مجلة البيان للبرقوقي/العدد 49/كيف يداوى الضجر والقلق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة البيان للبرقوقي/العدد 49/كيف يداوى الضجر والقلق

مجلة البيان للبرقوقي - العدد 49
كيف يداوى الضجر والقلق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 6 - 1919


مقال مفعم بالنصائح العملية

من آراء العلماء الفنيين الذين درسوا هذا الموضوع درساً خاصاً

الضجر آفة باطلة وداء كاذب لا ثمرة فيه ولا طائل تحته. وكأني بك تعرف ذلك ولكن الداء الخبيث قد تمكن منك بطريقة ما ويخيل إليك أن غير مفلت من قبضته أو خارج من أزمته.

رويدك لا تقنط! واستعن بنصيحة من وقف قسطاً من وقته ومجهوده على دراسة ذلك الأمر وفحصه. فاقرأ ما كتبوا عن ذلك. وحاول العمل بنصائحهم وثق بأنك ستستفيد صحة في الذهن والبدن، وخلاصاً وبراءة من داء القلق والضجر.

واعلم بادئ الأمر أن التعب هو السبب الخفي الأعظم المؤدي إلى معظم ما ينطوي عليه هذا العالم من قلق وضجر - أجل هو التعب - تعب الذهن أو تعب الجسم أو كليهما - ولا أقصد به ذلك التعب المؤقت الذي لا تلبث ساعة من الراحة أن تزيله ولكني أقصد ذلك التعب الذي لا يزال يتزايد علينا ويتراكم حتى يصير عبأ فادحاً وداء قاداً. وآفة تبتلي جميع وظائف الذهن والبدن.

خذ مثلاً على ذلك الحقيقة الآتية المثبوتة - وهي أنك إذا أدمنت تحريك أصبعك حتى تكل عضلاتك فإن هذه الإصبع تصبح محتاجة إلى استراحة ساعتين لتستعيد من خلالهما قوتها وتجدد نشاطها حتى يصير في إمكانها إعادة عين المقدار السالف من العمل بالضبط، فإذا أنت لم تعط إصبعك من فترة الراحة إلا ساحة فقط فلا تحسبن أنها تصبح قادرة على أداء نصف عملها الأول كما يدلك حسابك واستنتاجك - بل تأكد أن ما تستطيع أن تؤديه إصبعك من العمل بعد ذلك هو ربع المقدار الأول فقط أو بعبارة أخرى - إذا أنت لم تعط نفسك من الراحة إلا نصف حقها فإنها لا تعطيك من العمل إلا ربع ما كنت آخذاً منها لو أنك أعطيتها وافر قسطها من الراحة.

إن التعب البدني يؤثر في إيراد الدم المخصص للدماغ من حيث مقداره ومادته فلذا كان من الحمق والخرق محاولتنا تشغيل الدماغ عندما تكون أجسادنا متعبة منهوكة وأحمق من ذلك محاولتنا إزالة تعب الدماغ وتجديد نشاطه بالإفراط في الرياضة البدنية وممارسة التمرينات الجسدية العنيفة.

وانتهاك القوى الذهنية لا يمكن إزالته بانتهاك القوى البدنية، ولا يعقل أن كد الدماغ ينفيه كد الجسد. ولكن التمرين البدني المعتدل قد يعين على تجديد القوى الذهنية بإصلاح الدورة. أما التمرين العنيف فإنه يزيد الطين بلة.

من العجيب أن ترى الكثيرين من الناس يتحامون الإفراط في الشراب ويتحاشون البطنة والكظة خجلاً واستحياء ثم لا يستحون بعد ذلك من رذيلة الإفراط في العمل وانتهاك أذهانهم وأبدانهم في الكد والكدح. إنهم يأنفون ويستنكفون أن يقتلوا نفوسهم سكراً ول يأنفون أن يقتلوها عملاً وكداً.

وقد كان من الواجب على المرء أن يرى من الخزي والعار أو على الأقل من الإساءة والأذى لأسرته وأصحابه أنه لا يزال يلقاهم بذهن مكدود وبدن منهوك وروح ضجرة ونفس برمة ووجه عابس عليه قترة الهم وظلمة الكدر. ولسان معتقل بأصفاد التعب والضجر. فإن لأخوانه وأهله عليه حق التودد إليهم والضحك في وجوههم والإشراق عليهم بنور الإنس والطلاقة والبشاشة. وإرتاعهم من أخلاقهم مرتعاً معشباً نضيراً. وإيرادهم من سجاياه مورداً عذبا نميراً. وهذا لا يتأتى لرجل متعب مجهود قد نكس الهم رأسه. وصعد القلق أنفاسه. وكيف يجود للناس بأسباب السرور من هو منه مسلوب. ويفيض على الناس بالأنس من هو منه محروم. وكيف يجني من الشوك الثمار أو يجود الجهام بالديمة المدرار.

