مجلة البيان للبرقوقي/العدد 60/الحكومة كهادمة للأخلاق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 60/الحكومة كهادمة للأخلاق

مجلة البيان للبرقوقي - العدد 60
الحكومة كهادمة للأخلاق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 8 - 1921


من مبحث للكاتب الألماني الدكتور ماكس نوردوا

لخصه للبيان الكاتب علي أدهم

مئات المرات جعلت الضجة التي يقيمها الألمان حول الألقاب والرتب مقصدا للهزأ والزراية. وإن ما صب عليا من السخرية في منثور القول ومنظومه ليملأ مكتبة بحذافيرها. والأمر مع ذلك لم يفرغ منه ولم تجف عيون البحث فيه بل أنه من بعض الوجوه لم يلمس ولم يتعرض له. من ذلك أنه لم يعلق مقدار كاف من الخطورة على ذلك الخطر الداهم الذي يتربص للترقي من جراء التغالي في قيمة الرتب والمناصب والنظر إليها كأمثلة عليا هي مرقى همة الفرد ومسمى آماله في حياته العامة والخاصة.

اذهب إلى أي مجتمع في ألمانية وأدر الطرف فيما حولك تبصر مفتشين ومساعديهم ووكلاء ومستشارين من كل الطبقات والأوساط من الموظف الصغير المتواضع لله لا يزهوولا يتكبر. إلى الرئيس الكبير الموفور الجلال والهيبة. وعبثا تحاول أن تعثر بين هؤلاء برجل بريء من التصنع يرضى أن يقنع باسمه حتى إذا ذهبت حاملا مصباح دياجونيز على آخر طرز من المصابيح الكهربائية.

فإذا قدم إليك رجل وذكر لك أن هذا مستشار كذا فإنك قمين أن تعرف من ذلك كل ما تريد معرفته عنه. ولست في حاجة إلى كد الذهن لتعرف شخصيته وإنك في غنى عن توسم وجهه وملاحظة اسمه لأن هذه كلها أشياء ثانوية تافهة وإنما مركز الأهمية هووظيفة الاستشارية فهذه هي التي تملي عليك التعريف التام للشخص ويمكنك أن تقف من لقبه على نفسيته وما تعلمه وما يحبه وما يجتويه وكيف وأين يقضي أيامه ولياليه وكيف يفكر في مختلف الموضوعات من مسألة التجارة الحرة إلى مسألة خلود النفس. وفي أحوال كثيرة يمكنك أن تعرف المرتب الذي يتقاضاه وإنه ليستولي عليك شعور فخم جليل من الثقة والتثبت في حضرة شخص ملقب كهذا إذ لا يوجد أستار تحجب عنك سره ولا غيمة من الشكوك تظل رأيك فيه فحقيقته سافرة للنظر لا تترك لك براحا للبحث والتظني.

وإني لأعجب بعد ذلك من أنه لماذا يترك لهؤلاء السادة حملت الألقاب أسماء إن الاسم في تلك الحالة لا يزال يشعر النفس بشخصية رواءه بينما إن أكبر انتصار فاز به هؤلاء الس الأمجاد هوفقدان الشخصية وفناؤها وإنما الرتبة والمركز واللقب في نظرهم هوالصميم الخالص والصريح والمهذب. والرجل والشخصية هما الملحق والحاجة الزائدة.

ألا يحسن بتر الاسم كله والاكتفاء بالدلالة على كل حامل لقب بنمرة الصفحة والسطر في سجلات الحكومة أوفي قائمة الجيش التي تندرج فيها وإذا كان غير لائق ولا مناسب فدعنا نمنح كل حامل لقب اسما سهل الحفظ ويكون هذا السم وقفا على كل من يشغل منصبا خاصا ويقترن هذا الاسم في آن واحد باللقب وبذلك يصير الشخص مغموساً كل الانغماس في لجة اللقب والرتبة ولقد كان النبلاء في فرنسا في القرن الثامن عشر يعرفون كيف يعيشون كان عندهم اسم لكل خادم يطلق على كل شاب ينخرط في سلك خدمتهم فمثلا الخادم الخصوصي كان يسمى جينس (الشبوبية) وسائق المركبة كان يدعى (فيكتور) وكان كل خادم يتسلم اسمه والكسوة الخصوصية من سابقه ويسلمه لمن يجيء بعده. فكان السادة لا يتكلفون إتعاب الذاكرة في قاعة الخدم.

