مجلة البيان للبرقوقي/العدد 62/رواية تاجر البندقية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 62/رواية تاجر البندقية

مجلة البيان للبرقوقي - العدد 62
رواية تاجر البندقية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 11 - 1921


تأليف وليم شاكسبير

الفصل الثاني

المنظر الثاني

شارع بفينسيا

يدخل لانسيلوت

لانسيلوت - حقا إن ضميري لينهاني أن أهرب من هذا اليهودي مولاى ولكن الشيطان يوسوس لي حثا وتحريضا قائلا ليأي جوبو. أي لانسيلوت جوبو. أيها الطيب الكريم لانسيلوت جوبو امتط رجليك وتحفر وفر فرارا ثم يعاودني ضميري بقولهكلا. بل اتئدوترو يا لانسيلوت الصادق الأمين. تبصر وتدبر يا لانسيلوت الأمين الصادق. لا تهرب احتقر الهرب أشد احتقار ثم يراجعني الشيطان الباسل الشجاع فحثني على الرحيل قائلااذهب لا أبالك! حرك عزيمتك وأيقظ همتك واهرب فينثني إلي الضمير مستثيرا بالحض والإغراء عزيمة قلبي مسديا إلي أحكم النصيحة بقولهأي لانسيلوت يا صاحبي الأمين أما أنت سليل رجل ماجد - بل سليل امرأة ماجدة فلا تبرح مكانك ويقول الشيطانابرح مكانك ويعيد الضمير قولتهلا تبرح مكنك فأجيب قائلا أيها الضمير حبذا نصيحتك وأيها الشيطان ما أحسن نصيحتك فإتباعا لضميري يجب علي البقاء مع مولاي اليهودي وهو - حماك الله - صنف من الشياطين. وفي فراري من اليهودي طاعة للشيطان - وقالك الله - إبليس نفسه. ولا مشاحة في أن اليهودي هو إبليس مجسد. وفي اعتقادي وضميري أن ضميري ليقسو علي غلظة وفظاظة إذ ينصح لي بالبقاء مع اليهودي. ولذلك أرى الشيطان أكرم نصحا وأبر إرشادة. فيا أيها الشيطان لأهربن عملا بنصيحتك. فاعلمن أن قدمي رهن إشارتك. نعم سأهرب

(يدخل الشيخ جوبو والد لانسيلوت)

جوبو - سيدي الشاب. أين بالله منزل السيد اليهودي؟ لانسيلوت (جانبا) يا الله! هذا أبي الذي ولدني ونماني! وأراه للذي به من العمى وما فوق العمى لا يعرفني. سأرهقه تحييرا وتضليلا.

جوبو - سيدي الشاب أين بالله منزل السيد اليهودي؟

لانسيلوت - عرج يمينا لدى أول منعطف ثم عن يسارك عند تالي منعطف. وعند ثاني منعطف مباشرة لا تعرج لا يمينا ولا يسارا ولكن عرج منحدرا غير مباشر نحو منزل اليهودي.

جوبو - وحق أولياء الله القديسين إنها السبيل أشق من أن يهتدى إليها. أتعرف يا فتى هل ذلك الغلام المدعو لانسيلوت القاطن في دار اليهودي لا يزال يقطن هناك؟

لانسيلوت - أتعني السيد الصغير لا نسيلوت (جانبا) الق إلي بالك الآن. لأثيرن اللحظة زوبعة - أتسألني عن السيد الصغير لانسيلوت.

جوبو - ليس بسيد وإنما ابن رجل صعلوك فأبوه - وإن كان هذا القول صادر مني - رجل على فرط صعلكته أمين وفي كفاف من العيش.

لانسيلوت - دعنا من ذلك وليكن أبوه كما يشاء إنما نتكلم عن السيد الصغير لانسيلوت.

جوبو - لانسيلوت فقط وليس كما تقولالسيد لانسيلوت.

لانسيلوت - ولكني أرجوك لهذا السبب يا أيها الشيخ - ولهذا السبب أرجوك وأتوسل إليك - فقل لي أتسألني عن السيد الصغير لانسيلوت؟

جوبو - عن لانسيلوت إذا مننت وتفضلت يا سيدي.

لانسيلوت - إذن فالسيد لانسيلوت. لا تذكر السيد لانسيلوت يا والدي لأن الفتى بحكم الأقدار والأقضية وما لا تزال تلوكه أفواه المتشاعرين من أمثال قولهم (الأخوات الثلاثة: ملائكة القدر - قد قضى نحبه أو كما تقول أنت باللغة البسيطة قد مات).

جوبو - لا قدر الله. لقد كان الغلام عماد هرمي ودعامة شيخوختي.

