مجلة الرسالة/العدد 1/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 1/القصص

مجلة الرسالة - العدد 1
القصص
طه حسين
بتاريخ: 15 - 01 - 1933


على هامش السيرة[عدل]

حفر زمزم[عدل]

للدكتور طه حسين

- 1 -

كان عبد المطلب سمح الطبع رضي النفس سخي اليد حلو العشرة عذب الحديث. وكان عبد المطلب أيضاً قوي الإيمان،نص مائل تملك قلبه وتسيطر على نفسه نزعة دينية حادة عنيفة، ولكنها غامضة، يحسها ويخضع لها، ولكنه لا يتبينها ولا يستطيع لها فهما ولا تفسيراً. أبوه من مكة حيث التجارة والثروة، وحيث المكر والدهاء، وحيث الوثنية السهلة التي لا تحرج فيها ولا مشقة. وأمه من يثرب حيث الزراعة والصناعة اليسيرة، وحيث اليهودية تجاور الوثنية فتضعفها وتنقص من ظلها وتكاد تمحوها، وحيث الأخلاق اللينة والشمائل الحلوة وحيث الظرف ونعومة الحياة.

ولد في يثرب ومات عنه أبوه فلم ينقله الى مكة فنشأ بين أخواله وتأثر بحياتهم وتخلق بأخلاقهم وسار سيرتهم حتى بلغ الشباب أو كاد، ثم أقبل عمه فأنتزعه من إقليمه السهل الهين الى إقليم أخر صعب عسير، تجدب فيه الأرض ولا تبتسم له السماء الا قليلا. يرحل أهله الى الآفاق. فهم يأخذون من الناس ويعطونهم ويبادلونهم الأخلاق والشمائل كما يبادلونهم المنافع وعروض التجارة، ولعل أخلاق يثرب وخصال مكة قد اختصمت في نفس هذا الغلام، ولعل اختصامها قد طال، ولعل اختصامها قد قصر. ولكنها على كل حال قد انتهت إلى شيء من الاعتدال آخر الأمر. فلم يكتمل الفتى شبابه حتى كان فتى من قريش، ولكنه يمتاز من بقية فتيان قريش. فيه ذكاؤهم وفطنتهم وفيه إباؤهم وعزتهم ولكن. فيه دعة لم تكن مألوفة عندهم، وفيه شدة في الدين قلما كانوا يرضونها أو يبسمون لها. على أن خصلة أخرى ميزته منهم أشد التمييز، فلم يكن يصدر في حياته، كما كانوا يصدرون عن الروية والتفكير وطول التدبر، وإنما كانت تدفعه الى العمل والاضطراب في الحياة قوة خفية يحسها ويأبى عليها ويغلو في الإباء، ولكنه يضطر الى أن يذعن لها ويصدع بأمرها، وكانت هذه القوة تصدر إليه أمرها في أشكال مختلفة، تدفعه الى العمل حينا، وكأنها إرادته الخاصة قد ملكت عليه حسه وشعوره؛ فهو لا يستطيع عنها انصرافاً ولا يملك لها خلافاً. وتتمثل له حيناً آخر شخصاً واضح المخايل بيّن الصورة، يلم به إذا إشتمله النوم فيأمره أن يأتي كذا وكذا من الأمر. وتنتهي إليه مرة ثالثة صوتاً رفيقاً ولكنه ملحّ يملأ أذنيه بقظان، ويملأ أذنيه نائما يحثه على أن يأتي كذا وكذا من الأمر، وكان في هذا الصوت غموض، وكان في هذا الصوت إبهام، وكان في هذا الصوت جلال مصدره هذا الغموض والإبهام، وكان الفتى ينكره ويرتاع له، وكان الصوت يغمره ويلح عليه. وكان الفتى يخاف هذا الصوت ويهواه، وكان الصوت يتجنب الفتى حتى يؤيسه من نفسه، يلم به فيكثر الإلمام. ولم يكن هذا الصوت يقع في أذن الفتى بألفاظ كالتي تقع في آذان الناس إنما كان يصطنع ألفاظاً خاصة غريبة الجرس غريبة المعنى.

