مؤتمر النجف

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مؤتمر النجف
24، 25، 26 شوال 1156 هـ
من مذكرات علامة العراق وعماد هذا المؤتمر

عبد الله بن الحسين السويدي العباسي 1104 - 1174

  ► ◄  


مقدمة

الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

وبعد فإن جمهور المسلمين الأعظم ـ من صدر الإسلام إلى الآن ـ يتألف من أهل السنة والجماعة، وهم الذين يتلقون في دينهم وأحكامه عن كتاب الله كما فهمه الصحابة والتابعون، ومن صحيح السنة النبوية التي محصها الأئمة والحفاظ الأمناء ودونوها في دواوين معتنى بها أهمها صحيحا البخاري ومسلم، وموطأ مالك، وسنن الترمذي والنسائي وأبي داود، ثم سنن ابن ماجه ومسند الإمام أحمد وما هو بمنزلتها. وأن الأحاديث الواردة في هذه الكتب تتفاوت، إلا أنها أصح ما نقلت أمة من تراث ماضيها وأن أئمة هذا الشأن وضعوا قواعد وشروطا لرواية الحديث وتعيين درجاته وألفوا فيها كتابا صارت لأهميتها وسعتها علما جليلا هو علم السنة، والأمة العاملة بالأحكام المستنبطة من كتاب الله وحديث رسوله وما يقاس عليها وما أجمع عليها أئمتها مما لا يخالف شيئا من نصوصها هم أهل السنة، ولأنهم جمهور المسلمين وجماعتهم قيل لهم أهل السنة والجماعة.

وهناك أقليات لم تتقيد بما نقيد به أهل السنة من أحاديث رسول الله ﷺ التي صحت عنه في كتب السنة التي أشرنا إليها، لكنهم شاركوهم في كونهم من أهل القبلة وفي صلاتهم وحجهم، وأقرب هذه الأقليات إلى أهل السنة الزيدية ثم الأباضية ثم الشيعة الاثنا عشرية فأحمدية لاهور الذين لا يقولون بنبوة المأفون الكذاب غلام أحمد القادياني. أما القائلون بنبوتهم فهم أبعد من هؤلاء عن الإيمان الإسلامي.

ويلي هؤلاء أقليات أخرى باطنية لا تعد نفسها من أهل القبلة، إلا أنها تنتسب إلى الإسلام ولها في نصوصه وعقائده فهم خاص، وفي مقدمة هؤلاء إسماعيلية البهرة ثم إسماعيلية أغا خان والنصيرية والدروز، وكان يمكن أن يعد في هؤلاء البابية والبهائية لولا أنهم أعلنوا انفصالهم عن الإسلام، وابتدعوا دينا مستقلا زادوا به الديانات المعروفة اختلافا جديدا لم تكن في حاجة إليه، فخرجوا بذلك حتى عن اسم الإسلام.

والفرق بين أهل السنة والشيعة راجع إلى أهل السنة يحصرون مصدر التشريع في النبي ﷺ ويرون أن العصمة له وحده فيما بلغ عن ربه وفيما يستلزمه كمال رسالته. أما الشيعة الاثنا عشرية فيدعون العصمة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأحد عشر رجلا من سلالته، وإن لم يدعها علي لنفسه، أو أحد من بنيه له ولهم. ويرى الشيعة أن هؤلاء الأثنى عشر مصدر تشريع على خلاف ما كان يؤمن به هؤلاء الصالحون ـ رحمهم الله ـ.

وفرق آخر جوهري بيننا وبين الشيعة هو أن التشريع الذي وصل إلينا عن النبي ﷺ إنما وصل عن طريق أصحابه الكرام البررة الصادقين، وقد نقله عنهم العدول الصادقون الحافظون من التابعين ومن جاء بعدهم، فالصحابة هم حملة أمانة التشريع عن النبي ﷺ، وهم { خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [1] كما قال الله عز وجل فيهم. وأن الذين أنفقوا منهم وقاتلوا مع النبي ﷺ قبل فتح مكة أعظم درجة عند الله من جميع خلق الله كما أثنى عليهم الله بذلك، ومن أصدق من الله قيلا وقد وعدهم الله الحسنى هم وكل من تشرف بعدهم بصحبة خير خلقه ﷺ إلى أن لقي ربه، وكل ما نحن فيه الآن من نعمة الإسلام وقيام الدولة الإسلامية ووجود الأمة المحمدية هو من ثمرات جهاد الصحابة ونتائج أعمالهم، ولولاهم لكنا وكان الشيعة أيضا كفرة فجرة خاسرين، فكل حسنة لكل مسلم على وجه الأرض ـ سواء أكان سنيا أو زيديا أو أباضيا أو شيعيا ـ فإن للصحابة الذين جاهدوا لإدخال البلاد في الإسلام نصيبا من ثواب الله له على تلك الحسنة إلى يوم القيامة.

هذه مكانة الصحابة عند الله. وهذا جزاؤهم عنده، وأهل السنة يدينون بذلك، وكانوا جميعا إخوانا متحابين، وقد كان علي وإخوانه أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير أتقى لله من أن يكون في قلب أحدهم منهم غل لإخوانه، وكان في عنق علي بيعة لأخيه أبي بكر، ثم لأخيه عمر، ثم لأخيه عثمان، وكان من شديد محبته لهم أن سمى أبناء له بأسمائهم، وكان من وثيق رابطته بهم أن صاهرهم وتعاون معهم وأمر ولديه وفلذتي كبده أن يكونا على باب عثمان لدفع الثوار الأشرار وبذل دمائهما فداء لدمه، لولا أن عثمان نفسه أمرهما وأمر الصحابة جميعا، ـ بصفته أمير المؤمنين ـ أن يكفوا عن الدفاع حقنا منه لدماء المسلمين وتضييقا لدائرة الفتنة وإمعانا منه في إقامة الحجة، ولأن النبي ﷺ بشره بالشهادة والجنة.

أما اعتقاد الشيعة بأن الصحابة كفروا إلا خمسة وهم علي والمقداد وأبو ذر وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر، فهو الكفر. وهو الباطل.

وأما اعتقاد الشيعة بعصمة علي وأحد عشر شخصا من بنيه وأن الشريعة هي التي يرويها عنهم المتعصبون لهم وإن عرفوا بالكذب والفساد فهو الكذب على الله، وهو الفساد.

فالنبي ﷺ هو وحده المعصوم في هذه الأمة ولا معصوم فيها غيره وهو وحده ﷺ مصدر التشريع بما أنزل الله عليه في الكتاب وما ثبت عنه في صحيح السنة { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [2] وهذا الوحي انقطع بالتحاقه ﷺ بالرفيق الأعلى فانقطع التشريع بذلك فلا تشريع بعده ولا معصوم غيره، ولا حكم إلا لله وما قيس على أحكام الله، وما أجمع عليه أئمة الملة مما لا يخالف حكما ثابتا في كتاب الله أو سنة رسوله.

وأصحاب رسول الله ﷺ هم حملة شريعته وأمناؤها الذين أدوها إلى الأمناء بعدهم، فالصحابة كلهم عدول وأن تفاوتوا في العلم والمنزلة { لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } [3] فمن زعم أن فيهم من لا يصدق عليه وعد الله له بالحسنى فقد افترى على الله وكفر بمخالفته نص الكتاب وخرج بذلك من ربقة الإسلام. وكانوا كلهم أخوة متحابين { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } [4] فمن زعم أن قلب أحد منهم لأخيه ضغنا لا رحمة، وإحنة وفسادا لا محبة وإيثارا، فقد كذب القرآن وآذى رسول الله في أصحابه وأساء إلى علي بتشويه ما كان عليه من سمو وصلاح وفضيلة.

والخلافة نفسها كانت في نظرهم تكليفا وعبئا يحمله من يحمله منهم تدينا وتطوعا. ولم تكن حقدا لأحد منهم قبل أن يتولاها، ولا متعة له أو مأكلة بعد ولايتها، حتى يتنازعوا عليها أو يتعادوا لأجلها. وقد قام بها الأربعة الراشدون سلام الله عليهم جميعا رحمته ورضوانه ـ واحدا بعد واحد ـ فكانوا المثل الأعلى في النزاهة والأمانة والعفة والكفاف والإنصاف وبعد النظر وإيثار الخير والحق.

وكان علي محبا لجميع الصحابة ـ وفي مقدمتهم إخوانه الذين سبقوه في حمل أعباء الأمة ـ عارفا عظيم منزلة أهل المنزلة منهم عند رسول الله عاقدا قلبه على بيعة من بايعه منهم صدقا لا نفاقا، وهو أجل من أن ينافق فمن ادعى خلاف ذلك فقد ذم عليا واستحق منه البراءة والسخط، ومن الله اللعنة والنار.

وسنة رسول الله ﷺ التي حملها أصحابه ومحصها الأئمة بعدهم وبينوا صحيحها من سقيمها، ودلوا على الأمناء من رواتهم وميزوهم عن الكذبة والأشرار والضعفة الذين لا كفاءة بهم لهذا الأمر، هي السنة الصحيحة، أي لا يعرف التاريخ أمانة من أمانات الماضي بذل صفوة البشر أقصى عنايتهم في صيانتها كما بذل علماء المسلمين في تمحيص سنة نبيهم وإنقاذها من أهواء الكذبة المتعصبين للباطل، المتشيعين للفتنة والفساد.

وبعد وضوح هذه الفروق الأساسية بين طريقة السنة وطريقة الشيعة في النظر إلى الإسلام وتعيين الأسس التي يقوم تشريعه عليها نحب أن يعلم القارئ أن أهل السنة يجتمعون مع الشيعة عليها في اسم الإسلام وفي الولاية له بالجملة، وأهل السنة لا يسوؤهم أن يتعاون الفريقان فيما اتفقا عليه، بشرط أن يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه، ما دام متعذرا عدول أهل السنة عما عرفوه من الحق، أو عدول الشيعة عما ألفوه من مبادئهم وطرائقهم. فالتعارف والتعاون على الخير من الخير. وكان كاتب هذه السطور من دعاة هذا التعارف وهذا التعاون منذ أربعين سنة إلى الآن، ثم نجم أخيرا داع من الشيعة حضر إلى مصر من إيران ليدعو إلى ما سماه التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومراده من ذلك أن يحدث شيئا جديدا مؤلفا مما عند أهل السنة والشيعة فقط. أما الأباضية فلم يدعهم إلى هذا التقريب مع أن في مصر بعض علمائهم. ونحن أيقنا من اليوم الأول أن هذا التقريب بين مذهبي السنة والشيعة غير ممكن ولا معقول ثم هو يؤدي إلى فساد، لأن لكل من المذهبين أساسا يقوم عليه ويختلف اختلافا جوهريا عن الأساس الذي يقوم عليه المذهب الآخر، والطريقة التي يمكن بها التقريب هي أن يتنازل أتباع أحد المذهبين عن مذهبه ويلتحق بأهل المذهب الآخر. ولم نأنس من داعية هذا التقريب أنه وجماعته مستعدون لهذا التنازل، فلم يبق إلا أن يطمع في تنازل أهل السنة عن مذهبهم، أو تكوين مذهب ثالث جديد مؤلفا من بعض ما عند هؤلاء وبعض ما عند هؤلاء، ولا ينتظر بعد ذلك أن يرضى به أهل السنة ولا الشيعة فيكون فسادا جديدا في الإسلام.