هذا واجب على كل امرئ لأهله وخلانه فهو دين لهم عليه ينبغي سداده في مواعيده أعني كلما لاقاهم وصادفهم. فإذا كان لا يزال كلما لقيهم عبس وأطرق تسخط وتبرم كان بمنزلة المدين الدائم المماطلة، والغريم المدمن المراوغة والمطاولة.

والآن نأخذ في فحص أهم أسباب الضجر وعلاجه فنقول: من أهم هذه الأسباب شدة اشتغال ذهنك بواجباتك وأمالك فإذا اضطجعت لتنام وأصابك الأرق - وهذا الأرق يلحق بك القلق والضجر، إذ تقول لنفسك أنه لا بد لك من ثماني ساعات من الراحة وأنه قد دقت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولم تغمض عينك فلعلك لست نائلاً من الثماني الساعات الضرورية لحفظ صحتك إلا أربعاً أو خمساً وفي الصباح نقول: يا لها من ليلة! لم تذق عيني فيها الغمض إلا بعد الساعة الثانية، ولم يطرف جفني بعد الساعة السادسة. فكل ما نمته هو أربع ساعات، وأنا لا أستطيع الاستمرار على هذا الحال!.

إن وظيفة النوم ومهمته هي أنه يمكن البدن من تجديد أنسجته والذهن من تجديد قوته، والنوم من أصلح الحالات لحدوث ذلك التجدد الذهني والبدني، على أن هذا التجدد يحدث أيضاً - ولكن بحالة أبطأ - أثناء الاستراحة الخالية من النوم.

فأول نصيحة لكم يا أهل الأرق والسهاد هي هذه: لا تضايقوا أنفسكم لنفور النوم وشروده عنكم بل قولوا لأنفسكم لا بأس علينا من هذا السهاد ولا ضير في هذا الأرق. فنحن وإن لم ننم نتمتع بالراحة ولين الضجعة. فأجسامنا في دعة واستراحة. فنحن من حيث الحالة الجسدية وكما لو كنا نياماً. إذ السكون والكسل والظلام هي جل احتياجاتي الجسمية وكلها في ملكي وحوزتي فليس ثمت ما يدعو إلى الضجر والقلق.

فمناجاة نفسك بهذا القول مع صحة اعتقادك إياه - وهو أهم ما نظن لأنك تكون في هذه الحالة كمن أراد ركوب القطار السريع (الإكسبريس) فلما لم يوفق إلى ذلك ركب القطار العادي، فحسبك يقينك بأنك ستبلغ ولا شك غايتك المقصودة وإن أبطأت بك المطية وشطت بك النية.

ولكنك ربما قلت معترضاً ليست راحة البدن هي أهم مطالب المرء. ولكن راحة الذهن هي المقصد الأول. إن أهم أغراضي هو إيقاف حركة الفكر!.

على رسلك أيها المعارض! واعلم أن راحة البدن مؤدية - وإن كان مع البطء - إلى راحة الذهن أيضاً فاعتقادك هذه الحقيقة لا بد أن يحدث نوعاً من اللين والاسترخاء في أوتار الذهن. وهذا وحده يهيئك للنوم ويقرب منك أسبابه.

وسنسرد في موضع آخر من هذا المقال جملة من علاحات الأرق وجوالب النوم أما الآن فنبحث في علاقة الأرق بالضجر والقلق.

فاعلم أنك إذا أرقت بالفعل الليل الطويل كله فأحييت بالسهاد ظلمته، وأشعلت بحر أنفاسك فحمته فلا ضير عليك من ذلك إلا إذا جعلته موضع اهتمامك وكدرك فطفقت تتأفف وتتوجع لأنك لم تنم. على أنه قلما يحدث أنك تحرم النوم ليلك كله إذ في الغالب أنك تنام ولو ساعات قليلة. فحرمانك شطراً من وقت نومك ليس هو السبب فيما يبدو عليك في الغد من الوهن والخور والشحوب والاصفرار والكآبة والكمد - وإنما السبب في ذلك هو توجعك وتعجبك لحرمانك من هذه الساعات القلائل.