لانسيلوت - (على حدة). أفي هيئتي ما يشبه القضيب أو العمود أو العصا أو الدعامة؟ أتعرفني يا والدي؟

جوبو - واأسفاه. أنا لا أعرفك أيها الشاب ولكن ألا تخبرني عن بني - أراح الله قلبك - أميت هو أم حي؟

لانسيلوت - ألا تعرفني يا والدي.

جوبو - واأسفاه يا سيدي. إني لأوشك أن أكون أعمى. كلا لا أعرفك.

لانسيلوت - بل لو بقي لك بصرك لأوشكت أن لا تعرفني أيضا. فرحم الله امء عرف ولده وفلذة كبده. مهلا يا والدي سأنبئك الأنباء عن نجلك. باركني (يركع موليا الرجل ظهره) لابد أن يبرح الخفاء ولا يلبث المحجوب طويلا حتى يظهر. وقد يطول احتجاب الولد عن أبيه ولكن لا بد أن تظهر الحقيقة في النهاية.

جوبو - انهض بالله يا سيدي أنا على يقين من أنك لست ابني لانسيلوت.

لانسيلوت - بالله عليك ألا ما تركت هذا الحمق والعبث - ثم باركتني. فأنا غلامك سالفا ونجلك حاضرا ووليدك مستقبلا.

جوبو - ما أحسب أنك ولدي.

لانسيلوت - لا أدري كيف أفهم ذلك ولكني لانسيلوت غلام اليهودي وأعلم يقينا أن زوجتك مارغريت أمي.

جوبو - اسمها حقا مارغريت. أقسم لو كنت لانسيلوت لكنت إذن دمي ولحمي. لله مزيد الحمد والثناء! ما أعظم لحيتك! لذقنك والله أكثف شعرا من ذيل حصاني دوبين.

لانسيلوت - (ينهض) يظهر إذن أن ذيل دوبين ينمو إلى الوراء. أنا واثق أن ذيله كان أغزر شعرا من وجهي حين آخر عهدي به.

جوبوـ يا الله! شد ما تغيرت! كيف حالك مع سيدك؟ لقد جئته بهدية على أية حال من الوفاق أنتما؟

لانسيلوت - بخير. يخير. ولكني إذ كنت قد أقلقت راحتي ابتغاء الفرار فلن أخلد إلى راحتي قد جريت شأوا. إلاأن مولاي يهودي عريق في اليهودية. تقدم إليه هدي! بل قدم إليه حبلا ليشنق نفسه. لقد هلكت جوعا في خدمته حتى لتستطيع أن تعد أضلاعي. لقد سرني قدومك يا أبتاه. هبني هديتك أقدمها إلى سيد يدعى باسانيو لا يزال يمنح الخلع الجديدة النادرة. فإذا لم أوفق إلى الالتحاق بنفره وخدامه فلأذهبن في فضاء الله إلى آخر الدنيا. يا لحسن الحظ لقد جاء الرجل. هلم إليه يا أبت. لفئن أقمت في خدمة اليهودي بعد الآن لحظة لأكونن يهوديا مثله.

(يدخل باسانيو مع ليوناردو)

وأتباع آخرون باسانيو - لك أن تفعل ذلك. وإنما يكون ذلك ممن السرعة بحيث تستطيع أن تهيأ العشاء الساعة الخامسة على الأكثر. ثم ابعث بهذه الرسالة وجهز الأكسية. وسل جراشيانو أن يوافيني في منزلي.

(يخرج أحد الخدم)

لانسيلوت - إليه يا أبي.

جوبوـ بارك الله فيك يا مولاي!

باسانيوـ شكرا لك. ألك إلي من حاجة أقضيها؟

جوبوـ هاك ابني يا موي صبي مسكين -

لانسيلوت - لست بصبي مسكين يا مولاي ولكني غلامي اليهودي الغني. وأود يا سيدي كما سيخبرك أبي ـ

جوبوـ إنه له يا مولاي لشغف شديدا بالخول في خدمة -

لانسيلوت - قصارى الأمر هو أني في خدمة اليهودي وأني راغب كما سينبئك أبي -

جوبو - إنه أصلح الله مولاي ليس على تمام وفاق مع سيده -

لانسيلوت - قصارى الأمر ولباب الحقيقة هو أنه لما كان اليهودي قد ضامني واهتضمني فلقد حملني بعمله هذا كما سينبئك أبي الذي يدفعه إلى إنبائك بذلك كونه شيخا هرما كما أود -

جوبوـ ومعي ها هنا صحن حمام أحب أن أهديه إلى جنابك وبغيتي لديك هي

لانسيلوت - خلاصة القول أن هذه البغية لا شأن لي بها كما ستعلم من هذا الشيخ الهرم الأمين. وهو وإن صرحت بذلك وبالرغم من كونه شيخا هرما - رجل مسكين والدي هذا -

باسانيوـ يتكلم واحدا منكما عن كليكما: ماذا تريدان؟

لانسيلوت - أن اكون خادما لك يا مولاي.