والكتاب الذي نقدمه الآن للقراء هو حكاية التقريب على طريقة تنازل أحد الفريقين عن أصوله فإن مجتهدي الشيعة من الإيرانيين وعلماء النجف اجتمعوا في يوم الخميس 25 شوال سنة 1156 بمحضر من علماء أهل السنة والجماعة في اردلان والأفغان وما وراء النهر ( بخارى وما إليها ) برئاسة علامة العراق السيد عبد الله السويدي كاتب هذه الواقعة في كتابنا هذا، وكان اجتماعهم تحت المسقف الذي وراء الضريح المنسوب إلى الإمام علي ـ كرّم الله وجهه ـ، واجتمع للاستماع لما يقع في هذا المؤتمر خلائق لا يحصر عددهم إلا الله من العجم والعرب والتركستان ممن يتألف منهم جيش نادر شاه ومن سكان هذه الجهات، وكان نادر شاه ـ وهو أعظم ملوك إيران في العصور الأخيرة ـ يراقب أعمال المؤتمر. فقرر علماء الشيعة ومجتهدوهم جميعا بلا استثناء ـ وعلى رأسهم عظيمهم الديني الملا باشي ـ أنهم ينزلون على مذهب أهل السنة في الصحابة، ويرفعون كل محدثات الخبيث الشاه إسماعيل الصفوي، ويعترفون بأن اتفاق الصحابة عند وفاة النبي ﷺ إنما كان على أفضلهم وأخيرهم وأعلمهم أبي بكر الصديق، وأن الإمام عليا بايعه كما بايع سائر الصحابة، وإجماعهم حجة قطعية. ثم عهد أبو بكر لعمر فبايعه الصحابة والإمام علي معهم، ثم اتفق رأيهم على عثمان، ووليها بعده علي، وأن فضلهم وخلافتهم على ذلك الترتيب فمن سب أو قال خلاف ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد وضعوا جميعا أختامهم على المحضر الرسمي لهذا المؤتمر.

فهذا العمل الذي قام به مجتهدو الشيعة وعلماؤهم سنة 1156 في محضر عام يصح أن يسمى ( تقريبا ) لأنه أزال ( المكفرات ) التي كان يفترق بها الشيعة عن أهل السنة افتراقا أساسيا.

أما الدعوة الجديدة المريبة إلى ( التقريب ) بين مذهبين مختلفين في الأسس التي قام كل منهما عليها لمآرب يظهر أن لبعض الجهات الدبلوماسية علاقة تشجيع عليها، وبطرق سخيفة لا تنطبق على علم ولا على شرع، فإنها جديرة بأن ترفض من أهل السنة ومن الشيعة على السواء لما ينتج عنها من عبث بالمذهبين قد يبلغ إلى أن يكون منه مذهب ثالث تزاد به الفرقة بين المسلمين، وقد سمعنا أن مجتهدي الشيعة في الشام السيد محسن الأمين أشد إنكارا لهذا التقريب، وإلى الآن لم يكتب في تأييد ذلك إلا أفراد من الشيعة لا يمثلون علماءهم الموثوق بهم.

وكتاب المؤتمر الذي نقدمه بعد هذه المقدمة مكتوب بقلم رئيسه السيد عبد الله السويدي، وكان قد نشر في سنة 1333 بعنوان ( الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية ) بطبعة السعادة بالقاهرة، إلا أن انتشاره كان محدودا وفي نطاق ضيق، ورأيت أكثر أهل العلم لم يطلع عليه، ولا سبيل إلى الحصول على نسخ منه، فدعاني ذلك إلى إعادة نشره لمناسبة فتنة التقريب المريب التي فشلت ولله الحمد زد على ذلك أن ( مؤتمر النجف ) كان الأول من نوعه في المجتمع الإسلامي على ما وصل إليه علمي.

والسيد عبد الله السويدي ـ رئيس هذا المؤتمر، وكاتب هذا الكتاب ـ هو أبو البركات ابن السيد حسين بن مرعي بن ناصر الدين، وأسرة السويدي إحدى الأسر العظيمة الكريمة في بغداد، وهي من سلالة البيت العباسي الذي اضطلع بأمر الخلافة الإسلامية زمنا طويلا.

ولد السيد عبد الله سنة 1104 وتوفى سنة 1170، وكان عند رياسته هذا المؤتمر في الثانية والخمسين من عمره، أخذ العلم عن أحمد بن أبي القاسم المدائني المغربي وعمه السيد أحمد بن مرعي السويدي والشيخ سلطان الجبوري ومحمد بن عقيلة المكي والشيخ علي الأنصاري الأحسائي وغيرهم من علماء العراق والحجاز والشام، وقد امتدحه السيد محمود شكري الآلوسي بأنه " شيخ البسيطة على الإطلاق وزين الشريعة بالإجماع والاتفاق " وله من المؤلفات شرح جليل على صحيح البخاري، وكتاب المحاكمة بين الدماميني والشمني فيما كتباه على مغني اللبيب، ورشف الضرب، والنفحة المسكية، والأمثال السائرة، وشرح دلائل الخيرات، وكتاب رحلته المكية الذي أثبت فيه ما نقلناه في هذا الكتاب عن مؤتمر النجف، وقد حج ذلك العام شكرا لله على ما أتم على يده من إقناع نادر شاه وجماهير الشيعة بمنع سب أصحاب رسول الله ﷺ.

والله ولي الحق والخير وأهلهما، والحمد لله رب العالمين.


مؤتمر النجف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين.

أما بعد، لما يسر الله لي نصرة الشريعة الغراء، وردع أهل البدع والإغراء عزمت على حج بيت الله الحرام، شكرا له على ما وفقني من نيل المرام، وما به إصلاح أهل الإسلام، وإجراء الحق على يدي، وإخماد نار الباطل بمباحثتي وإرجاع الشيعة عما هم عليه من سب الصحابة وتكفيرهم وإدعائهم الفضل والخلافة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وتجوزيهم المتعة والمسح على الرجلين، وغير ذلك من قبائحهم وبدعهم وضلالتهم المشهورة المتواترة عنهم.

وقصة ذلك ـ باختصار ـ أن مملكة العجم لما اضمحلت، وملك الأفغان دار مملكتهم أصفهان [5] وملك آل عثمان ـ أيد الله بالتوفيق دولتهم ـ بعض البلدان، وذلك بعد قتل الأفغان شاه حسين، فظهر ابنه طهماسب ليأخذ بالثأر ويكشف العار، فجمع من حوله الأعاجم، فاجتمع عليه خلق كثير. ومن جملة من انضم إليه نادر شاه، وكان طهماسب قليل الفكر والاهتمام بأمور الرعية، منهمكا بشرب الخمر، فتقرب إليه نادر إلى أن صار اعتماد دولته [6] وسلمه جميع أموره فشرع نادر هذا في رد الممالك فأخذ أصفهان من يد الأفغان وفرقهم شذر مذر، فلقب بطهماسب قلي، ومعناه: عبد طهماسب، وغلب عليه هذا اللقب إلى أنه لا يكاد يعرف اسمه الأول، ثم ثنى عنان عزمه على نحو الممالك التي بيد آل عثمان يخلصها من أيديهم، وجاء في عسكر عظيم ليحاصر بغداد، والوالي فيها الوزير الكبير والدستور المشير، عضد الدولة العثمانية ونظام المملكة الخاقانية الوزير بن الوزير أحمد باشا بن المرحوم حسن باشا، ولم يكن الوزير المشار إليه مأمورا بقتال هذا الباغي الخارجي ؛ بل كان مأمورا بحفظ داخل القلعة، وأنه لو وقعت عمامته خارج السور لا يخرج إلى أخذها، وكان معه من الوزراء ثلاثة للمحافظة: قره مصطفى باشا، وصاري مصطفى باشا، وجمال أوغلي أحمد باشا فحاصر هذا الباغي بغداد ثمانية أشهر حتى نفد الزاد وأكلوا لحوم الخيل والحمير بل والسنانير والكلاب. فدفعه الله عن بغداد وسلمها منه، وذلك أن آل عثمان جهزوا عليه عسكرا، ورئيس العسكر طوبال عثمان باشا فتوجه نحو بغداد وهزم جنود الأعاجم حتى طهماسب قلي معهم وكسرهم لكن بعد قتال شديد. ثم بعد كسره وهزيمته جاء ثانيا وحاصرها الوزير الوالي أحمد باشا أيضا. فنجاها الله تعالى منه. ثم أنه توجه نحو الروم إلى أرض ارزن روم فنجاها الله منه. ولما رجع إلى صحراء مغان بايعه الأعاجم على السلطنة بتدبير منه، وكان تاريخ المبايعة ( الخير فيما وقع ) سنة 1148 ومن لم يرض بيعته قلب التاريخ المذكور وقال: ( لا خير فيما وقع ) وهو أيضا عين التاريخ الأول. ثم أنه توجه نحو الهند، ولم يزل يمر في تلك البلاد إلى أن وصل إلى جهان آباد كرسي مملكة الهند فضبطها بعد قتال كثير، ثم أنه صالح سلطانها شاه محمد وأخذ من الهند أموالا كثيرة لا تعد ولا تحصى ورتب على شاه محمد كل عام أن يرسل خزينة من الأموال معلومة الأجناس والعدد، فارتحل من الهند وتوجه تحت تركستان واستولى على بلخ وبخاري والحاصل أن الأفغان والتركستان وجميع أهل إيران أطاعوه، وتزعم العجم أن الهند ـ شاههم شاه محمد ـ بايعوه، وأن الشاه محمد وكيل عنه، ولأجل ذلك لقب نفسه شاهنشاه وأمر أن لا يسمى إلا بهذا الاسم، وأوعد من يطلق عليه غير هذا الاسم. ثم توجه نحو داغستان يريد اللزك، وهو في هذه المدة لا تنقطع سفراؤه ورسله عن الدولة العثمانية، فتارة يطلب منهم حد الرها إلى ما وراء عبادان، وأن هذا ملكه بحسب الإرث عن تيمور الذي يدعى أنه وارثه ويطلب منهم أيضا التصديق بأن المذهب الشيعي الذي هم عليه الآن هو مذهب جعفر الصادق وأنه حق! ويقولون: مذاهب الإسلام خمسة، ويطلب أن يكون له ركن خامس في الكعبة! ويطلب أن يكون هو الذي يباشر طريق الحج من طريق زبيدة فيصلح البرك والآبار وغير ذلك، ويطلب أن يكون أمير الحاج، وإذا ذهب من طريق العراق يذهب واحد من طرفه بالناس ويرجع... ولم يزل هذا دأبه وديدنه وهو يسعى في الأرض بالفساد حتى أخرب أكثر أراضي العراقيين، وظهر الخلل فيها إلى عام 1156 فجاء إلى عراق العرب بجحافل متواترة وجنود متوفرة عدد الرمل والحصى، وبث سراياه وعساكره في تلك الأراضي، فأبقى لحصار بغداد نحو سبعين ألفا وأرسل لحصار البصرة نحو تسعين ألفا، فحاصروها مدة ستة أشهر إلا أن البصرة ضاربوها بالطوب ( أي المدفع ) والقنابر والبنادق، أما بغداد فإنهم كانوا عنها على نحو فرسخ، وما ذلك إلا بتدبير واليها الوزير الكبير أحمد باشا. وأما نادر شاه وباقي عسكره فتوجه إلى شهرزور فأطاعه أهلها وكذلك عشائر الأكراد والأعراب، ثم توجه إلى قلعة كركوك فحاصرها ثمانية أيام ضرب عليها في هذه المرة عشرين ألف طوب ومثلها قنابر فسلموا وأطاعوه، ثم توجه إلى أربل فسلم أهلها وأطاعوه، ثم توجه إلى الموصل ـ وكان معه من العسكر نحو مائتي ألف مقاتل ـ فرمى عليها في خلال سبعة أيام نحو أربعين ألف طوب ومثلها قنابر، فسلموا الأمور لمدبرها وهو الله تعالى. ثم حفر لغوما وملأها بارودا ورصاصا وأشعلها بالنار فكانت وبالا عليه، فلما علم أنه لا يحصل من الموصل على طائل ارتحل عنها وتوجه بعسكره إلى بغداد، فجاء ونزل في قصبة سيدنا موسى بن جعفر [7] فزاره وزار محمدا الجواد، ثم عبر دجلة في قارب وزار الإمام أبا حنيفة [8] ولم تزل الرسل تختلف بينه وبين أحمد باشا إلى أن رفع مطالبة بالإقرار بصحة مذهب الشيعة والتصديق بأنه مذهب جعفر الصادق، ثم توجه إلى النجف لزيارة الإمام علي بن أبي طالب. وليرى القبة التي أمر بأن تبنى بالذهب.