وإذا أردت أن تجيد فهم هذه النظرية فادرس قليلاً فيما يسميه (علماء الأمراض العقلية) بالحالة العواطفية للإنسان فهب أنك أرقت ليلة - فبت الساعات الطويلة نابي المضجع قلق الوساد، تتقلب على جمر الغضا وشوك القتاد. تطلب النوم ولا تجده. وتنصب له الحبائل ولا تصيده. فتجزع لذلك وتقلق. وتستشيط وتتحرق، وتعذب نفسك أسفاً. وتقطعها حسرة ولهفاً. فماذا تكون حالتك العواطفية؟ تكون ولا شك التفجع والتحسر والغيظ والجزع والتلهف. فإذا أصبحت فأخلق بك أن تكون هائج سريع الغضب سريع الانفعال - وبالتالي تكون شرساً سيء الخلق ضجراً متبرماً.

فإذا جلست على مائدة الإفطار مع أهلك وأسرتك فما أسرعك إذ ذاك إلى التسخط لأدنى تافهة من الأمر، والغضب من الوهيمات والخيالات مما لا وجود له إلا في ذهنك المضطرب وعقلك المشوش فتحدث المشاحنات بينك وبين أهلك فتغادرهم إلى محل عملك وأنت تعتقد أنهم ألب عليك وحزب ضدك وأنك فريسة ظلمهم وضحية جورهم.

ثم تحاول البدء فكأنما تحاول نسف الجبال. أو عد الرمال، فتذعن لليأس وتستسلم للوسواس.

ثم تغلق مكتبتك وتذهب للغداء وقد تراكمت عليك الأشجان. وامتلكت الهموم والأحزان فلا غرو إذا ظلت في هذا الحالة ولا تستمري مطايب الخوان. وتهيجك وتؤلمك مداعبات الأخوان. فإذا تناولت طعامك على انفراد أقبلت على نفسك تنغصها لما قد نابها من المنغصات. وتعذبها لما قد لحقها من عذاب تلك المكدرات.

وهذا يؤدي ولا شك إلى القبض وسوء الهضم. فتعود على محل أشغالك في المساء أسوأ حالاً مما كنت في الصباح ثم تغادره ليلاً أخيب مما غادرته ظهراً وتمضي على فراشك أخوف ما كنت من معاودة الأرق والسهاد.

ولو كنت تعرف حقيقة آفة الضجر وخفي أسبابها وعللها وطريقة علاجها ومداواتها لما كانت هذه حالك ولم تبت بليلة القائل:

فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع

يسهد من نوم العشاء سليمها ... لحلي الغواني في يديه قعاقع أجل لقد كنت توقى كل هذه الغصص والكرب لو أنك أدركت أنه لا ضير عليك من السهاد وأنك واجد عوضاً عن النوم مجرد ضجعتك واستلقائك واستراحة أعصابك واسترخاء أعضائك. تحت ظلال الليلة الندية الساجية. ومشتملاً برداء ظلمتها الفاحمة الداجية.

أما من حيث المشاحنات الأسرية. والمشاجرات المنزلية فقد كان جديراً بك أن لا تجسم من شأنها صغيراً. وتعظم من أمرها حقيراً. وخليق بك أن تدرك أنها زمجرة ليس وراءها صاعقة. ودوي أوتار ليسه معه سهام مارقة. ولو كان غير ذلك شأنها لما بقي على ظهر الأرض أسرة ولأقفر العالم من الدور الآنسة والمنازل العامرة وعاش كل امرئ بمعزل عن سائر الناس محتجباً في بردته. ومستكناً في جلدته. كأنه السلحفاة أو المحارة. ولكن الواقع خلاف ذلك وما هذه المشاجرات المنزلية إلا كسانح طيف أو سحابة صيف. وكم مئات من هذه المشاجرات مرت بك فلم تأخذ منك إلا كما تأخذ الرياح من أطراف الجلاميد. وأنفاس الملاح من مرآة الحديد. وما هي إلا بضعة أيام حتى تصبح المشاجرة في نظرك حديث فكاهة كلما ذكرته ضحكت منه وسخرت.