كانت إليه رفادة الحاج وسقايته بعد عمه المطلب، فكان يطعم الناس إذا حجوا البيت ويسقيهم، يجمع لهم الماء في أحواض من الأدم، وكان يجد في جمع هذا الماء لسقاية الحجيج جهداّ وعسراّ، فبينما هو نائم ذات يوم أو ذات ليل، أتاه آت رأى شخصه ولم يتبين له إسماً ولا شكلاً وقال له في صوت رفيق غريب فيه أنس وفيه وحشة: احفر (طيبة) قال. وما طيبة؟ فأنصرف الشخص وأنقطع الصوت، وأفاق الفتى وفي نفسه ذعر وعجب وأمل. وحاول أن يعود الى النوم لعله يرى هذا الشخص، أو يسمع هذا الصوت أو يتبين هذا الحديث ولكن النوم كان قد خاصم عينيه وأنصرف عنه مع هذا الشخص الغريب، ففكر وأطال التفكير، وقدّر وأطال التقدير، وتقلب في مضجعه فاكثر التقلب، حتى ضاق بالنوم واليقظة وسئم مضجعه. فجلس يرقى ببصره الحائر الى السماء لعل شمس النهار أو نجوم الليل تفسر له هذه الرؤيا، ويخفض بصره الى الأرض لعله يجد في إطراقه تفسير هذه الرؤيا، ويمد بصره نحو الكعبة لعل صنما من هذه الأصنام المنصوبة يوحي إليه بتعبير هذه الرؤيا. ولكن السماء صامتة والأرض ساكنة وعلى أصنام الكعبة شيء كأنه الوجوم، فيرتد الى الفتى بصره متعباً مكدودا، وتهوى نفسه الى قرارة ضميره لعلها تجد لهذا الرمز تأويلا، فلا تجد شيئا، فيشتد بها الذعر ويزداد فيها العجب، ويبقى لها الأمل. وينهض الفتى فيضطرب مع الناس فيما يضطربون فيه من أمور الحياة.

ثم يقبل الليل ويأوي الفتى إلى مضجعه، وقد أنسى كل شيء الا أنه قد مشى كثيراً وأجهد نفسه كثيرا، وأنه أشد ما يكون حاجة الى أن يبسط عليه النوم جناحيه. ها هو ذا مغرق في نوم هادئ مطمئن، قد هدأ من حوله كل شيء واطمأن في نفسه وجسمه كل شيء. ولكن ما هذا الشخص الغريب يقبل ساعيا إليه في أناة، حتى إذا دنا منه قال له في صوت رفيق غريب فيه أنس وفيه وحشة (احفر بَرَّةَ) وجسم الفتى هادئ مطمئن ولكن نفسه ثائرة مضطربة، ولسانه يتحرك في ثقل وصوته ينبعث من بين شقتيه خفيفا رقيقا بهذه الكلمة (وما برة؟) فينصرف الشخص وينقطع الصوت، ويفيق النائم وجلاً مذعوراً معجباً آملاً، ويفكر ويقدر ويتقلب. ثم ينهض فيسأل السماء ولكنها صامتة! ويسأل الأرض لكنها ساكنة! ويسأل أصنام الكعبة ولكنها مغرقة في البله والوجوم! ويضيق الفتى بنفسه وبالسماء والأرض والأصنام فيهيم على وجهه يلتمس في الحركة والاضطراب نسيان هذا الطائف الذي يفزعه ويغريه. ثم يعمل الناس في أمور الحياة، وينقضي النهار بخيره وشره وحلوه ومره، ويقبل الليل شيئاً فشيئاً فيبسط أرديته السود على ما يحيط بمكة من جبال وآكام وما يزال يمد في هذه الأردية حتى يغمر كل شيء ويستر كل شيء لولا هذه المصابيح الضئيلة التي تشب في الأرض، وهذه النجوم القليلة التي تضطرب في السماء. وقد سمر الفتى مع السامرين فسمع أحاديث التجار عن غرائب الأقطار، هذا يحدث عن قصور بصرى وعظمتها وهذا يحدث عن الخورنق والسدير وهذا يذكر غمدان، وهذا يصف أخلاق اليمانين ومكرهم بالتجار وهذا يتحدث عن سذاجة أهل الشام وانخداعهم لغربان العرب، وهذا يذكر ما أفاد من ربح حين باع الأدم في الحبشة، وهذا يذكر في القوم ما حمل لهم من خمر بيسان، وهم في أثناء هذا كله يتندرون على العجم والأعراب، ويتفكهون بأحاديث أولئك وهؤلاء؛ ويسخرون من أولئك وهؤلاء. حتى إذا تقدم الليل واطمأن كل شيء تفرقوا، ونهض الفتى ثقيلا فمشى الى بيته متباطئا يود لوفّر من النوم، ويود مع ذلك لو نام فألم به هذا الطيف. أنظر إليه! أنه ليتردد أيقذف بنفسه في أمواج النوم هذه التي تتمثل أمام عينه. لم يبق على الشاطئ يقظان يداعب النوم ولا ينام ليتردد ما استطاع، ليمتنع على النوم ما وسعه الامتناع، فان هذه الأمواج المصطخبة أمامه، تستطيع أن تطغي على الشاطئ فتغمره، وتغمر معه كل شيء. وكيف يستطيع هذا الفتى أن يمتنع عليها وما استطاعت أن تمتنع عليها جبال مكة هذه التي تحيط بها من كل ناحية! أنظر أترى حركة؟ اسمع! أتحس نبأة؟ كل شيء هادئ! كل شيء مطمئن! فما نبوُّك وما امتناعك؟ هلم الى النوم لا تخف شيئاً! أن هذه الأمواج تريح ولا تغرق، اقبل الى هاتين الذراعين اللتين تمتدان إليك فستنس بينهما كل شيء، ومن يدري لعلك تجد بينهما شفاء لنفسك الحائرة! وأطبق الفتى جفنيه وأندفع أمامه فاشتملت عليه أمواج النوم كما اشتملت على غيره من الناس والأشياء. ولكن ماذا؟ هذا شخص يتقدم ساعياً هادئاً كأنه عش على الهواء، حتى إذا دنا يمشي من الفتى قال في صوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة (أحفر المضنونة) جسم الفتى هادئ، ولكن صورة من الحيرة قد ارتسمت على جبهته، وهذا صوت خفيف رقيق ينبعث بين شفتيه وهو يقول: ما المضنونة؟ فينصرف الشخص وينقطع الصوت، ويفيق الفتى مذعوراً مأخوذاً، قد أظلم في نفسه كل شيء، وأحاط اليأس بعقله وقلبه وضميره. لا يرتفع بصره الى السماء ولا ينخفض الى الأرض، ولا يمتد إلى أصنام الكعبة، ولكنه يدور حائراً! وينهض الفتى وهو يقول: ما أرى الا أني سأجن! لئن أصبحت لآتين الكاهن، فلعلي أجد عنده من هذا العارض شفاءً.