فبينما أنا جالس قبيل المغرب من يوم الأحد الحادي والعشرين من شوال إذ جاء رسول الوزير أحمد باشا يدعوني إليه. فذهبت بعد صلاة المغرب ودخلت دار الحكم فخرج إلي بعض ندمائه وسماره ( أحمد أغا ) فقال: أتدري لم طلبك؟

قلت: لا

قال: إن الباشا يريد أن يرسلك إلى الشاه نادر.

فقلت: ولم ذلك؟

قال: إنه ( يعني نادر شاه ) يريد عالما يبحث مع علماء العجم في شأن مذهب الشيعة ويقيم الدلائل على بطلانه والعجم يقيمون الدلائل على صحته فإن غلب عالمنا يجب أن يقر ويصدق بالمذهب الخامس.

فلما قرع سمعي هذا الكلام وقف شعري وارتعدت فرائصي وقلت: يا أحمد أغا، أنت تعلم أن الروافض أهل عناد ومكابرة فكيف يسلمون لما أقول؟ لاسيما وهم في شوكتهم وكثرة عددهم، وهذا الشاه ظالم غشوم فكيف أتجاسر على إقامة الدليل على بطلان مذهبه وتسفيه رأيه؟ وكيف تحصل المباحثة معهم وهم ينكرون كل حديث عندنا، فلا يقولون بصحة الكتب الستة ولا غيرها، وكل آية أحتج بها يؤولونها ويقولون: الدليل إذا تطرقه الاحتمال يبطل به الاستدلال، كما أنهم يقولون: شرط الدليل أن يتفق عليه الخصمان، على أن الأمور الاجتهادية تفيد الظن، فكيف أثبت لهم جواز المسح على الخفين وهو قد ثبت بالسنة؟ فإن قلت: روى حديث المسح على الخفين نحو سبعين صحابيا منهم الإمام علي، قالوا: عندنا ثبت عدم جواز المسح برواية أكثر من مائتي صحابي منهم أبو بكر وعمر، فإن قلت: إن هذه الأحاديث التي توردونها في عدم صحة المسح موضوعة مفتراة، قالوا: كذلك الأحاديث التي توردونها في صحة المسح موضوعة، فما هو جوابكم هو جوابنا. فكيف يلزمون بمثل هذه الأحاديث؟ فأرجو من جناب الوزير أن يرفع هذه المحنة عني، وليرسل المفتي الحنفي أو المفتي الشافعي، فإنهما الأنسب في مثل هذه الحادثة.

فقال أحمد أغا: هذا أمر لا يمكن، وجناب الباشا اختارك لذلك فما يسعك سوى الامتثال فلا تحرك لسانك بخلاف مراده.

قال السويدي: ثم اجتمعت بالوزير أحمد باشا صبيحة تلك الليلة فتذاكر معي بخصوص هذا الأمر كثيرا وقال:

أسأل الله تعالى أن يقوي حجتك، ويطلق بالصواب لسانك وأنت مخير بين المباحثة وتركها. ولكن لا تترك البحث بالكلية، بل أورد بعض الأبحاث من خلال الصحبة بالمناسبة ليعلم العجم أنك ذو علم وإن رأيت منهم الإنصاف، وأنهم يريدون إظهار الصواب فابحث معهم، وإياك أن تسلم لهم.

ثم قال: إن الشاه في النجف وأريدك أن تكون عنده صبيحة يوم الأربعاء.

وأتى لي بكسوة فاخرة، ودابة، وخادم، وأرسل معي بعض خدام ركابه، وواجهنا مع رسل العجم الذين جاؤا في طلبنا. فخرجنا يوم الاثنين قبيل العصر لاثنتين وعشرين خلون من شوال، فلم أزل في الطريق أصور الدلائل من الطرفين وأخيل الأجوبة إذا وقع اعتراض. ولم يزل هذا دأبي وديدني، لا فكر لي إلا في تصوير الدلائل ودفع الشبه، حتى أني صورت أكثر من مائة دليل، وعلى كل دليل جعلت جوابا أو جوابين أو ثلاثة على حسب الشبه ومظنتها. وحصل لي في الطريق ضيق، حتى صار بولي دما عبيطا فدخلنا حلة دبيس بن زيد ـ وهي إذ ذاك في يد الأعاجم ـ فلقيت فيها بعض أهل السنة والجماعة، فأخبروني بأن الشاه جمع لهذه المسألة كل مفت في بلاده، وقد بلغوا الآن سبعين مفتيا كلهم روافض، فلما طرق سمعي ذلك حوقلت واسترجعت [9] وزورت في نفسي كلاما وقلت: إن زعمت أني لست بمأمور بالمباحثة أجد نفسي لا تطيب بذلك، وإن باحثتهم أخشى أن ينقلوا للشاه خلاف ما يقع، فعزم رأيي وجزم فكري بأني لا أباحثهم إلا بحضور الشاه، وأقول له: إن مباحثتي تحتاج إلى حكم عالم لا يكون سنيا لئلا يتهم بأنه يريد مناصرتي، ولا شيعيا لئلا يتهم بأنه يريد مناصرتهم، فنحتاج حينئذ إلى عالم إما يهودي أو نصراني أو غير ذلك ممن لا يكون سنيا ولا شيعيا، وأقول له إنا قد رضينا بك، وأنت الحكم بيننا والله تعالى سائلك يوم القيامة فاسمع مقالنا لكي يظهر لك الحق.

ثم أني خليت لو مال رأيه إليهم، أخاصمه وأكالمه ولو أدى ذلك إلى قتلي، هذا كله أجريته في مخيلتي.

فخرجنا من الحلة المذكورة وقت العشاء الأخيرة ليلة الأربعاء المعهودة وكانت ليلة كثيرة الدث والضباب[10] لا يبصر الإنسان يده، وهي أشد وأبرد من الليلة التي قال فيها الشاعر:

في ليلة من جمادي ذات أندية ** لا يبصر الكلب في أرجائها الطنبا

فلم نزل نسير تلك الليلة إلى أن جئنا ( المشهد ) المنسوب إلى ذي الكفل على نبينا وعليه الصلاة والسلام ـ وهو في نصف الطريق بين الحلة والنجف ـ فنزلنا خارج البناء واسترحنا قليلا، وسرينا، وصلينا الفجر عند بئر دندان، فلم نشعر إلا والبريد [11] يعدو عدوا شديدا، فقال لي:

ـ أسرع فإن الشاه يدعوك في هذا الوقت

وكانت المسافة بيني وبين مخيم الشاه فرسخين، فقلت للبريد:

ـ وكيف عادة الشاه إذا أرسل إليه رسول من بعض الملوك، أيطلبه كطلبي هذا من الطريق، أم يبقى مدة ثم يطلبه؟

قال: ما طلب أحدا غيرك من الطريق ولا طلب سواك.

