مجلة الرسالة/العدد 1/في الأدب الشرقي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 1/في الأدب الشرقي

صفحات من الشعر الهندي
في الأدب الشرقي
عبد الوهاب عزام
بتاريخ: 15 - 01 - 1933


صفحات من الشعر الهندي

- 1 -

من ديوان رسالة الشرق

لشاعر الهند العظيم محمد إقبال

بقلم الدكتور عبد الوهاب عزام

المدرس بكلية الآداب

محمد إقبال هو شاعر الهند العظيم، وأكبر شعراء الإسلام في عصرنا. درس الفلسفة في إنجلترا وألمانيا وتزود من الفلسفة القديمة والحديثة ما شاء له الذكاء والاجتهاد، وعلم الفلسفة في جامعات الهند سنين كثيرة. وهو اليوم قائد من قادة الأفكار في الهند.

وله من الشعر دواوين عدة بلغ فيها الغاية. نظم واحداً منها باللغة الأردية وسماه (بانك درا) أي صلصلة الجرس. ونظم خمسة بالفارسية وهي:

(زبور العجم)، (وأسرار خودي)، (ورموز بي خودي) (أسرار الذاتية ورموز اللاذاتية)، (يبام مشرق) (رسالة المشرق) وقد جعله جواباً للقصائد المشرقية التي نظمها الشاعر الألماني جوته. وآخرها (جاويدنامه) (الكتاب الخالد).

والقطع المترجمة هنا مأخوذة من (يبام مشرق).

الحياة:

بكى سحاب الربيع في جنح الليل فقال:

إن هذي الحياة بكاء مستمر!

فتلألأ البرق الخاطف أن (قد غلطت. إنها لمحة من الضحك!.) ليت شعري من أخبر البستان بهذا، فهو حديث مستمر بين الندى والورد.؟!

الله والإنسان:

الله خلقتُ العالم من ماء واحد وطينة واحدة، فخلقتَ انت الفرس والتتار والزنج. خلقت من التراب الحديد، فخلقت انت السيوف والسهام والمدافع، وخلقتَ الفأس لأغصان الشجر والقفص للطائر الغرّيد.

الإنسان

خلقتَ الليل فخلقتُ المصباح. وخلقتَ الطين فخلقتُ الآنية: خلقتَ الصحارى والجبال والرُّبي فخلقتُ الجنات وحدائق الورد والطرق المشجرة.

أنا الذي صنع المرآة من الحجر!.

وأنا الذي صنع الدواء من السم!.

اليراعة:

سمعت اليراعة تقول: لستُ كالنملة ينال الناس أذاها.

ولستُ كالفراشة، فأني اشتغل ولا احمل منَّة لأحد. إذا صار الليل اشد حلكا من عين الظبي أنرت بنفسي لنفسي الطريق!!.

الحقيقة:

قالت العقاب بعيدة الرأي للعنقاء: أن الذي يراه ناظري سراب! فأجاب ذلك الطائر: أنت ترين. ولكني أعلم أنه ماء. فارتفع صوت السمكة من لجة البحر: أجل يوجد شيء وهو في هياج واضطراب!!. .

الحكمة والشعر:

ضل أبو علي في غبار الناقة، وأخذت يد الرومي بستر المحمل!

هذا غاص حتى ظفر بالجواهر، وذاك دار مع الغثاء على وجه الماء.

الحق إن لم تكن فيه حرقة فهو حكمة. وإنما يصير شعراً حين يقبس من نار القلب!. .

الوحدة:

ذهبت الى البحر فقلت للموج المصطخب: أنت في طلب دائم فما خطبك؟ في جيبك آلاف اللآلئ، فهل في صدرك كما في صدري، جوهر من القلب!. .

فاضطرب وجزر عن الشاطئ ولم يحر جواباً!.

ذهبت إلى الجبل فسألت ما هذا القرار؟ ألا ينال مسمعك آهات المحزونين وصيحاتهم؟! أن يكن العقيق في أحجارك قطرات من الدم فحدثني فأني مُرَزّأ.

فانقبض وصمت ولم يحر جواباً!.

قطعت طريقا سحيقا وسألت القمر: يا جوّاب الآفاق! هل قدر لك منزل لم يوجد؟ العالم من شعاع وجهك حديقة من الياسمين. فهل نور شامتك من تجلي قلب لا يوجد؟

فرأى رقباء بين الأنجم ولم يحر جواباً!.

تخطيت القمر والشمس وصرت الى حضرة الخالق. قلت ليس في عالمك ذرة واحدة تعرفني! العالم خلو من القلب، وأنا، هذه القبضة من التراب كلها قلب!. المرج جميل، ولكنه ليس كفء نغماتي.

فتبسم ولم يحر جواب!.