جوبو - هذه آفة الأمر يا سيدي.

باسانيو - إني أعرفك جيدا. لقد أدركت حاجتك. فلقد كلمني سيدي شيلوك في شأنك اليوم فاستصوب لك أن تلحق في خدمتي - إن صح أن يعود استصوابا انصرافك عن خدمة يهودي غني إلى خدمة فقير مثلي.

لانسيلوت - أرى المثل القديم قد صح انقسامه قسمة عادلة بين سيدي شيلوك وبينك يل مولاي. فقد استأثرت من دونه برضوان الله وذهب هو بالثراء.

باسانيو - لقد أعربت وأفصحت. اذهب بغلامك يا والدي. استأذن سيدك القديم ثم استدل على منزلي. (يخاطب أتباعه). أعطوه كسوة بهى وشيا وأبهج طرازا من أكيسة زملائه. وأنجزوا هذا الأمر عاجلا.

لانسيلوت - هلم يا أبي. أنا لا أستطيع أن أحصل على خدمة لي بنفسي لما يعتري لساني من الحصر والحبسة عند محاولة الطلب (ينظر في كفه على سبيل التكهن والعرافة) لو كان في إقليم إيطاليا برمته رجل يستطيع أن يمد - ساعة حلفه اليمين - راح أيمن أسرة من راحتي إذن فقتلني الله. هذا خط الحياة وهذا يدل على بضع من الزوجات؟ إن خمس عشرة امرأة لمقدار حقير جدا لا يكاد يذكر. وإن إحدى عشرة أرملة وتسع أبكار لنصيب الخسيس لرجل واحد وأرى أيضاً أني سأنجو من الغرق ثلاثا. وأن حياتي سيهددها الخطر من حرف ريشة من ريش الفراش. وهذا الخط يدل على انفراج أزمات بسيطة. لو كان الحظ أنثى لم تكن إلا امرأة سمحة كريمة في هذه المرة سأستقيل من خدمة اليهودي في أسرع من لمح البصر. (ينصرفان لانسيلوت وجوبو)

باسانيو - أرجوك يا ليوناردو أن تباشر هذا الأمر بحكمة وأناة. فمتى تم شراء هذه الأشياء وضعها في المركب عد إلي مسرعا لأني سآدب الليلة صفوة إخواني للعشاء. امض الآن قدما.

ليوناردو - سأعير هذا الأمر جل عنايتي ومجهودي.

يدخل جراشيانو

جراشيانو - أين مولاك؟

ليوناردو - إنه يسعى هنالك يا سيدي. (يخرج)

جراشيانو - أيها السنيور باسانيو!

باسانيو - جراشيانو!

جراشيانو - لي إليك حاجة.

باسانيو - لقد نلتها.

جراشيانو - لا ترفض طلبي. إني أريد أن أرافقك إلى بلدة بلمون.

باسانيو - فلترافقني إذن. ولكن اسمع مني يا جراشيانو. إنك رجل نزق سليط جهير الصوت. وهي صفات تلاءم طبيعتك وتوافق مذهبك وطريقتك ولا تعد في نظرنا نحن معشر إخوانك وخلانك عيوبا ولا نقائص. ولكن من لا يعرفونك قد يرون فيها ما ينافي الوقار والحشمة. فناشدتك الله ألا ما لطفت من حدة روحك الوثابة المتوقدة بمزاج من الحشمة والتؤدة لئلا يكون من نزقاتك ونزواتك ما يعرضني لسوء الظن في المكان الذي أنا قاصده فتخيب آمالي.

جراشيانو - اصغ أيها السنيور باسانيو. إذا أنا لم أستشعر الوقار وأنطق عن رؤية وتبصر وعن حذر وتحرز ولا أغلط القول إلا في الأحايين القليلة - وفوق ذلك إذن أنا لم استرعيني بقلنسوتي لدن يتلى دعاء المادة ولم أقل آمين متنهدا وإذا أنا لم أراع آداب المجاملة والحفاوة كمن قد مرن على الرزانة وريض على الحشمة كيما يرضي ولي أمره - فلن تثق بي بعدها.

باسانيو - سنرى كيف يكون سلوكك.

جراشيانو - ولكني سأشرب الليلة فلا تحكمن علي بما سيكون منا الليلة.

باسانيو - كلا فلو فعلت لظلمتك. بل إني أسألك أن تلبس أجهر حلل المراح هذه الليلة لأن لدينا إخوانا يريدون أن يمرحوا ولكن سلام عليك الآن. فلدي ما يشغلني من العمل.