فتحركت السوداء، وقلت في نفسي ما طلبك الشاه مستعجلا إلا ليلجئك على الإقرار والتصديق بمذهب الإمامية، فأولا يرغبك في الأموال فإن أجبته وإلا أكرهك على ذلك، فما رأيك؟ فخرجت على أني أقول الحق ولو كان فيه تلف نفسي، ولا يميلني ترغيب، ولا يزعجني ترهيب. وقلت: إن الإسلام وقف يوم توفي رسول الله ﷺ فمشى بسبب أبي بكر الصديق رضي الله عنه ووقف ثانيا في محنة القول بخلق القرآن، فدرج بسبب أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ. وفي هذا اليوم وقف الإسلام ثالثا فإن توقفت وقف وقوفا أبديا ( نعوذ بالله من ذلك ) وإن درجت درج درجا سرمديا، ووقوفه ودرجه بسبب وقوف أهله ودرجهم. ولا ريب أن أهل تلك الأطراف لهم بهذا الفقير حسن ظن فيعتقدون بي: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فجزمت نيتي وحسنت طويتي ووطنت نفسي على الموت حتى استسهلته وقلت: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وسقت دابتي وأنا أكرر الشهادتين، فتراءى لي علمان كبيران رفيعان كالنخلة السحوق فسألت عنهما، فقيل لي: إنهما علما الشاه يغرزهما ليعلم أكابر الجنود كيفية نزولهم في المخيم، فمنهم من ينزل عن يمين العلمين ومنهم من ينزل عن شمالها... إلى غير ذلك من الأوضاع، فسرنا حتى رأينا الخيام، وخيمته على سبعة أعمدة كبار رفيعة، فجئنا إلى محل يعبر عنه عندهم بالـ( كشك خانه ) وهي عبارة عن خيام متقابلة، في كل طرف خمس عشرة خيمة على هيئة القبلة التي لها إيوان، لكن بلا عمد وبين رأس الخيام مما يلي خيمة الشاه رواق متصل وفي وسطه باب عليه سجاف، ففي الخيام التي على اليمين نحو أربعة آلاف بنادقي ليلا ونهارا يحرسون، والتي عن الشمال فارغة كراسي منصوبة لا غير، فلما دنوت إلى الكشك خانه نزلت، فخرج لاستقبالي رجل، فرحب بي، وأكرمني ولم يزل يسألني عن الباشا وعن خواص أتباعه، وأنا أتعجب من كثرة معرفته بأتباع الشاه، فلما عرف ذلك مني قال:

ـ كأنك لا تعرفني!

قلت: نعم

فقال: أنا عبد الكريم بيك، خدمت في باب أحمد باشا مدة، وفي هذه الأيام أرسلت من طرف الدولة الإيرانية إلى الدولة العثمانية إيلجيا ( سفيرا ).

فينما هو يحدثني ؛ إذا نحن بتسعة رجال أقبلوا، فلما وقع نظره عليهم قام على قدميه، فسلموا علي، فرددت عليهم وأنا جالس لا أعرفهم، فشرع عبد الكريم يعرفهم لي واحدا بعد واحد فقال لي:

ـ هذا معيار الممالك حسن خان، وهذا مصطفى خان، وهذا نظر علي خان، وهذا ميرزا كافي...

فلما سمعت بذكر ( معيار الممالك ) قمت على قدمي فصافحني هو ومن معه ورحبوا بي. ومعيار الممالك هو وزير الشاه، كرجي الأصل من موالي شاه حسين.

ثم قالوا لي: تفضل لملاقاة الشاه.

فرفعوا السجف التي وسط الرواق فبان وراءه رواق آخر، بينهما فسحة ثلاثة أذرع، فأوقفوني هناك وقالوا:

إذا وقفنا قف، وإذا مشينا امش!

فأخذنا ذات اليسار فانتهى الرواق وإذا ببرقع واسع يحيط به رواق يرى من البعد وفيه من الخيام كثير لنسائه وحرمه، فنظرت إلى خيمة الشاه وإذا هو عني مقدار غلوة سهم، جالس على كرسي عال. فلما وقع نظره علي صاح بأعلى صوته:

مرحبا بعبد الله أفندي! أخبرني أحمد خان ( يعني أحمد باشا ) يقول إني أرسلت لك عبد الله أفندي...

ثم قال لي: تقدم!

فتقدمت مثل الأول، ووقفت ولم يزل يقول لي ( تقدم! ) وأنا أتقدم خطا صغيرا حتى صرت منه قريبا نحو خمسة أذرع، فرأيته رجلا طويلا كما يعلم من جلسته وعلى رأسه قلنسوة مربعة بيضاء كقلانس العجم وعليه عمامة من المرعز مكللة بالدرر واليواقيت والألماس وسائر نفائس الجواهر وفي عنقه قلائد در وجواهر على عضده كذلك. والدر والألماس واليواقيت مخيطة على رقعة مربوطة بعضده، ويلوح على وجهه أثر الكبر وتقدم السن، حتى أن أسنانه المتقدمة ساقطة، فهو ابن ثمانين عاما تقريبا ولحيته سوداء مصبوغة بالوسمة [12] ولكنها حسنة، وله حاجبان مقوسان مفروقان وعينان تميلان إلى الصفرة إلا أنهما حسنتان. والحاصل صورته جميلة. فحينما وقع نظري عليه زالت هيبته عن قلبي، وذهب عني الرعب فخاطبني باللغة التركمانية ( كخطابه الأول ) وقال لي:

ـ كيف حال أحمد خان؟

فقلت: بخير وعافية.

فقال: أتدري لم أردتك؟

قلت: لا!

فقال: إن في مملكتي فرقتين تركستان وأفغان يقولون للإيرانيين ( أنتم كفار ) فالكفر قبيح ولا يليق أن يكون في مملكتي قوم يكفر بعضهم بعضا، فالآن أنت وكيل من قبلي: ترفع جميع المكفرات، وتشهد على الفرقة الثالثة يما يلتزمونه. وكل ما رأيت أو سمعت تخبرني وتنقله لأحمد خان...

ثم رخص لي بالخروج، وأمر أن تكون دار ضيافتي عند اعتماد الدولة وأن اجتمع بعد الظهر مع الملا باشي علي أكبر.

فخرجت وأنا في غاية الفرح والسرور، لأن حكم العجم صار بيدي.

وأتيت دار الضيافة فجلست قليلا ؛ فجاء الاعتماد إلى خيمته فدعاني إلى الطعام، وكان المهمندار نظر علي خان وفي صحبته عبد الكريم بك، وأبو ذر بك. كان هؤلاء في خدمتي.

فلما أقبلت على الاعتماد وسلمت عليه رد علي السلام وهو جالس فانفعلت ووجدت في نفسي حيث لم يقم على قدميه، فقلت في نفسي: إذا استقر بي الجلوس أقول للاعتماد: إن الشاه أمر برفع المكفرات ووكلني على ذلك، فأول كفر أرفعه الكفر الصادر منك حيث قصدت تحقير العلماء وإهانتهم، ولا أرضى برفعه إلا بقتلك. ثم أقوم من مجلسه وأذهب إلى الشاه لأخبره بالواقعة. هذا كله صورته في نفسي، فلما استقر بي الجلوس نهض على قدميه ورحب بي، وإذا هو رجل طويل جدا أبيض الوجه كبير العينين، لحيته مصبوغة بالوسمة إلا أنه رجل عاقل يفهم المحاورات ويعقل المذاكرات، في طبعه لين، وميل إلى السنة والجماعة. فلما قام علمت أن هذه عادتهم: يقومون بعد جلوس القادم، فأكلت عنده الغداء، فجاء الأمر باجتماعنا مع الملا باشي، فركبت دابتي وجماعة المهمندار يمشون أمامي. فعارضني رجل طويل في الطريق، زيه زي الأفغان. فسلم علي ورحب بي فقلت له: من أنت؟

فقال: أنا الملا حمزة القلنجاني مفتي الأفغان.

فقلت: يا ملا حمزة، أتحسن العربية؟

قال: نعم.

قلت: إن الشاه أمر برفع كل مكفر عند الإيرانيين، فربما ينازعونني في شيء من المكفرات، أو أنهم لا يذكرون بعض المكفرات ونحن لا نعرف أحوالهم ولا عبادتهم، فما اطلعت على مكفر فاذكره حتى أرفعه.

فقال: يا سيدي إياك أن تغتر بقول الشاه، إنه أنما أرسلك إلى الملا باشي ليباحثك أثناء الكلام وفي خلال المباحثة فاحترز منهم!

فقلت: إني أخشى عدم إنصافهم.

قال: كن أمينا من هذه فإن الشاه جعل على هذا المجلس ناظرا وعلى الناظر ناظرا آخر، ثم على الآخر آخر. وكل واحد لم يدر بحال صاحبه، فلا ينقل للشاه غير الواقع.

فلما قربت من خيمة الملا باشي خرج لاستقبالي راجلا، فإذا هو رجل قصير أسمر له صداغ [13] إلى نصف رأسه، فنزلت عن دابتي فرحب بي وأجلسني فوقه على المنصة وجلس كهيئة التلميذ، فدار الكلام بيننا إلى أن خاطب الملا باشي مفتي الأفغان فقال له:

ـ رأيت اليوم هادي خوجه بحر العلم؟

فقال: نعم

وهادي خوجه هذا قاضي بخارى، لقبه بحر العلم، جاء إلى أوردي الشاه ( أي إلى المعسكر ) قبل مجيئي بأربعة أيام ومعه ستة من علماء ما وراء النهر [14] فقال الملا باشي:

ـ كيف يسوغ له أن يلقب ببحر العلم وهو لا يعرف من العلم شيئا، فوالله لو سألته عن دليلين في خلافة علي لما استطاع أن يجيب عنهما، بل ولا الفحول من أهل السنة ( وكرر الكلام ثلاث مرات ) فقلت له:

ـ وما هذان الدليلان اللذان لا جواب عنهما؟

قال: قبل تحرير البحث أسألك هل قول رسول اللَّهِ ﷺ لعلي: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي من بعدي »، ثابت عندكم؟

فقلت: نعم إنه حديث مشهور.

فقال: هذا الحديث بمنطوقه ومفهومه يدل دلالة صريحة على أن الخليفة بالحق بعد النبي ﷺ علي بن أبي طالب.

قلت: ما وجه الدليل من ذلك؟

قال: حيث أثبت النبي لعلي جميع منازل هارون ولم يستثن إلا النبوة ـ والاستثناء معيار العلوم ـ فثبت الخلافة لعلي لأنها من جملة منازل هارون. فإنه لو عاش لكان خليفة عن موسى.

فقلت: صريح كلامك يدل على أن هذه القضية موجبة كلية فما سور هذا الإيجاب الكلي؟

قال: الإضافة التي في الاستغراق بقرينة الاستثناء.

فقلت: أولا إن هذا الحديث غير نص جلي وذلك لاختلاف المحدثين فيه، فمن قائل إنه صحيح ومن قائل إنه حسن، ومن قائل إنه ضعيف، حتى بالغ ابن الجوزي فادعى أنه موضوع، فكيف تثبتون به الخلافة وأنتم تشترطون النص الجلي؟!