ولقد كنا نستهين بذلك ونهمله لوأن هذا السرور الخالي من الحكمة الذي تستشعره هذه الفئة في ألقابها ومراكزها والتي تعطي كساويها شأنا أكبر من شأن شخصياتها كان مقصورا عليها ولكن هذا الشعور نفسه سائد في كل أطراف الأمة متحكم حتى في الأشخاص ألبعيدي الاتصال بالحاكم الألماني حتى في عاداته الخصوصية يجتهد في اكتساب بعض التقرب والزلفى من الحاكم ويسعى وراء نيل الأوسمة التي تدل على أنه من ذلك الفريق المنتخب ولا يثق بوجود نفسه إلا إذ تفضلت الحكومة فجادت عليه بلقب وبدون ذلك المميز لا يستطيع أن يشعر بنفسه كرجل كامل فكل عمل يزاوله هوفي اعتباره أس للقب والمصير الطبيعي لصدره هوأن يتقلد وساما وهكذا هؤلاء الذين ولدوا أحرارا مستقلين عوضا عن الاعتماد عن النفس والاعتداد بالشخصية يتنازلون عن استقلالهم ويضربون بحريتهم عرض الحائط ليشتروا باستقلالهم الكثير ثمنا من الرتب والنياشين؟.

لما انتشر نظام الإقطاعيات كان على الرجال الأحرار أن يضعوا ممتلكاتهم تحت تصرف الأشراف وأن يستردوها منهم ثانية في شكل التزام كهبة وسخاء والآن يعيد ذلك نفسه بدون قسر ولا إرغام ولقد كانت شعوب الأزمنة السابقة الأبية لا تفعله إلا بعد مقاومة عنيفة.

وتيمي تلك المرقاة - التي درجاتها أدوار الحياة الحكومية - في روسيا (بانتشين) وعلى كل روسي أن يقف على درجة من درجاتها إذا أراد أن يكون له شأن في الدنيا والتشين على أي حال لم يبقى نظاما خاصا بروسيا فقد تخطاها إلى غيرها. فقد نصبت تلك المرقاة في ألمانيا ورأى العالم إذ ذاك منظرا عجبا - رأى أرقى أمم الحضارة وأقوى شعب على سطح الغبراء يمضي حياته كضفدع الأشجار في تسلق جدي رزين لدرجة تلك المرقاة وأصبح نموالفرد لا من الداخل للخارج كما يحدث في الجسم العضوي الممتلئ بالحياة ولكن بإضافة خارجية كما في الأحجار الجامدة العديمة الحركة والحكومة هي التي تزيد بعض القراريط الجديدة للطول الطبيعي للفرد وهي لا تزيد هذا الطول من ناحية رفع المستوى الأخلاقي وإنما تزيده من ناحية اللقب بتمديده ومطه وكلما فقدت الشخصية صفة اكتسب اللقب نعتاً وكلما ازداد الطبع انتكاسا والفطرة تلويثا أخذت الأوسمة تزداد في الصدر تألقاً ولمعاناً.

وويل لمن يحاول أن يستجر نفسه ويفر بها من تلك العبودية التي يقاد إليها بالرغبة فإن هذا يعتبر كالذئب بين الكلاب أولا اعتبار له على الإطلاق ويحكى في الخرافات عن عش عصفور من يحمله يصبح خافيا على الأنظار وتأثير اللقب يناقض تأثير هذا العش فإن الشخص لا يصير مرموقا بالأبصار إلا إذا حمل لقبا وما دام لا يحمله فهومهمل وخيال لا يحس به في المجتمع وفي حال كهذه ترى الرجل الذي لخضوعه لقانون النموالداخلي قد نما إلى فردية بارزة ينبغي أن تقدر وتوزن بمعيار خاص بها ولا تفهم أصوليتها ويدرك سر جمالها إلا وهي طليقة من تلك الزيادات الخارجية المصطنعة التي من شأنها طمس معالمها وتشويه منظرها - رجل كذلك يختفي وراء كومة تلك الألاعيب الكركوزية حملة الكساوي والرتب والنياشين والتي تشغل المناصب الكبرى في دور الحكومة.

جاء في بعض النوادر أن طفلا قال أنه لم يعلم إن كان الأطفال الذين رآهم يستحمون صبية أوبناتاً لأن ملابسهم لم تكن عليهم وأرى أن المجتمعات تنظر بنظرة ذلك الطفل وتفكر تفكيره فهي لا تعرف الرجل إلا إذا ظهر لها في كسوته التامة مع الألقاب والرتب وهذه الفكرة ترغم كل إنسان له رغبة في أن يرتفع شأنه بين مواطنيه على أن يهجر طريقه الطبيعي للنموويلتحق بتلك الجماعة التي تزحف إلى الأمام بخطوات بليدة متوانية في ذلك الدرب الذي مهدته لها الحكومة وأحاطته بالحرس من شماله ويمينه وهذا يدخل في رأس الفرد أن حياته الأصلية التي منحتها له الطبيعة لا تعد شيء وإنه لكي ينال وجوده الحقيقي ينبغي له أن يولد مرة ثانية على يد الحكومة.