أقبل أيها الصبح أسرع في الخطو، إرفق بهذه النفس الحائرة، هلم الى سوطك المشرق المضيء، فبدد به هذه الأشخاص المائلة، فرِّق به هذه الظلال المضطربة من حولي. ويقضي الفتى ليلا طويلا ثقيلا، حتى إذا كست الشمس بضوئها النقي ظواهر مكة وبطاحها أسرع الفتى الى المسجد يريد أن يقص أمره على الكاهن. ولكنه لا يكاد يبلغ مجالس قريش في فناء المسجد، حتى تذهب عنه حيرته ويفارقه وجومه، ويمتلئ قلبه اطمئناناً وثباتاً؛ ماذا؟ أأزعم للكاهن أني مجنون وتشيع في هذه المقالة ويضحك مني حرب بن أمية ولداتُه ويتندر عليَّ فتيان مخزوم؟ كل، ما أكثر هذه الخيالات التي تسكن الى نفسها في قبور الموتى! وتختبئ في الكهوف والأغوار ما أضاءت الشمس، واستيقضت الطبيعة. فإذا أظلم الليل ونام الكون انتشرت هذه الخيالات في الجو فمنها ما يصعد في السماء يرعى النجوم، ومنها ما يهبط الى الأرض يروِّع الناس. وما أرى أن هذا الطائف الذي يؤرقني منذ ثلاث إلا خيالاً من هذه الخيالات لعله ظل ميت من موتى قريش قد أنسيه قومه فهم لا يزورونه، ولا يقربون إليه لعله شيطان من هذه الشياطين التي تلح على الأنس فتتقاضاهم الطاعة وتخضعهم لسلطانها كرهاً. لعله نذير من أحد الآلهة يطالب بالضحية والقربان، لقد مضت أيام ولم تقدم الى الآلهة شاة ولم ينحر لهم جزور، ولم تصطبغ أرض المسجد بهذا الدم الحار القاني الذي تحب الآلهة لونه ورائحته. إيه يا عبد المطلب، تقرب الى الآلهة بضحية ترضيهم لعلهم يرضون، ولعلهم يكفون عنك هذا الشر! وأقبل الفتى على مجلس من مجالس قريش، فتحدث وسمع ولكنه كان شارد النفس فلم يطل الحديث ولا الاستماع ونهض مولياً، فلما انصرف عن القوم قال حرب بن أمية لمن حوله أرأيتم إلى سرى بني هاشم، أني لأراه محزوناً، أني لأعرف في وجهه الهم، لم يحدثنا اليوم عن مآثر أبيه ومفاخر عمه.