فقال: نعم نقول بموجب ما ذكرت، وإن دليلنا ليس هذا وإنما قوله ﷺ « سلموا على علي بأمرة المؤمنين » وحديث الطائر. ولأنكم تدعون أنهما موضوعان فكلامي في هذا الحديث معكم، لم لم تثبتوا أنتم الخلافة لعلي به!

قلت: هذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلا.. من وجوه: منها أن الاستغراق ممنوع، إذ من جملة منازل هارون كونه نبيا مع موسى، وعلي ليس بنبي باتفاق منا ومنكم، لا مع النبي ﷺ ولا بعده، فلو كانت المنازل الثابتة لهارون ـ ما عدا النبوة بعد النبي ﷺ ـ ثابتة لعلي لاقتضى أن يكون علي نبيا مع النبي ﷺ لأن النبوة معه لم تستثن وهي من منازل هارون عليه السلام وإنما المستثنى النبوة بعده. وأيضا من جملة منازل هارون كونه أخا شقيقا لموسى، وعلي ليس بأخ. والعام إذا تخصص بغير الاستثناء صارت دلالته ظنية، فليحمل الكلام على منزلة واحدة كما هو ظاهر التاء التي للوحدة فتكون الإضافة للعهد وهو الأصل فيها، و ( إلا ) في الحديث بمعنى ( لكن ) كقولهم: فلان جواد إلا أنه جبان، أي لكنه، فرجعت القضية مهملة يراد منها بعض غير معين فيها، وإنما تعيينه من خارج، والمعين هو المنزلة المعهودة حين استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، والدال على ذلك قوله تعالى: { اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي }[15] ومنزلة علي هي استخلافه على المدينة في غزوة تبوك. [16]

فقال الملا باشي: والاستخلاف يدل على أنه أفضل وأنه الخليفة بعد.

فقلت: لو دل هذا على ما ذكرت لاقتضى أن ابن أم مكتوم خليفة بعد النبي ﷺ لأنه استخلفه على المدينة، واستخلف أيضا غيره، فلم خصصتم عليا بذلك دون غيره مع اشتراك الكل في الاستخلاف؟ وأيضا لو كان هذا من باب الفضائل لما وجد علي في نفسه وقال ( أتجعلني مع النساء والأطفال والضعفة؟ ) فقال النبي ﷺ تطييبا لنفسه ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ )

فقال: قد ذكر في أصولكم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قلت: إني لم أجعل خصوص السبب دليلا وإنما هو قرينة تعيين ذلك البعض المهم.

فانقطع...

ثم قال: عندي دليل آخر لا يقبل التأويل، وهو قوله تعالى: { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } [17]

قلت له: ما وجه الدليل من هذه الآية؟

فقال: إنه لما أتى نصارى نجران للمباهلة، احتضن النبي ﷺ الحسين وأخذ بيد الحسن، وفاطمة من ورائهم وعلي خلفهما، ولم يقدم الدعاء إلا الأفضل

قلت: هذا من باب المناقب، لا من باب الفضائل، وكل صحابي اختص بمنقبة لا توجد في غيره، كما لا يخفى على من تتبع كتب السير. وأيضا إن القرآن نزل على أسلوب كلام العرب، وطرز محاوراتهم، ولو فرض أن كبيرين من عشيرتين وقع بينهما حرب وجدال، يقول أحدهما للآخر: ابرز أنت وخاصة عشيرتك، وأبرز أنا وخاصة عشيرتي، فنتقابل ولا يكون معنا من الأجانب أحد، فهذا لا يدل على أنه لم يوجد مع الكبيرين أشجع من خاصتهما. وأيضا الدعاء بحضور الأقارب يقتضي الخشوع المقتضى لسرعة الإجابة.

فقال: ولا ينشأ الخشوع إذ ذاك إلا من كثرة المحبة.

فقلت: هذه محبة مرجعها إلى الجبلة والطبيعة، كمحبة الإنسان نفسه وولده أكثر ممن هو أفضل منه ومن ولده بطبقات فلا يقتضي وزرا ولا أجرا إنما المحبة المحدودة تقتضي أحد الأمرين المتقدمين إنما هي المحبة الاختيارية.

فقال: وفيها وجه آخر يقتضي الأفضلية، وهو حيث جعل نفسه ﷺ نفس علي، إذ في قوله ( أبناءنا ) يراد الحسن والحسين، وفي ( نساءنا ) يراد فاطمة وفي ( أنفسنا ) لم يبق إلا علي والنبي ﷺ.

فقلت: الله أعلم إنك لم تعرف الأصول، بل ولا العربية، كيف وقد عبر بأنفسنا و ( الأنفس ) جمع قلة مضافا إلى ( نا ) الدالة على الجمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي تقسيم الآحاد، كما في قولنا ( ركب القوم دوابهم ) أي ركب كل واحد دابته، وهذه مسألة مصرحة في الأصول، غاية الأمر أنه أطلق الجمع على ما فوق الواحد وهو مسموع كقوله تعالى: { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } [18] أي عائشة وصفوان ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ـ، وقوله تعالى: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [19] ولم يكن لهما إلا قلبان، على أن أهل الميزان [20] يطلقون الجمع في التعاريف على ما فوق الواحد، وكذلك أطلق الأبناء على الحسن والحسين والنساء على فاطمة فقط مجازا، نعم لو كان بدل أنفسنا ( نفسي ) لربما كان له وجه ما بحسب الظاهر، وأيضا لو كانت الآية دالة على خلافة علي لدلت على خلافة الحسن والحسين وفاطمة مع أنه بطريق الاشتراك ولا قائل بذلك لأن الحسن والحسين إذ ذاك صغيران وفاطمة مفطومة كسائر النساء عن الولايات، فلم تكن الآية دالة على الخلافة.

فانقطع...

ثم قال: عندي دليل آخر وهو قوله تعالى: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } [21] أجمع أهل التفسير على أنها نزلت في علي حين تصدق بخاتمه على السائل وهو في الصلاة و ( إنما ) للحصر و ( الولي ) بمعنى ( الأولى منكم بالتصرف ).

فقلت: لهذه الآية عندي أجوبة كثيرة.

وقبل أن اشرع في الأجوبة قال بعض الحاضرين من الشيعة باللغة الفارسية يخاطب الملا باشي بشي معناه: اترك المباحثة مع هذا فإنه شيطان مجسم وكلما زدت في الدلائل وأجابك عنها انحطت منزلتك.

فنظر إلي وتبسم وقال:

ـ إنك رجل فاضل، تجيب عن هذه وعن وغيرها ولكن كلامي مع بحر العلم، فإنه لا يستطيع أن يجيب.

فقلت: الذي كان في صدر كلامك أن فحول أهل السنة لا يستطيعون الجواب، فهذا الذي دعاني إلى المعارضة والمحاورة.

فقال: أنا رجل أعجمي، ولا أتقن العربية فربما صدر مني لفظ غير مقصود لي...

ثم قلت له: أريد أن أسألك عن مسـألتين لا تستطيع أهل الشيعة الجواب عنها.

فقال: وما هما؟

قلت: الأولى: كيف حكم الصحابة عند الشيعة؟

فقال: ارتدوا ( إلا خمسة: عليا والمقداد وأبا ذر وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر ) حيث لم يبايعوا عليا على الخلافة.

قلت: إن كان الأمر كذلك فكيف زوج علي بنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب؟

فقال: إنه مكره؟

قلت: والله إنكم اعتقدتم في علي منقصة لا يرضى بها أدنى العرب، فضلا عن بني هاشم الذين هم سادات العرب وأكرمهما أرومة وأفضلها جرثومة وأعلاها نسبا وأعظمها مروءة وحمية وأكثرها نعوتا سنية، وإن أدنى العرب يبذل نفسه دون عرضه، ويقتل دون حرمه، ولا تعز نفسه على حرمه وأهله، فكيف تثبتون لعلي، وهو الشجاع الصنديد ليث بني غالب أسد الله في المشارق والمغارب، مثل هذه المنقصة التي لا يرضى بها أجلاف العرب؟ بل كم رأينا مَن قاتل دون عياله فقتل؟

قال: يحتمل أن تكون زفت لعمر جنية [22] تصورت بصورة أم كلثوم؟

قلت: هذا أشنع من الأول، فكيف يعقل مثل هذا؟ ولو فتحنا هذا الباب لانسد جميع أبواب الشريعة حتى لو أن الرجل جاء إلى زوجته لاحتمل أن تقول: أنت جني تصورت بصورة زوجي فتمنعه من الإتيان بها. فإن أتى بشاهدين عدلين على أنه فلان، لاحتمل أن يقال فيهما: إنهما جنيان تصورا بصورة هذين العدلين، وهلم جرا... ويحتمل أن يقتل الإنسان أحدا، أو يدعي عليه بحق، فله أن يقول ليس المطالب أنا في هذه الحادثة بل ويحتمل أن يكون جنيا تصور بصورتي ويحتمل أن يكون جعفر الصادق ـ الذي تزعمون أن عباداتكم موافقة لمذهبه ـ جنيا تصور بصورته وألقى إليكم هذه الأحكام الثابتة.

ثم قلت له: ما حكم أفعال الخليفة الجائر؟ هل هي نافذة عند الشيعة؟

فقال: لا تصح ولا تنفيذ.

فقلت: أنشدك الله من أي عشيرة أمّ محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب؟

فقال: من بني حنيفة.

فقلت: من سبي بني حنيفة؟

قال: لا أدري ( وهو كاذب ).

فقال بعض العلماء الحاضرين من علمائهم:

ـ سباهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه

فقلت: كيف ساغ لعلي يأخذ جارية من السبي ويستولدها، والإمام ـ على زعمكم ـ لا تنفذ أحكامه لجوره، والاحتياط في الفروج أمر مقرر!

فقال: لعله استوعبها من أهلها، يعني زوجوه بها.

قلت: يحتاج هذا إلى دليل.

فانقطع... والحمد لله.

ثم قلت: إنما لم آتك بحديث أو آية، لأني مهما بلغت في صحة الحديث أقول ( رواه أهل الكتب الستة وغيرهم ) فنقول: أنا لا أقول بصحتها، وشرط الدليل أن يتفق عليه الخصمان. ولو آتيك بآية وقلت ( أجمع أهل التفسير على أن حكمها كذا وأنها نزلت في شأن أبي بكر ) قلت إجماع أهل التفسير لا يكون حجة عليَّ، وتذكر تأويلا بعيدا وتقول: الدليل إذا تطرقه الاحتمال بطل الاستدلال، فهذا الذي دعاني إلى ترك الاستدلال بالآية أو الحديث.