أي تقهقر معيب محزن إلى مرحلة من مراحل التقدم قد جاوزتها البشرية من أزمان تصرمت وآماد بعيدة؟ أي تناقض لكل الأفكار الأساسية وكل القوات المؤثرة العاملة في أزماننا الحديثة؟.

كلما كان المجموع العضوي أكثر حضارة وتمدينا كان أكثر أصولية وأعم اختلافا وتنوعا وأخذ الشعب بنصيب محدود من الفرد وكل المجتمعات خاضعة لهذا القانون وفي العصور القديمة والعصور الوسطى كان المجتمع ملتئما التئاما كليا راسخا وكان ينظر إلى الفرد كوحدة من ذلك الكل فلم يكن إذ ذاك مجال للفرد تمتد فيه شخصيته ليكون أصوليا بل كان لزاما عليه أن يصب نفسه في قوالب ذلك المجتمع ويصوغها على أوضاعه ومن لم تكن تضمه الجماعة إلى هيئتها كان يعد ضالا شاردا لا يتفيأ ظلال القانون وحمايته وهذه المرتبة من مراتب التقدم البشري تشبه الجذر الكثير السيقان قد نبتت فيه الأفراد المختلفة معا فهم ينمون نموا ناقصا في دائرة محدودة ولكن في الأيام الحديثة جاوزنا ذلك فليس ثمة من تكوين مرجاني وكل فرد منا له وجود قائم بنفسه وإن كان هناك أعمال متوقفة على التساند والتعاضد. ورابطة المسئولية التي تنظمنا كلنا في عقد واحد تترك لنا فسحة رحيبة من الاستقلال وهذه الفردية هي نتاج الأزمنة الحديثة وهي التي تضحي الآن برغبة من أخل إحياء ذلك الطراز القديم من الهيئة الاجتماعية التي يعد الفرد فيها خلية لا قيمة لها ولا تأثير.

إن المعنى الفكري لكلمة حكومة يشملنا جميعا ولكن المعنى العملي لها يشمل الفريق الذي بيده مقاليد الحكم أوفئة قليلة مخصوصة أوفرد واحد فإذا أكبرنا اعتبار الحكومة وأحللناها فوق كل شيء فإن هذا معناه الرغبة في إرضاء فريق خاص أوفئة قليلة أوشخص واحد وطريق ذلك أن يهمل الإنسان أعمق دخائله وأصفى سرائره وأن يعدل ميوله ورغباته وينشأ من ذلك أن فريق المتهذبين يصبح أشبه بالنظام الجزويتي الذي قدم أعضاؤه العقل ذبيحة للتضحية وتنازلوا عن التفكير بأدمغتهم فإذا سئل أحدهم رأيه في مبحث ما فإنه لا يدري ما يقوله فورا بل لا معدل له عن العودة إلى استماع آراء غيره وكثيرون يتركون حقهم ويضعون كل أفكارهم وأعمالهم تحت وصاية استبدادية لا يلبثون أن يفقدوا الشعور بضغطها.

وقد يعترض عليّ بأن الأمور لا تنتظم إلا بهذه الطريقة وأني ذهبت في موضع آخر إلى أن الجماهير عاجزة عن التفكير المبتكر المستقل وإن هذا إنما يأتي من الأقلية الشاذة وينتقل بطريق الإيحاء الطبيعي من الأقلية الصغيرة إلى الأكثرية الكبرى ولكنه يوجد فرق ضخم بين الأفراد أوالفئة التي تلج أفكارها إلى رؤوس الجماهير من طريق الإيحاء الطبيعي وبين ترسيخ الحكومة للأفكار في أذهان الشعب بكل إجبار وقسر إذ في الحالة الأولى لا ينجم أي إخلال بالقوة العضوية ولا يقع تحت تأثير العقل الأسمى إلا فريق من الناس لا يستطيعون إلى التفكير سبيلا ولا يملكون أداته بينما في الحالة الثانية تهن قوة العقول الكبيرة الجديرة بالابتكار وتشل قوتها.

وللحكومة مصلحة في إدامة تلك الحالة ولذا فهي تبطل وتخمد كل معارضة من الرأي العام وتضع مملكة كبيرة واسعة تحت أقدام وزير وزملائه يصرف عنان الأمور كيف يشاء وتدخل على الشعب إن كل معارضة لساسة الحكومة تنافي أخلاق الشرف والنزاهة.