ومضى الفتى الى أهله، فلما دخل على امرأته أنكرت عودته إليها من الضحى، فاستقبلته دهشة وهي تقول: إيه يا شيبة ما خطبك؟ أني لأنكرك منذ أيام. أراك مؤرق الليل، قلق النهار، قليل الحديث، طويل التفكير. ولقد هممت أن أسألك مرات، ولكني خشيت ردَّك علي وانتّهارك لي. فأني لأعلم فيكم معشر قريش رقة للنساء، ودعابة معهن. ولكني لا أجد عندك ما أجد عند قومك، فأنت صامت إذا خلدت إلى أهلك، وأنت مقطب الجبين أن أظلك معهم سقف. تحدث ما يحزنك؟ اخرج عن هذا الصمت الذي لزمته، كن رجلاً من قريش، أشرك أهلك فيما يعنيك، لقد أذكر يوم أنبأني أبي أنك خطبتني إليه، لقد فرحت بهذا النبأ، لقد كنت أتحدث الى أترابي في البادية بأني سأصبح امرأة من قريش، أجد من نعمة الحياة ولينها ومن ظرف الزوج ورقته ما لا يجدن تحت خيام بني عامر بن صعصعة، ولكني وجدت نعمة وليناً، ووجدت حباً وعطفاً، ووجدت عناية لا تعد لها عناية، ولم أجد أحب ما كنت أطمح إليه، لم أجد منك ابتسام الثغر، ولا انبساط الجبين، ولا انطلاق اللسان. قالت ذلك وأنتظرت هنيهة. فأجابها زوجها بصوت هادئ حزين. عزيز علي يا سمراء ما تجدين من حزن، وما تحسين من خيبة الأمل. أني لأحبك كما يحب الضمآن ما ينقع غلته من الماء العذب. أني لآنس إليك أنسا يزيل عن نفسي كل هم ويحبب ألي الحياة ويرغبني فيها. أني لأشتاق إلى التحدث إليك والاستماع لك والأنس بك، ولو خيرت لما عدلت بمجلسك مجلس قريش ولا ببيتك فناء المسجد ودار الندوة. ولكن، قوة خفية عاتية طاغية تملك عليَّ نفسي وتأخذ عليَّ كل سبيل وتدفعني الى حيث لا أدري ولا أريد. أبه يا سمراء، أني لمؤرق الليل، قلق النهار مفرق النفس منذ ليالي، وأني لأخشى على نفسي شراً. هذا طائف يلم بي إذا أغرقت في النوم فيأمرني بصوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة أن أحفر شيئاً يسميه طيبة ويسميه برة ويسميه المضنونة، فإذا سألته عما يريد أنصرف شخصه وأنقطع صوته، وأفقت حائراً مذعوراً. لقد هممت يا سمراء أن أقص رؤياي هذه على الكاهن، وأن أصف له ما أرى وما أجد، ولكني أشفقت أن يتحدث الناس عني أني مجنون، أو أن يتندر بي فتيان قريش فيقولوا: أن له رَئِيَّا من الجن. أشيري ماذا ترين؟ قالت سمراء: هِوِّن عليك ولا تغل في الخوف ولا تسرف في الإشفاق، ما أكثر ما يلم أمثال هذا الطيف بالناس عندنا في البادية، فلا يحفلون ولا يأبهون، ومع ذلك فما يمنعك أن تتقرب أنت إلى الآلهة في غير توسط للكاهن، ولا توسل به، قم فضح لهم وقرب إليهم فسيرضون، وسيرضى الفقراء والجائعون، وسيغيظ ذلك قوما من قريش.