ثم إن الشاه أخبر بهذه المباحثة طبق ما وقع، فأمر أن يجتمع علماء إيران وعلماء الأفغان وعلماء ما وراء النهر ويرفعوا المكفرات، وأكون ناظرا عليهم ووكيلا عن الشاه وشاهدا على الفرق الثلاث بما يتفقون عليه.

فخرجنا نشق الخيام، والأفغان والأزبك والعجم يشيرون إلي بالأصابع وكان يوما مشهودا.

المؤتمر في يومه الأول

اجتمع تحت المسقف الذي وراء ضريح الإمام علي رضي الله عنه علماء إيران وهم نحو سبعين عالما، ما فيهم سني إلا مفتي أردلان فطلبت دواة وقرطاسا وكتبت المشهورين منهم وهم: [23]

1. الملا باشي، علي أكبر 12. ميرزا أسد الله، المفتي بتبريز.

2. مفتي ركاب، أقا حسين 13. الملا طالب، المفتي بمازندان.

3. الملا محمد، إمام لاهجان 14. الملا محمد مهدي، نائب الصدارة بمشهد الرضا.

4. أقا شريف، مفتي مشهد الرضا 15. الملا محمد صادق، المفتي بخلخال.

5. ميرزا برهان، قاضي شروان 16. محمد مؤمن، المفتي باستر آباد

6. الشيخ حسين، المفتي بأروميه 17. السيد محمد تقي، المفتي بقزوين

7. ميرزا أبو الفضل، المفتي بقم 18. الملا محمد حسين، المفتي بسبزوار

8. الحاج صادق، المفتي بجام 19. السيد بهاء الدين، المفتي بكرمان.

9. السيد محمد مهدي، إمام أصفهان 20. السيد أحمد، المفتي الشافعي.

10. الحاج محمد زكي، مفتي كرمانشاه.

11. الحاج محمد الثمامي، مفتي بشيراز بأردلان...

وغيرهم من العلماء

ثم جاء علماء الأفغان فكتبت أسماءهم وهم:

1. الشيخ الفاضل الملا حمزة القلنجاني الحنفي مفتي الأفغان.

2. الملا أمين الأفغاني القلنجاني ابن الملا سليمان قاضي الأفغان.

3. الملا طه الأفغاني المدرس بنادر آباد الحنفي.

4. الملا دنيا الخلفي، الحنفي.

5. الملا نور محمد الأفغاني القلنجاني الحنفي.

6. الملا عبد الرزاق الأفغاني القلنجاني الحنفي.

7. الملا إدريس الأفغاني الابدال الحنفي.

ثم بعد زمان جاء علماء ما وراء النهر وهم سبعة يتقدمهم شيخ جليل عليه المهابة والوقار وعليه عمه مدورة تخيل للناظر أنه أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة ـ رحمهما الله ـ فسلم عليهم وأجلسوه جهة يميني، إلا أنه بيني وبينه نحو خمسة عشر رجلا وأجلسوا الأفغان جهة شمالي، وكذا بيني وبينهم نحو خمسة عشر رجلا، وذلك من مكر العجم ودهائهم، خافوا أن ألقنهم بعض الكلمات أو أشير إليهم فكتبت أسماءهم وهم:

1. العلامة هادي خوجه الملقب ببحر العلم ابن علاء الدين البخاري.

2. مير عبد الله صدور البخاري الحنفي.

3. قلندر خوجه البخاري الحنفي.

4. ملا أميد صدور البخاري الحنفي.

5. بادشاه مير خوجه البخاري الحنفي.

6. ميرزا خوجه البخاري الحنفي.

7. الملا إبراهيم البخاري الحنفي.

فلما استقر بهم الجلوس خاطب الملا باشي بحر العلم فقال له:

ـ أتعرف هذا الرجل؟ ( وهو يعنيني )

فقال: لا.

قال: هذا من فضلاء وعلماء أهل السنة، الشيخ عبد الله أفندي، طلبه الشاه من الوزير أحمد باشا ليحضر هذا المجلس فيكون بيننا حكما، وهو وكيل عن الشاه فإذا اتفق رأينا على حكم شهد علينا كلنا، فالآن بيّن لنا الأمور التي تكفروننا حتى نرفعها بحضوره، وأما في الحقيقة فلسنا بكفار عند أبي حنيفة، قال في ( جامع الأصول ): " مدار الإسلام على خمسة مذاهب " وعد الخامس مذهب الإمامية. وكذا صاحب ( المواقف ) عد الإمامية من الفرق الإسلامية. وقال أبو حنيفة في ( الفقه الأكبر ): " لا نكفر أهل القبلة " وقال السيد فلان: ( وصرح باسمه إلا أني نسيته ) في شرح هداية الفقه الحنفي " والصحيح أن الإمامية من الفرق الإسلامية " لكن لما تعقب متأخروكم كفرونا. كما تعقب المتأخرون منا فكفروكم، وإلا فلا أنتم ولا نحن كفار. ولكن بين لنا الأمور التي ذكرها متأخروكم فكفرونا بها لكي نرفعها.

فقال هادي خوجه:

ـ أنتم تكفرون بسبكم الشيخين.

فقال الملا باشي: رفعنا سب الشيخين.

فقال: وتكفرون بتضليلكم الصحابة وتكفيركم إياهم.

فقال الملا باشي: الصحابة كلهم عدول، رضي الله عنهم ورضوا عنه.

فقال: وتقول بحل المتعة.

فقال: هي حرام لا يقبلها إلا السفهاء منا.

فقال بحر العلم: وتفضلون عليا على أبي بكر وتقولون: إنه الخليفة الحق بعد النبي ﷺ.

فقال الملا باشي: أفضل الخلق بعد النبي ﷺ أبو بكر بن أبي قحافة فعمر بن الخطاب فعثمان بن عفان فعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وإن خلافتهم على هذا الترتيب الذي ذكرناه في تفضيلهم.

فقال بحر العلم: فما أصولكم وعقيدتكم؟

فقال الملا باشي: أصولنا أشاعرة على عقيدة أبي الحسن الأشعري.

فقال بحر العلم: اشرط عليه أن لا تحلو حراما معلوما من الدين بالضرورة وحرمته مجمع عليها، ولا تحرموا حلالا مجمعا عليه معلوما حله بالضرورة.

فقال الملا باشي: قبلنا هذا الشرط.

ثم شرط عليهم بحر العلم شروطا لم تكن مكفرة كبعض ما تقدم فقبلوها ثم إن الملا باشي قال لبحر العلم:

ـ فإذا نحن التزمنا جميع ذلك تعدنا من الفرق الإسلامية؟

فسكت بحر العلم، ثم قال:

سب الشيخين [24] كفر.

فقال الملا باشي: نحن رفعنا سب الشيخين، ورفعنا كذا وكذا ( إلى آخر الشروط المتقدمة ) أفتعدنا من الفرق الإسلامية حقا أم تعتقد أننا كفارا؟

فسكت بحر العلم، ثم قال:

ـ سب الشيخين كفر.

فقال: ألم نرفعه؟

فقال بحر العلم: وماذا رفعتم أيضا؟

فقال: رفعنا كذا وكذا ( إلى آخر ما تقدم ) فهل تعدنا والحالة هذه من الفرق الإسلامية؟

فقال بحر العلم: سب الشيخين كفر.

ومراد بحر العلم أن من وقع منه سب الشيخين لا تقبل توبته على مذهب الحنفية وأن هؤلاء الأعاجم وقع منهم السب أولا، فرفعهم السب في هذا الوقت لا ينفعهم شيئا.

فقال الملا حمزة مفتي الأفغان:

ـ يا هادي خوجه، أعندك بينة على أن هؤلاء قبل هذا المجلس صدر منهم سب الشيخين؟

قال: لا.

فقال الملا حمزة: وهم قد صدر منهم التزام بأنه لا يقع منهم في المستقبل فلم لم تعدهم من الفرق الإسلامية؟

قال بحر العلم: إذا كان الأمر كذلك فهم مسلمون لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

فقاموا كلهم وتصافحوا، ويقول أحدهم للآخر: ( أهلا بأخي ) وأشهدني الفرق الثلاث على ما وقع منهم والتزموه.

ثم انقضى المجلس قبيل المغرب من يوم الأربعاء لأربع وعشرين خلون من شوال فنظرت فإذا الواقفون على رؤسنا والمحيطون بنا من العجم ما يزيد على عشرة آلاف.

ولما جاء الاعتماد [25] من عند الشاه ـ وكان قد مضى من الليل أربع ساعات كما هي العادة ـ قال لي:

إن الشاه شكر فعلك، ودعا لك وهو يسلم عليك ويرجو منك أن تحضر معهم غدا في المكان الأول، لأني أمرتهم أن يكتبوا جميع ما قرروه والتزموه في رقعة، ويضع كل منهم خاتمه تحت اسمه وأرجو منك أن تكتب شهادتك فوق الرقعة في صدرها بأنك شهدت على الفرق الثلاث بما التزموه وقرروه وتضع خاتمك تحت اسمك.