الحور والشاعر:

جواب منظومة جوته (المسماة الحور والشاعر)

الحور:

لا ترغب في الخمر ولا ترفع بصرك إليَّ. عجيب انك لا تعرف طرائق الصحبة!

هذه الأنفاس التي تصهرها والغزل الذي تغني به كلها نغمة الطلب وكلها حرقة الأمل.

أي عالم من الجمال خلقتَ بألحانك؟ فهذه إرم تلوح لي كطلسم من السيمياء.

الشاعر:

تخدعن قلوب السائرين بكلام لاذع، ولكن لذته لا تبلغ وخزة الشوك! ماذا أصنع؟ أن فطرتي لا تسكن الى المقام وان له لقلبا قلقا كالصبا بين الحدائق!

كلما اطمأن ناظر الى وجه جميل خفق قلبي وراء وجه أجمل.

إني أريد من الشرر نجماً، ومن النجم شمساً. لا أبغي منزلا فان موتي أن أقرَّ. كلما تناولت قدحا من حميا الربيع قمت فأنشدت غزلاً آخر مشوقا الى ربيع جديد. إنما أطلب غاية الذي لا غاية له بعين لا تصبر، وقلب دائم الرجاء. تموت قلوب العشاق بجنة الخلد لا بألحان الألم والغم، والمؤاساة.

نسيم الصبح:

آتي من صفحات البحار وقمم الجبال، ولكني لست أدري من أين أهب!.

أبلغ الطائر المحزون رسالة الربيع، وأنثر في منزله فضة الياسمين.

وأتقلب في المرج، والتف على أغصان الشقائق، فأبعث من مسامها اللون والرائحة. وأتعلق رفيقا رفيقاً بأوراق الورد والزهر حتى لا تنوء أغصانها بجولاتي!.

وإذا رأيت شاعرا هاجه غم العشق خلطت بنغماته نفساً بعد نفس.

الصقر والسمكة:

قالت سمكة صغيرة لفرخ الصقر:

ان كل ما ترى من سلاسل الأمواج هو البحر. فيه وحوش أشد زمجرة من الرعد القاصف. وفيه صنوف الأهوال ظاهرة وخفية. وفيه السيول جائشة تقلع الصخور، وتغشى كل شيء. وفيه جواهر متلألئة ولآلىء نيرة. وليس الى الخروج منه سبيل! هو فوقنا وتحتنا وفي كل مكان. هو أبد الدهر فتى مائج متلاطم. لا يناله من دوران الأيام زيادة ولا نقص.

اتقد وجه السمكة بحرقة الحماسة، فضحك فرخ الصقر، وارتفع من الساحل الى الدوح وصاح: أنا الصقر فمالي وللأرض؟ أن الصحارى، وهي بحار، تحت أجنحتنا. دع الماء وتعوّد سعة الهواء. حكمة لا تدركها الا العين البصيرة.

العشق:

هذه الكلمة الآخذة بالقلوب، والتي هي سر وليست بسر. أنا أخبرك من سمعها وأين سمعها؟

أسترقها الندى من السماء فأوحاها الى الورد، وسمعها عن الورد البلبل، ونثَّتها عن البلبل ريح الصبا.

حداء

(نغمة حادي الحجاز)

يا ناقتي الخطارة ... وظبيتي المعطارة

وعدَّني والشارة والمال والتجارة ... ودولتي السيارَة

حُثي الخُطى قليلاً ... منزلنا قريب!

جميلة الرواء ... مطربةُ الرغاء

محسودةُ الحوراء ... وغيرةُ الحسناء

بُنيَّةَ الصحراء!

حُثي الخُطى قليلاً ... منزلنا قريب!

كم غصتِ في السراب ... في وقدة اليباب

وسرتِ لم تهابي ... في الليل كالشهاب

والنوم عنك نابي

حُثي الخُطى قليلاً ... منزلنا قريب!

قطعة غيم غادي ... سفينة الروَّاد

كالِخضر في البوادي ... تمضين في سداد

فلذة قلب الحادي!

حُثي الخُطى قليلاً ... منزلنا قريب!

حرقتك الزمام ... وسيرك الأنغام

يتعبك المقام ... لا الجوع والأوام

والسفر المدُام

حُثي الخُطى قليلاً ... منزلنا قريب!

ممسيةٌ في اليمن ... مصبحة في قَرن

ترين حزَنْ الوطن ... كالخز تحت الثفن

إيه غزال الختن!

حُثي الخُطى قليلاً ... منزلنا قريب!

بدر السماء نعسا ... خلف التلال خنسا

والصبح قد تنفسا ... مزَّق هذا الغلسا

والريح تزجي نفسا حُثي الخُطى قليلاً ... منزلنا قريب!

لحني دواء السقم ... والروح ملء نغمي

يحدو الركاب كلمى ... من جارح وبلسم

هلم بنتَ الحرم!

حُثي الخُطى قليلاً ... منزلنا قريب!