وما هي الا ساعات حتى كان فناء المسجد يموج بالناس، فيهم الفقراء، قد أقبلوا من البطاح والظواهر. وفيهم الأغنياء قد أقبلوا يقدمون الضحايا بين أيديهم. هؤلاء يتنافسون أيهم يغلي الضحايا ويكثر منها. وأولئك ينتظرون ويمنون أنفسهم بغريض اللحم وجيده، لقد سمعوا بأن عبد المطلب يريد أن يضحي، وان بني هاشم قد حفلت لذلك، فكرهت أمية أن لا تفعل فعلهم وكرهت مخزوم أن تسبقها عبد مناف، فأقبل أشراف قريش يستبقون في التضحية، ويتنافسون في القربان! تنافسوا. تنافسوا أيها الأشراف! استبقوا أيها الأغنياء! فان في ذلك شبع الفقراء وسعادة الأشقياء.

وقضت مكة يوما دامياً سمينا، كثر فيه الطعام وكثر فيه الشراب ورضيت فيه الأصنام، وسعد الفتى بما رأى، ونسى الفتى ما كان يهمه وينغصه، وقدر الفتى أن قد صرف عنه الشر ورد عنه المكروه، ورضيت سمراء. فتحدثت كثيراً، وسمعت كثيرا وأضحكت زوجها وابنها الحارث بملح الأعراب، ونوادر البادية. وقالت لزوجها وهي تمسح رأسه: أحبب إليَّ بهذا الطائف الذي أرقك وأضناك، فقد حقق أملي وأراني ما كنت أطمح إليه. ورسم في قلبي صورتك جميلة خلابة، فلن أراك منذ اليوم (مهما تكن الخطوب) إلا باسم الثغر، منبسط الجبين، منطلق اللسان. وهل السعادة إلا لحظات قصار، تصيبنا ولم ننتظرها ولم نقدر لها حسابا! فما أسعد القلب الذي يحتفظ بهذه اللحظات حين تمر، ويتخذها ذخراً للأيام، وما يعرض فيها من الخطوب. قال عبد المطلب: إذن فأنت راضية يا سمراء أن رضاك ليقع من نفسي المحزونة موقع الماء من الأرض المجدبة. انعمي بما أنت فيه، وأنتظري أن يقدر الله لك خيراً منه. فلو قد صرفت عني هذه القوة العاتية الطاغية لأريتك يا سمراء كيف تطيب الحياة، وكيف ترق حواشي العيش.

وأوى الفتى إلى مضجعه راضياً مسروراً، واستقبل النوم مبتهجا له راغباً فيه، ولكن هذا الشخص يقدم عليه ساعيا في هدوء، كأنما يمشي في الهواء، حتى إذا دنا منه انحنى عليه، ووضع على جبهته يداً باردة خفيفة، وقال في صوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة. احفر زمزم. واضطرب جسم الفتى كله واضطربت نفس الفتى كلها وأنفتحت شفتاه عن هذه الكلمة: وما زمزم؟ قال الطيف بصوت رفيق مؤنس، قد فارقته الغرابة والوحشة ومازجته سخرية ورحمة. (لا تُنْزَح ولا تذَم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم) قال الفتى: (الآن قد وعيت) فتولى عنه الطيف باسما وهو يقول: (الله أنتم أيها الناس لا يكفيكم الوحي، ولا تفقهون إلا سجع الكهان. رويداً عما قريب سيضئ الصبح) ونهض الفتى مبتهجاً مسرورا. فلما أصبح دخل على سمراء مشرق الوجه مضيء الأسارير. قالت وهي تسعى إليه: أيهما أحب إلى نفسي إشراق وجهك أم إشراق الشمس؟ ما أرى إلا أنك قضيت ليلا هادئا. قال: أنعمي صباحا يا سمراء لقد طابت الحياة منذ اليوم، أن هذا الطائف الذي يلم بي منذ ليالي، طائف خير يأتي بالنعمة والغيث، انه يأمرني أن إحتفر في فناء المسجد بئرا، فلأفعلن منذ اليوم، ولئن ظفرت بها ليشربن الحجيج في غير جهد ولا عسر. هلم يا حارث خذ معولا ومكتلا ومسحاةً واتبع أباك. ويتبعنه الماء إلى عرفات. .