المؤتمر في يومه الثاني

وقبل ظهر يوم الخميس لخمس وعشرين خلون من الشهر المذكور ( شوال 1156 ) جاء الأمر بأن نحضر كلنا في المكان الأول، فاجتمعنا فيه كلنا والعجم متصلة من خارج القبة إلى باب الضريح على القدم بازدحام عظيم يبلغ عددهم نحو الستين ألفا، فلما جلسنا، أتوا بجريدة طولها أكثر من سبعة أشبار سطورها طوال إلى ثلثيها والثلث الثالث مقسم أربعة أقسام بين كل قسم وقسم بياض نحو أربع أصابع أو أكثر، لكن السطور أقصر من السطور الأول بكثير. فأمر الملا باشي مفتي الركاب أقا حسين أن يقرأها قائما على رؤوس الأشهاد، وكان رجلا طويلا بائنا فأخذ الجريدة ـ وهي مكتوبة باللغة الفارسية ـ وكان مضمونها:

إن الله اقتضت حكمته إرسال الرسل فلم يزل يرسل رسولا بعد رسول حتى جاءت نبوة نبينا المصطفى ﷺ.
ولما توفي ـ وكان خاتم الأنبياء والمرسلين ـ اتفقت الأصحاب رضي الله على أفضلهم وأخيرهم وأعلمهم: أبي بكر الصديق ابن أبي قحافة رضي الله تعالى عنه فأجمعوا على بيعته فبايعه كلهم حتى الإمام علي بن أبي طالب بطوعه واختياره ومن غير جبر ولا إكراه فتمت له البيعة والخلافة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم حجة قطعية، وقد مدحهم الله في كتابه المجيد فقال: { وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَار } [26] الآية، وقال الله تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ } [27] الآية وكانوا إذ ذاك سبعمائة صحابي وكلهم حضروا بيعة الصديق، وقال ﷺ: « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتهم ».
ثم عهد أبو بكر بالخلافة لعمر بن الخطاب فبايعه الصحابة كلهم حتى الإمام علي بن أبي طالب، فاتفق رأيهم على عثمان بن عفان.
ثم استشهد في الدار ولم يعهد فبقيت الخلافة شاغرة فاجتمع الصحابة في ذلك العصر على علي بن أبي طالب.
وكان هؤلاء الأربعة في مكان واحد وفي عصر واحد ولم يقع بينهم تشاجر ولا تخاصم ولا نزاع، بل كان كل منهم يحب الآخر ويمدحه ويثني عليه، حتى أن عليا رضي الله عنه سئل عن الشيخين فقال: هما إمامان عادلان قاسطان، كانا على حق وماتا عليه، وإن أبا بكر لما ولى الخلافة قال: أتبايعوني وفيكم علي بن أبي طالب؟
فاعلموا أيها الإيرانيون أن فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب فمن سبهم أو انتقصهم فماله وولده وعياله ودمه حلال للشاه وعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين.

وكنت شرطت عليكم حين المبايعة في صحراء مغان عام 1148 رفع السب فالآن رفعته، فمن سب قتلته وأسرت أولاده وعياله، وأخذت أمواله. ولم يكن في نواحي إيران ولا في أطرافها سب ولا شيء من هذه الأمور الفظيعة وإنما حدثت أيام الخبيث الشاه إسماعيل الصفوي [28] ولم يزل أولاده يقفون أثره حتى كثر السب وانتشرت البدع واتسع الخرق، منذ عام ثمانمائة وسبعة وخمسين فيكون لظهور هذه القبائح ثلاثمائة سنة.

( ثم إنه تكلم كلاما كثيرا لا محل لذكره هاهنا. وإلى هنا انتهت السطور الطوال. )

وقد اعترضت على بعض ما جاء في هذه الرقعة، منها أني قلت للملا باشي لفظة ( النصب ) المذكورة في خلافة سيدنا عمر ضع بدلها لفظة ( العهد ) لأن في لفظة النصب شائبة أنها ناصبة وأنتم تفسرون الناصب ممن نصب نفسه لبغض علي، فعارضني بعض الحاضرين وقال:

هذا خلاف ظاهر اللفظ، والمعنى الذي ذكرته لم يخطر ببال أحد ولا يقصده أحد وأخشى أن تثور الفتنة بسببك.

ووافقه الملا باشي على ذلك، فسكت.

ومنها أني قلت للملا باشي:

ـ إن قول علي في حق الشيخين، هما إمام... الخ. أنتم تحملونه على معان لا تليق بحق الشيخين.

فعارضني ذلك الرجل الأول بمثل ما مر.

ومنها أني قلت له:

إن قول أبي بكر في حق علي حين المبايعة لم يثبت عندنا، بل هو موضوع فأنا أذكر لكم قول علي في مدح الشيخين غير ما ذكرتموه مما هو صريح في تعظيمهما وأذكر لكم مدح أبي بكر لعلي غير ما ذكرتموه مما هو ثابت.

فعارضني ذلك الرجل أيضا بمثل ما تقدم ووافقه الملا باشي على ذلك.

هذا والسطور القصار التي تلي كلام الشاه مضمونها على لسان الإيرانيين وهو:

« إنا قد التزمنا رفع السب وان الصحابة فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب الذي هو في الرقعة، فمن سب منا أو قال خلاف ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وعلينا غضب نادر شاه، ومالنا ودماؤنا وأولادنا حلال له »

ثم إنهم وضعوا خواتمهم في البياض الذي تحت كلامهم.

والسطور القصار التي تلي هذه على لسان أهل النجف وكربلاء والحلة والخوارزم ( ومضمونها عين الأول ) ثم وضعوا خواتمهم تحت البياض المذكور، ومنهم السيد نصر الله المعروف بابن قطة والشيخ جواد النجفي الكوفي وغيرهم.

والسطور القصار التي تلي ذلك على لسان الأفغانيين ومضمونها:

« إن الإيرانيين إذ التزموا ما قرروه ولم يصدر منهم خلاف ذلك فهم من الفرق الإسلامية لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. »

ثم وضعوا خواتمهم في البياض الذي تحت أسمائهم.

والتي تلي ذلك على لسان علماء ما وراء النهر ومضمونها عين ما قاله الأفغانيون ووضعوا خواتمهم تحت.

ثم إن هذا الفقير كتب شهادته فوق صدر الورقة بأني:

« شهدت على الفرق الثلاث بما قرروه والتزموه واشهدوني عليهم » ووضعت خاتمي تحت اسمي فوق ذلك.

وكان الوقت وقتا مشهودا من عجائب الدنيا، وصار لأهل السنة فرح وسرور، لم يقع مثله في العصور، ولا تشبهه الأعراس والأعياد والحمد لله على ذلك.

ثم إن الشاه بعث حلويات في صواني من فضة ومع ذلك مبخرة من الذهب الخالص مرصعة بجميع نفائس الجواهر مما لا يتقوم، وفيها من العنبر ما هو قدر الفهر [29] فتبخرنا وأكلنا ثم إن الشاه وقف تلك المبخرة على حضرة سيدنا علي.

وخرجنا، فإذا الناس من العجم والعرب والتركستان والأفغان لا يحصر عددهم إلا الله تعالى.

وكان خروجنا بعد الظهر يوم الخميس.

ثم أتى بي الشاه مرة أخرى، فدخلت على تلك الحالة الأولى، ولم يزل يأمرني بالتقدم حتى قربني منه أكثر من الأول، فقال لي:

ـ جزاك الله خيرا، وجزى أحمد خان خيرا، فوالله ما قصر في إصلاح ذات البين، وإطفاء الفتنة، وحقن دماء المسلمين. أيد الله سلطان آل عثمان وجعل الله عزه ورفعته أكثر من ذلك.

ثم قال لي: يا عبد الله أفندي لا تظن الشاهنشاه يفتخر بمثل ذلك وإنما هذا أمر يسره الله تعالى ووفقني له حيث كان رفع سب الصحابة على يدي مع أن آل عثمان منذ كان السلطان سليم إلى يومنا هذا ـ كم جهزوا عساكر وجنودا، وصرفوا أموالا، وأتلفوا أنفسا، ليرفعوا السب - فما توفقوا إليه.

وأنا لله الحمد رفعته بسهولة. وهذه القبائح ( كما تقدم ) نشأت من الخبيث الشاه إسماعيل، أغواه أهل الأهجان ولم تزل إلى يومنا هذا.

فقلت له: إن شاء الله تعالى ترد العجم كلهم إلى ما كانوا عليه أولا من كونهم أهل السنة والجماعة.

فقال: إن شاء تعالى، لكن على التدريج أولا فأولا. ( ثم قال لي ): يا عبد الله أفندي، أنا لو أفتخر لافتخرت بأني في مجلسي هذا عبارة عن سلاطين أربعة: فأنا سلطان إيران، وسلطان تركستان، وسلطان الهند، وسلطان الأفغان. ولكن هذا الأمر من توفيق الله تعالى، فأنا لي منة على جميع المسلمين حيث أني رفعت السب عن الصحابة. وأرجو أن يشفعوا لي.

ثم قال لي: أريد أن أرسلك، لعلمي أن أحمد خان بانتظارك. لكن أرجو أن تبقى غدا فإني أمرت أن نصلي الجمعة في جامع الكوفة، وأمرت بأن يذكر الصحابة على المنبر على الترتيب ويدعى لأخي الكبير حضرة الخنكار سلطان آل عثمان قبلي، ويذكر بجميع الألقاب الحسنة ثم يدعى للأخ الأصغر ( يعني نفسه ) لكن يدعى لي أقل من دعاء الخنكار، لأن الواجب على الأخ الأصغر أن يوقر أخاه الأكبر. ( ثم قال ) وفي الحقيقة والواقع هو الأكبر وأجل مني، لأنه سلطان ابن سلطان، وأنا جئت إلى الدنيا ولا أب لي سلطان ولا جد، ثم أذن لي بالخروج فخرجت من عنده، فصار ذكر الصحابة ومناقبهم ومفاخرهم في كل خيمة وعلى لسان الأعاجم كلهم، بحيث يذكرون لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم مناقب وفضائل يستنبطونها من الآيات والأحاديث مما يعجز عنه فحول أهل السنة. ومع ذلك يسفهون رأي العجم والشاه إسماعيل في سبهم.

وصبيحة الجمعة ارتحل إلى الكوفة، وهي عن النجف مقدار فرسخ وشيء، فلما قرب الظهر أمر مؤذنيه فأعلنوا بأذان الجمعة، وجاء الأمر بحضورها. فقلت لاعتماد الدولة:

ـ إن صلاة الجمعة لا تصح عندنا في جامع الكوفة. أما عند أبي حنيفة فلعدم المصر، وأما عند الشافعي فلعدم الأربعين من أهل البلد.

فقال: المراد حضورك هناك حتى تسمع الخطبة، فإن شئت صليت، وإن شئت لا.