وإنك إذا نظرت في أسباب معظم هذه المشاجرات المنزلية وجدتها ترجع إلى مصدر واحد - وهو استبدادك على أفراد أسرتك وحكمك عليهم أن يخضعوا لميلك وهواك في كل شيء، فيكونون معك بلا رأي ولا إرادة كاللعب في يديك تحركها كما تشاء ولا شك أنك في هذا لظالم جائر. فإن كان نظرك أصدق من نظرهم فيما تأمرهم به، ورأيك أصح من رأيهم فدعم وشأنهم لا يلبثون أن يهتدوا إلى هذه الحقيق فيأخذون برأيك وينحون منحاك. وإذا لم يفعلوا فحسبك أنك منحتهم نعمة الحرية التي ليس فوقها نعمة، وخليت بينهم وبين لذاتهم وشهواتهم فملأت صدورهم مسرة وطرباً. وهذا وحده خليق أن يولد فيك حالة عواطفية حسنة (أعني أنه يبعث فيك السرور والجذل.

ولا يزال الضجر مصحوباً بنوع ما من العاطفة (أي الانفعال) والعاطفة أي الانفعال النفساني هو قوة كامنة - هو بخار مخزون لا بد له من أيجد منفذاً ومخرجاً فإذا هيء له هذا المخرج بطريق العمل والحركة فلا ضير منه ولا بأس. وإذا لم يفعل ذلك فإن هذا البخار لا بد أن يحدث انفجاراً فينسف شيئاً ما في ناحية ما وبكيفية ما فإذا لم يحدث ذلك الانفجار بالفعل فإن هذه القوة العاطفية الموجهة في غير وجهتها قد تحدث حالة من القلق الذهني لا تزال تعظم وتتزايد حتى تصير داء مزمناً من الضجر.

ومن أشيع الأشكال التي يظهر فيها الضجر ويتراءى - التردد. وهذا التردد ينبعث عن علل ذهنية خبيثة أهمها الخوف الذي لا يزال يملؤك حذراً من إتيان الغلطات وخشية من عواقب أمور هي في ذاتها مأمونة العواقب على حد قول القائل:

ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب

وفرط سوء الظن بالناس هو الذي يغريك باتهامهم في كل ما يأتونه حتى تحسب أن كل لفظة أو حركة تصدر منهم هي أذى وإساءة موجهة إليك. فلا عجب إذا شبهنا هذا المرض الخبيث - مرض التردد - بضباب قريب متكاثف يحجب عنا حقائق الأشياء. فإذا لبثت في جوف ذلك الضباب حائراً مرتبكاً لا تدري أين تذهب فأحرى بك أن تبقى واقفاً مكانك فلا تصل إلى أي غرض البتة.

فالمخرج الوحيد من هذه الورطة هي أن تمضي قدماً في أي طريق مهما كان - هي أن تعقد أي نية وتبرم أي عزم. أجل اصنع شيئاً مهما يكن. فإن ذلك يخرجك من الضباب. إنه لا يبعد أن تذهب في طريق جائرة عن القصد حائدة عن الصواب فإذا كان ذلك فلا ضير عليك منه وحسبك أنك قد خرجت من الظلمة الحالكة حيث قد قضي عليك أن لا ترى شيئاً ولا تصنع شيئاً إلى حيث تستطيع أن تبصر وتميز فتعرف أنك في ضلال فتحاول الانصراف إلى الهدى.

مثال ذلك أنك قد تريد كتابة رسالة فتلبث ساعات تفكر ماذا تكتب وأي المذاهب تسلك متردداً بين ألف طريقة وأسلوب. فلقد آذيت نفسك وعذبت ذهنك ثم لم تصنع شيئاً.

ألا فاجلس فوراً إلى المكتب وخذ القلم والقرطاس فاكتب ما حضرك أياً كان فلعلك واجد في هذا الكلام المرتجل والمقال المقتضب ما هو قريب من بغيتك ومرادك ثم اعلم أن مجرد (عقد النية) وإبرام العزيمة - إن مجرد هذه الفعلة يعد ضرباً مفيداً م الرياضة الذهنية - وأسلوباً نافعاً من التمرينات العقلية. وأن قراراً محدداً وعزماً معيناً، إن فكرة إيجابية واضحة واحدة لهي خير من كل ما تنفقه سدى من ساعات التدبير العقيم والتفكير المجدب العديم النتيجة المشفوع بالحيرة والارتباك والقلق ألا فافعلن شيئاً. افعله بعد مقدار مناسب من التأمل والروية - ولكن افعله على كل حال.

إن من أكبر أسباب الخيبة في مثل هذه الأحوال من التردد والارتباك هو إحجام المرء عن مواجهة الحقائق، هذه الحقائق، هي أشياء حاصلة ترعاها عيناك. وتلمسها يداك، فإذا كنت تستطيع إزالتها وتغييرها فافعل. وإذا كنت لا تستطيع ذلك فماذا لجاجك وإلحاحك في محاولة تبديل ما لا يبدل وتحويل ما لا يحول. وأحمق من ذلك وأسخف أنك تجلس فتقطع نفسك كمداً وحسرة لأن هذه الحقائق لا تبدل ولا تحول.