جراشيانو - وأنا ذاهب أيضاً إلى لورنزو وسائر الزمرة. ولكنا آتوك ساعة العشاء.

المنظر الثالث

فينيسيا - غرفة في بيت شيلوك

تدخل ياسيكا ولانسلوت

ياسيكا - يسوءني أن تبرح دار أبي على هذه الصورة. إلا أن دارنا هذه هي الجحيم وأنت فيها شيطان مروح تخفف من بلاءها وتهون من شقاءها. ولكن اذهب صحبتك السلامة. هذه دوكة لك خذها. واعلم يا لانسلوت إنك ملاق في دار مولاك الجديد على مائدة العشاء فتى يدعى لورنزو أحد أضيافه اليلة أعطه هذه الرسالة ولكن في خفية وتستر والآن واعا.

فلست أحب أن يراني أبي في حديث معك.

لانسلوت - وداعا! أن الدموع لتحبس لساني وتعوق بياني. يا أجمل كافرة وأملح يهودية. إذا أنت لم تمني بنصراني ينصب لك أشراك الإغراء وشباك الإغواء حتى تقعي في فخه وتنشبي في حبالته فما أنا بالصائب الظن الصادق الفراسة. ولكن وداعا إن هذه القطرات السفيهة لتفل من حد عزيمتي. وداعا.

ياسيكا - وداعا أيها الطيب الكريم لانسلوت.

(ينصرف لانسلوت)

واأسفا! ما أفظع خطيئتي وأشنع زلتي إذ أخجل أن أكون ابنة أبي. على أني أكن ابنته تناسلا فلست ابنته شيما وخلقا، إي لورنزو لئن أنجزت لي وعدك لحسمت هذا النزاع باعتناقي المسيحية ثم أكون لك زوجة حبيبة.

(نصرف)

المنظر الرابع

(يدخل جراشيانو ولورنزو وسالارينو وسالانيو)

لورنزو - سوف ننسل من دار باسانيو ساعة العشاء فنلبس ثياب التنكر في منزلي ثم نعود ميعا في ظرف ساعة.

جراشيانو - إنا لم نأخذ للأمر تمام عدته.

سالارينو - ولم نتفق بعد مع حملة المشاعل.

سالانيو - ما أقبح هذا الأمر إذ لم تراع فيه أبدع أساليب التنسيق والتنظيم فأولى لنا أن ندعه.

لورنزو - الساعة الآن الرابعة. فأمامنا ساعتان للتجهيز والتهيئة.

(يدخل لانسلوت حاملا رسالة)

أي صاحبي لانسلوت. ما نبأك؟

لانسلوت - إذا تكرمت بفضل هذه الرسالة فلعلك واجدا فيها فائدة.

لورنزو - إني أعرف اليد التي رقمتها وسطرتها. حقا إنها ليد مليحة أنصع بياضا من الطرس الذي جالت فوقه.

جراشيانو - أنباء غرامية بلا شك.

لانسلوت - اسمح لي بالانصراف يا سيدي.

لورنزو - أين تريد أن تذهب؟

لانسلوت - إلى اليهودي سيدي القديم لأسأله أن يذهب لتناول العشاء مع النصراني سيدي الجديد.

لورنزو - ق. خذ هذا (يناوله نقودا) خبر الحسناء ياسيكا أني لن أخذلها ولن أخفر لها عهدا ولا انقض وعدا. ولكن حدثها بذلك في خفية. اذهب

(يخرج لانسلوت)

أيها السادة أتتأهبون لهذا المقصف الليلة؟ لقد هيأت لنفسي حاملا للمشعل.

سالارينو - أجل سأنبري في اتخاذ الأهبة من اللحظة.

سالانيو - وسأحذو حذوه.

لورنزو - قابلاني وجراشيانو في منزل جراشيانو بعد ساعة.

سالارينو - سنفعل.

(ينصرف سالارينو وسالانيو)

جراشيانوـ ألم تك هذه الرسالة من الحسناء ياسيكا؟

لورنزو - لا مندوحة لي عن الإفضاء إليك بجملة الأمر لقد أوضحت لي الطريق إلى اختطافها من بيت أبيها وبينت لي ما قد تزودت به من خزائن أبيها من ذهب وجواهر وأنها قد أعدت حلة مكن حلل الغلامان لتخرج فيها متنكرة. فإذا قدر لليهودي أن يفضي بأية حال إلى رحمة الله فلن يكون ذلك إللا من أجل فتاته الحسناء. وما أحسب أن الشقاء يجرؤ أن يعترض سبيل الفتاة إلا محتجا بأنها سليلة يهودي كافر. هلم بنا واقرأ هذا أثناء سيرك تعرف منه أن ياسيكا الحسناء ستكون الليلة حامل مشعلي.

(ينصرفان)