فذهبت إلى الجامع، فرأيته غاصا بالناس فيه نحو خمسة آلاف رجل وجميع علماء إيران والخانات حاضرون. وكان على المنبر إمام الشاه علي مدد، فصارت مشورة بين الملا باشي وبين علماء كربلاء فأمر الملا باشي بإنزال علي مدد وصعد الكربلائي فحمد الله وأثنى عليه وصل على النبي ﷺ ثم قال: " وعلى الخليفة الأول من بعده على التحقيق أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وعلى الخليفة الثاني الناطق بالصدق والصواب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ". لكنه كسر الراء من ( عمر ) مع أن الخطيب إمام في العربية، ولكنه قصد دسيسة لا يفهمها إلا الفحول، وهي أن منع صرف عمر إنما كان للعدل والمعرفة فصرفه هذا الخبيث قصدا إلى أنه لا عدل فيه ولا معرفة، قاتله الله من خطيب وأخزاه، ومحقه وأذله في دنياه وعقباه. ثم قال: " وعلى الخليفة الثالث جامع القرآن، عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وعلى الخليفة الرابع ليث بني غالب، سيدنا علي بن أبي طالب. وعلى ولديه الحسن والحسين، وعلى باقي الصحابة والقرابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. اللهم أدم دولة ظل الله في العالم، سلطان سلاطين بني آدم، كيوان رفعته، ومريخ جلادته، ثاني إسكندر ذي القرنين، سلطان البرين وخاقان البحرين، خادم الحرمين الشريفين السلطان محمود خان ابن السلطان مصطفى خان، أيد الله خلافته وخلد سلطنته، ونصر جيوشه الموحدين على القوم الكافرين بحرمة الفاتحة ". ثم دعا لنادر شاه دعاء أقل من ذلك، بعضه بالفارسية وبعضه بالعربية. ومضمون الفارسية ( اللهم أدم دولة من أضاءت به الشجرة التركمانية، قاب الرياسة وجنكيز السياسة ) وأما التي بالعربية فهو ( ملاذ السلاطين وملجأ الخوانين ظل الله في العالمين، قران نادر دوران ) ثم نزل فأقيمت الصلاة فتقدم ودخل في الصلاة فأسبل يده وجميع من وراءه من علماء وخوانين واضعون أيمانهم على شمائلهم. فقرأ الفاتحة وسورة الجمعة ورفع يديه وقنت جهرا قبل الركوع ثم ركع وجهر بتسبيحات ثم رفع رأسه قائلا ( الله أكبر ) بلا ( سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد ) فقنت في اعتداله ثانيا جهرا، ثم سجد فقرأ تسبيحات السجود ومعها شيء آخر بأعلى صوته ثم رفع صوته وجهر بين السجدتين ثم سجدنا ثانيا وجهر بالتسبيحات كالأول مع ما ضم إليها من الأدعية ثم قام إلى الركعة الثانية فقرأ الفاتحة وسورة المنافقين وفعل كفعله الأول وجلس للتشهد فقرأ شيئا كثيرا ما فيه من تشهدنا إلا ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) وهذا أيضا جهر به ثم سلم على اليمين فقط واضعا يديه على رأسه.

ثم جاءت من طرف الشاه حلويات كثيرة وحصلت إذ ذلك غلبة وازدحام بحيث وقعت عمامة الملا باشي من رأسه وجرحت سبابته فسألت:

ـ لم هذا الازدحام والمغالبة؟

فقيل لي: إن الشاه إذا سمع بازدحامهم ومغالبتهم يحصل له انبساط وسرور فلذا يتزاحمون ويتغالبون.

ثم خرجنا فقال الاعتماد:

ـ كيف رأيت الخطبة والصلاة؟

فقلت: أما الخطبة فلا كلام فيها وأما الصلاة فهي خارجة عن المذاهب الأربعة على غير ما شرط عليهم من أنهم لا يتعاطون أمرا خارجا عن المذاهب الأربعة فينبغي للشاه أن يؤدب على ذلك.

فأخبر الشاه فغضب وأرسل مع الاعتماد يقول لي:

- أخبر أحمد خان أني أرفع جميع الخلافات حتى السجود على التراب [30] واجتمعت مع الملا باشي عصر يوم الجمعة وتذاكرنا في خصوص مذهب الجعفرية ( مذهب جعفر الصادق ) فقلت:

ـ إن المذهب الذي تتعبدون عليه باطل لا يرجع إلى اجتهاد مجتهد.

فقال: هذا اجتهاد جعفر الصادق.

فقلت: ليس لجعفر الصادق فيه شيء وأنتم لا تعرفون مذهب جعفر الصادق. فإن قلتم: إن مذهب جعفر الصادق تقية، فلا أنتم ولا غيركم يعرف مذهبه. لاحتمال كل مسألة أن تكون تقية. فإنه بلغني عنكم أن له في البئر إذا وقعت فيه نجاسة ثلاثة أقوال: أحدها أنه سئل عنها فقال: هي بحر لا ينجسه شيء، ثانيها أنها تنزح كلها، وثالثها ينزح منها سبعة دلاء أو ستة؛ فقلت لبعض علمائكم: كيف تصنعون بهذه الأقوال الثلاثة؟ فقال: مذهبنا أن الإنسان إذا صارت له أهلية الاجتهاد يجتهد في أقوال جعفر الصادق فيصحح واحدا منها، فقلت: وما يقول في الباقي؟ قال: يقول إنها تقية، فقلت: إذا اجتهد واحد فصحح غير هذا القول فما يقول في القول الذي صححه المجتهد الأول؟ فقال: يقول إنها تقية! فقلت: إذن ضاع مذهب جعفر الصادق، إذ كل مسألة تنسب له يحتمل أن تكون تقية، إذ لا علاقة تميز بين ما هو للتقية وبين غيره فانقطع ذلك العالم فما جوابك أنت؟

فانقطع هو أيضا، ثم قلت له:

ـ فإن قلتم: ( ليس في مذهب جعفر الصادق تقية ) فهو ليس المذهب الذي أنتم عليه لأنكم كلكم تقولون بالتقية.

فانقطع الملا باشي، ثم ذكرت له دلائل غير هذا تدل على أن الذي في أيديهم ليس مذهب جعفر الصادق.

ثم أذن لي الشاه بالعودة إلى بغداد، وأرسل معي صورة الجريدة وصورة الخطبة، فالأجل هذا الذي حدث عزمت على الحج، اللهم يسر ذلك.

تم ولله الحمد

هامش

  1. سورة آل عمران: جزء من الآية 110.
  2. سورة النجم: الآيات 3، 4، 5.
  3. سورة الحديد: جزء من الآية 10.
  4. سورة الفتح: جزء من الآية 29.
  5. وكان ذلك في سنة 1135 هـ على يد الأمير محمود الأفغاني من قبيلة كلزايي، وهو ابن الأمير أويس، وأصلهم من قندهار. انظر ترجمته في ( قاموس للأعلام ) لشمس الدين سامي بك ص 4222.
  6. أي وزيره، وكان من اصطلاحهم أن يلقبوا الوزير بلقب ( اعتماد الدولة ).
  7. وتسمى الآن ( الكاظمية ).
  8. ويسمى موضع قبره الآن ( الأعظمية )
  9. أي: قلت " لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون "
  10. الدث: أضف المطر وأخفه. قال أعرابي: أمطرتنا السماء بدث لا يرضي الحاضر ويؤذي المسافر.
  11. رسول الشاه.
  12. نبت يختضب بورقه، ويقال هو العظلم وورق النيل.
  13. سمة في الصدغ.
  14. هو في اصطلاح السلف ما وراء نهر جيحون إلى شرقيه وكان يسمى ببلاد الهياطلة. فسمي في الإسلام ما وراء النهر. أما الذي يلي جيحون من غربيه فمقاطعتا خراسان وخوارزم.
  15. سورة الأعراف: جزء من الآية 142.
  16. أي كاستخلاف موسى أخاه هارون لما ذهب إلى الجبل ليعود بالألواح.
  17. سورة آل عمران: جزء من الآية 61.
  18. سورة النور: جزء من الآية 26.
  19. سورة التحريم: جزء من الآية 4.
  20. أي علم المنطق.
  21. سورة المائدة: الآية 55.
  22. أورد القطب الراوندي عن عمر بن أذينة قال: « قيل لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يحتجون علينا ويقولون إن أمير المؤمنين عليه السلام زوج فلانا [ أي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ] ابنته أم كلثوم، وكان متكئا فجلس وقال: أيقولون ذلك، إن قوما يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل، سبحان الله ما كان يقدر أمير المؤمنين عليه السلام أن يحول بينه وبينها فينقذها، كذبوا لم يكن ما قالوا: إن فلانا [ عمر رضي الله عنه ] خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فأبى علي عليه السلام، فقال للعباس: والله لئن لم تزوجني لأنتزعن منك السقاية وزمزم، فأتى العباس عليا فكلمه، فأبى، فألح العباس، فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام مشقة كلام الرجل على العباس، وأنه سيفعل بالسقاية ما قال، أرسل أمير المؤمنين عليه السلام إلى جنيّة من أهل نجران يهودية يقال لها ( سحيفة بنت جريرية )، فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم، وبعث بها إلى الرجل فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوما فقال: ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس فلما قتل حوت الميراث وانصرفت إلى نجران، وأظهر أمير المؤمنين أم كلثوم ». الخرائج والجرائح: 2/825؛ المجلسي، بحار الأنوار: 42/88.
  23. أنكر بعض الإمامية وقوع هذا المؤتمر، لكن جاء في موسوعة طبقات الفقهاء، في ترجمة شريف المشهدي (رقم 3867) (13/378 – 379) ما نصه: "شريف المشهدي ( حيا 1161هـ ) محمد شريف بن محمد بديع بن محمد شريف المشهدي الخراساني، الفقيه الإمامي. تتلمذ على أبيه وعلى الفقيه الحكيم محمد رفيع بن فرج ( فرّخ ) الجيلاني ثمّ المشهدي وغيرهما. وبرع، وتفنّن، وعلا شأنه. ولي القضاء والحكومة الشرعية، وأُعطي منصب شيخوخة الإسلام بمشهد خراسان. ثمّ لُقّب برئيس العلماء. اشترك في مؤتمر النجف الأشرف الذي عُقد في سنة ( 1156هـ) بأمر السلطان نادر شاه. ا.هـ. "
  24. يقصد بالشيخين أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ.
  25. هو اعتماد الدولة الذي كان الشيخ عبد الله السويدي في ضيافته.
  26. سورة التوبة: جزء من الآية 100.
  27. سورة الفتح: جزء من الآية 18.
  28. ابن الشيخ حيدر بن الشيخ جنيد بن الشيخ إبراهيم بن الخوجه علي بن الشيخ موسى بن الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي. ولد شاه إسماعيل سنة 892 وأسس الدولة الصفوية وهو في مقتبل العمر واستولى على بغداد سنة 915 وأعلن في سنة 916 للمرة الأولى في تاريخ إيران أن مذهبها الرسمي مذهب الشيعة. وحاربه السلطان سليم سنة 930 فانتصر عليه في معركة تشالديران التي جرح فيها شاه إسماعيل وهرب، ومات بعد هذه الهزيمة بعشر سنوات (930) عن 38 عاما قضى 24 عاما منها في الحكم ودفن في أردبيل بجانب أبيه.
  29. الفهر! الحجر ملء الكف.
  30. أي السجود على التربة الحسينية، فإنه باطل لا دليل له في الشرع الشريف.