ومما هو جدير بالذكر أيضاً أن تسعة أعشار الناس لا يستطيعون (العزلة الذهنية) أعني الانفراد بأذهانهم عن مشاركة الغير في الآراء والأفكار. فالإنسان مدني بالطبع يحتاج إلى تبادل الرأي والفكر مع عشرائه وجلسائه فمشاورة الصديق ومحاورة الرفيق من أوجب الواجبات ومن أهم ضروريات الحياة.

وإن اختزان الأفكار والهموم في الصدر كاختزان الطعام والشراب في المعدة كلاهما يحتاج إلى دواء مسهل، فإذا غص ذهنك بالمكدرات والمنغصات من جراء أمر ما فابغ لها ما يخرجها من بطنك ويلقيها من جوفك! ولن تجد غير المجاورة والمشاورة دواء مسهلاً. وما زالت الصراحة والإفشاء أنفع الملينات الذهنية. وأنجع المسهلات العاطفية فتعاطها تبرأ بها.

وأذيع مظاهر الضجر وأشغلها لبال المصاب بها هو الأرق. والأرق إذا دام أحدث ولا شك أثراً سيئاً في البنية والأجهزة الحيوية.

وإني أكرر هنا أن تضجر الإنسان بسبب الأرق شر علبه من الأرق ذاته. بيد أنك على كل حال محق في حرصك على النوم. وأنت إذا ابتغيته من وجهه فلا بد أن تناله.

اقتصد في طعامك وشرابك وسائر أركان حياتك. ولا تجاوز في عملك ولهوك حد الاعتدال إلى طور الإنهاك والإرهاق. فإذا لم تجد بداً في بعض الأحايين من الإفراط في الكد فابتغ سبيل الموازنة بإنالة نفسك من الراحة مقدار ما حملتها من التعب وخذ بقول القائل إني لأستجم نفس بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق. ويقول الآخر حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور. ولا تحمل يومك عمل الغد فوق عمله فإن ذلك ضرب من الظلم والحيف والطمع الوخيم العواقب.

وإذا لهوت فكن جاداً في لهوك فاله من صميم قلبك ومن أعماق نفسك. ولا تقف متردداً بين مباهج اللهو المتشعبة ومذاهبه المتفرقة بل خذ في أيها بشرط أن تندفع فيه اندفاع الجاد المعتزم الذي وجه كل همه وأقبل بجل روحه على ما قد اختار من الملهى. وأفضل شيء أن تغوي ضرباً بعينه من الملاهي - الموسيقى أو التصوير أو السباحة أو ركوب الخيل أو الصيد أو جمع النوادر من الحشرات أو الصور أو الكتب وهلم جرا.

وتناول من الطعام الساذج المغذي فخذه في أوقات محددة. وثمت من رأي شائع وهو أن الطعام لا ينهضم إلا إذا أكل بشهية حادة. فهذا من الأغلاط الشائعة. إن الطعام بلا شهية قد يبطئ هضمه ولكنه سيهضم في النهاية ولاسيما إذا أعنت عملية الهضم بالاستراحة.

وبعد ذلك فإنك إذا جمعت بين حسن الغذاء وقلة التعب فقد هيأت لنفسك أصلح الحالات لاستجلاب النوم. على أنك تستطيع أن تزيد هذه الحالة صلاحية وذلك باستحمامك قبل الذهاب إلى الفراش في حوض مملوء بالماء الفاتر. ولتكن حرارته أقل من حرارة بدنك بمقدار طفيف. ولكن راع أن تكون طريقتك في هذا هي مجرد وثبة في الماء تتلوها وثبة منه بل يلزمك الاستمرار فيه ما دمت تشعر له بلذة.

هذه كلها علاجات تنفعك في داء الضجر ولكن ماذا عساها تفيدك إذا كان الداء قد بلغ منك أقصى مبلغ. واستأثر بذهنك وروحك أيما استئثار. ألا ترى أنك بعد كل هذه العلاجات تذهب إلى الفراش وأنت أخوف ما تكون من أن كل هذه الوسائل لن تطرد عنك الأرق؟ فتستلقي في فراشك وتشرع في مضايقة نفسك وتنغيصها للسبب الآتي وهو أنك تخاف أن خوفك من الأرق سيجلب عليك الأرق.