وليس في تلك الحال مفسدة للأخلاق فحسب بل هي ضارة بالمستقبل ولقد قرأت فيما قرأت عن ميشيل انجيلوأنه بعد أن أمضى اثنين وعشرين شهرا في نقش سقف كنيسة سيستين اعتادت عيناه النظر إلى فوق حتى صار عاجزا عن النظر باستقامة أمامه أوإلى الشمال أوإلى اليمين كما يعمل الإنسان بلا مشقة بل كان يمسك بالكتابة التي يريد قرأتها ويرفعها فوق عينيه وهذا ما يصيب أولئك الذين ألفوا الحول إلى رؤوس الحكومات فهم يفقدون حرية النظر واستقلال الفكر ولا يستطيعون النظر بسهولة إلى الأخطار التي تحتشد عليهم من النواحي الجانبية والأطراف وهم لا يكترثون لبلادهم وليس غرضهم نفعها وإنما جل غرضهم ومطاف أملهم هوأن يتنازل أحد من بيدهم القوة من شاهق عليائه إلى مصافحتهم باليد أوأن يظفروا منه بابتسامة.

ولقد يقولون فيما يهرفون به عن صلاح تلك الأحوال إنها مليئة بحصر قوة الشعب وضم منتشره وجمع متناثر قوته عند مواجهة الشدائد ولكن هذا مغالطة لأن قوة الهيئة المتجمعة تتوقف على قوة منة الأفراد ونشاطها وهي منفصلة فإذا كانت مدخولة واهية فإن أي مقدار من النظام والتوجيه لغرض واحد لا يخلق لها قوة وإنك لتستطيع أن تدرب ألف شاة وتلقنها النظام ولكن مهما حاولت فلن يصبح في وسعها الثبات أمام أسد واحد ولا في مقدورها أن توحي إليه بالخوف.

وفي الأوقات التي يستتب فيها السلم لا يشعر الناس بخطر تلك الحالة ولا يعلمون بالهاوية التي ينساقون إليها وقد يكون من حسن الحظ أن يتاح لهم حاكم متين العقل مستنيره يجري وراء أمثلة عليا ويقوم بأعمال جسام وفي تلك الحال تسير الأمور في نظام ويفوز ذوالأمل والطموح المشرئب ويظهر للناس أن حصر السلطة في يد ذلك الحاكم مثمر عائد باليمن والإسعاد ولكن العبقريين لا يخلدون وليس كل عصر يتمخض عنهم وأعظم الأمم وأكملها لا يمكن أن تثق وتطمئن إلى أنه سيكون في كل حين على رأس حكومتهم أحد نوادر الفلك وغرائب الطبيعة وماذا يكون من الأمر إذا أزري بهم الحظ وأصبح مصيرهم مرتهنا بيد جماعة من أشباه العامة أو ذوي العقول الضيقة والأحلام الطائشة أوالأنانيين عباد المصالح الذاتية والمآرب المدخولة والمتسلفين المتدلين إلى هوة الفجور والرذيلة؟

سيبقى الشعب آخذا بزمام عاداته القديمة مرتسما لأمر الحكومة تاركا لها حق التفكير والرأي متخشعا لهيئة آرائها واثقا بها كأنها منزل الوحي ناظرا إلى فريق الحكام كأنهم شموس طلعت من مشرق الرئاسة وبدور منيرة التاحت في آفاق الوظائف فهيهات أن ترقى إليهم العيوب والنقائص وتقابل الحكومة ذلك بتقريب كل من شغفه حبها وملأ جأشه إجلالها فبات يصفق لها في كل عمل ويسبح بحمدها في كل وقت وهي تلجم فم كل من يستطيل عليها بالمعارضة ويقتحم على سدتها بالنقد وهكذا بين أعمال حكومة راضية عن نفسها فرحة بقوتها وبين طاعة عمياء متغابية من ناحية المكتهفين بركنها تطرق ليلا بدون ارتفاع أي صوت بالتحذير والإنذار أفدح النكبات وأسوأ الخطوب ويظهر إذ ذاك بوضوح الشر المستطير والبلاء المستفحل الناجم من الإفراط والمغالاة في عبادة الحكام ويكون الناس قد نسوا طريق التفكير في المصلحة العامة والتفتيش في أفهامهم وخوالجهم عن النافع لهم ولكثرة تفكيرهم في الحكومة يخلطون بينها وبين الوطن والأمة ويؤثرون العمل تحت إشراف الغير في تنظر المكافأة على أكبار النفس والقناعة بالإخلاص لها وترد منهم تلك الداهية الطارقة على قوم غير متأهبين ولا مسلحين وسيحل بالشعب البوار ما لم يكن في أعماقه عوامل صحيحة نقية لم تلحقها أرجاس الرتب والنياشين وهذه القوة هي سنلد الشعب في أشد ساعات الخطر وهي التي تصلح أخطاء حكومة حمقاء سخيفة وتعفي على ذنوب الفريق المنتخب المصفق لها. . .