من هذا كله فإن الذي لم يكن محتملا وقع وكانت النتيجة أن توثقت الصداقة بينهما واشتدت الألفة ولم يفرق بينهما غير الموت. وإذا نحن اعتبرنا الوضعية النسبية لكل من الطرفين وسلوكهما في هذه القضية فعلينا أن نعترف أن كلا منهما كانت لا تعوزه الفضيلة الاجتماعية كما أن حب الإيثار كان مستحوذاً عليهما. والحال مع جوته خصوصاً بينة وواضحة، فهو كان أكبر سنا وأعظم الاثنين. . فهو لم ينتظر شيئاً بالمقارنة لما يعطي أما هذه الوحدة الأخوية فيمنعنا ضيق المجال من شرح طبيعتها وبيان تطورها، وهي ستعطينا دليلا آخر تأييداً لما قاله (يونغ ستيلنغ) (بأن قلب هذا الإنسان الذي يعرفه القليلون هو نبيل وصادق كعبقريته التي يعرفها الجميع).

للكلام صلة

يوسف عبد المسيح ثروت