مجلة البيان للبرقوقي/العدد 60/البطولة ثمرة المحنة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 60/البطولة ثمرة المحنة

مجلة البيان للبرقوقي - العدد 60
البطولة ثمرة المحنة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 8 - 1921


إن الهموم والأشجان إذا وقعت على القلب الرقيق وكانت على فرط شدتها محتملة مطاقة بعثت من أعماق الضمير أفكاراً نبيلة وعواطف شريفة ما كانت قط منبعثة لولم تستثرها من مكامن النفس تلك الأشجان والهموم. والواقع أن المحن والكوارث هي بواعث الخير في نفوسنا. وكما أن البلاء إذا ألح على المسجون في ظلمات سجنه أوجدت فيه القدرة على إبداع المصنوعات الدقيقة والتحف العجيبة بالآلة الكليلة والأداة العاجزة واليد الخرقاء ومكنته من إتيان معجزات الفعال ومشاق الأعمال واقتحام مصاعب الأخطار والأهوال كاختراق الجدران وفل السلاسل والقضبان. بكف مغلولة. وآلة مفلولة. فكذلك ترى المصيبة إذا تسلطت على نفس الحر فتحت في لبه أبواب الحيلة وأحيت فضيلة الصبر والجلد وأرهفت حد الذكاء والفطنة في ضمير ما كانت تجيش فيه هذه الواهب لولا ضغط البلاء ووطأة المصيبة.

والناس إذا رأوا ظهور هذه المحامد والفضائل من إنسان لم تعهد فيه من قبل ذلك ظنوا أن صدمة الفاجعة وسورة الحزن قد غيرت طباعه وبدلت صفاته كما تبدل نار الكيمياء من طبيعة الأجسام. ولكن الحقيقة هي أن أحاث الدهر حسنة كانت أم سيئة لا تغير الخصال ولا تبدل الخلال وإنما تثيرها من مكامنها. وتنبشها من مدافنها. في أعماق الروح وخبايا الضمير. وتفسح لها المجال وتخلي لها السبيل. وكما أن ضمير الإنسان يشتمل على ألف فكرة مجهولة لديه لم يعرف مواطنها من نفسه ولم يهتد إلى موضعها من لبه. فإذا ما تناول القلم للتحرير تفجرت هذه الأفكار الخفية والخواطر المستترة على أسلة قلمه وتبجست من لسان يراعه فتحدرت على جوانب طرسه سيلا يدفق. ولجأ يفهق. فكذلك قلب المرء هوسر مضمر وصندوق مقفل لا يعرف صاحبه كنهه ولا مكنوناته حتى تبرزه الحوادث وتفض أغلاله الشدائد والكوارث ومن ذا الذي لم ينتبه يوما من منامه فيجد نفسه مندفعا فجأة بعامل خير أوسر في خطة انتقام أوغرام أوغير ذلك - على أن هذه النهضات والثبات وإن تكن فجائية في الظاهر فهي في الحقيقة غير فجائية بل هي ثمرات غرس قد بذرت بذوره في قرارة النفس منذ حين وبقيت ثمت كامنة مستترة راسية مستقرة غير مشعور بها ولا مفطون لها فلما توافرت له الأسباب وتهيأت الدواعي وحانت فرصة الظهور برزت وظهرت سنة الطبيعة التي لا تبدل ولا تحول.

وإعجابا للإنسان لا يعرف فضله من نقصه ولا كيسه من حمقه ولا حذقه من خرقه ولا قوته من ضعفه إلا بعد أن تكشف له أحداث الدهر عن سر ذلك. ولئن وجدت بعض الناس يطرق خجلا وخزيا إذ يذكر بعض سالفات معايبه وسيئاته فاعلم أن سجل مستقبله ربما كان منطويا على مناقب وفضائل سوف يبيض لها فخارا ويترنح لها عطفه زهوا وتيها.