لكل شيء إذا ما تم نقصان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

نونية أبو البقاء الرّندي من مراثي الأندلس نظمها بعد سقوط آخر أراضي المسلمين في الأندلس.

لكل شيء إذا ما تمّ نُقصان فلا يغرَّنَّ بطيب العيش إنسان
هي الأمُورُ كما شاهدتها دولٌ من سرَّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ
و هذه الدار لا تُبقي على أحد و لا يدوم على حالٍ لها شانُ
يُمَزق الدهرُ حتمًا كلَّ سابغةٍ إذا نَبَتْ مَشرَفِيات و خَرصانُ
و يَنتَضي كلَّ سيف للفناء و لو كان ابنَ ذي يَزَن و الغِمدَ غِمدان
أين الملوك ذوو التيجان من يمنٍ و أين منهم أكاليلٌ و تيجانُ
و أين ما شاده شدَّادُ في إرمٍ و أين ما ساسه في الفرس ساسانُ
و أين ما حازه قارون من ذهب و أين عادٌ و شدادٌ و قحطانُ
أتى على الكلِّ أمرٌ لا مَرَدَّ له حتى قضوا فكأن القومَ ما كانوا
و صار ما كان من مُلك و من مَلك كما حكى عن خيال الطيفِ وَسْنانُ
دار الزمان على دارا و قاتله و أمَّ كسرى فما آواه إيوانُ
كأنما الصعبُ لم يَسهُل لهُ سببُ يومًا و لا مَلك الدنيا سليمانُ
فجائع الدهر أنواع منوعة و للزمان مسرات وأحزانُ
و للحوادث سُلوان يُسَهِّلها و ما لما حل بالإسلام سُلوانُ
دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاء له هوى له أُحدٌ و انهدَّ ثَهلانُ
أصابها العينُ في الإسلام فارتزأتْ حتّى خلت منه أقطارٌ وبلدانُ
فاسأل بلنسيةَ ما شأنُ مُرسيةٍ و أين شاطبةٌ أمْ أين جيَّانُ
و أين قرطبةٌ دارُ العلوم فكم من عالمٍ قد سما فيها له شانُ
و أين حِمصُ و ما تحويه من نُزهٍ و نهرها العذب فيّاض و ملآنُ
قواعدٌ كُنَّ أركانَ البلاد فما عسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركان
تبكي الحنيفيةُ البيضاءُ مِن أسفٍ كما بكى لفراق الإلف هَيمانُ
عَـلى دِيـارٍ مِـنَ الإِسلامِ خالِيَةٍ قَـد أَقـفَرَت وَ لَها بالكُفرِ عُمرانُ
حيثُ المساجد قد صارت كنائس ما فيهنَّ إلّا نواقيسٌ و صُلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي و هي جامدةٌ حتى المنابرُ تَرثي و هي عِيدانُ
يا غافلاً و له في الدهرِ موعظةٌ إن كنت في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ
و ماشيًا مرحًا يُلهيه موطنهُ أبَعدَ حمصٍ تَغرُّ المرءَ أوطانُ
تلك المصيبةُ أنْسَتْ ما تقدَّمها و ما لها مع طولَ الدهرِ نَسيانُ
يا أيها الملك البيضاء رايته أدرك بسيفك أهل الكفر لا كانوا
يا راكبين عِتاقَ الخيلِ ضامرةً كأنها في مجال السَّبقِ عُقبانُ
و حاملين سيوفَ الهندِ مُرهفةُ كأنها في ظلامِ النَّقع نِيرانُ
و راتعين وراء البحر في دَعةٍ لهم بأوطانهم عِزٌّ و سُلطانُ
أعندكم نبأ من أهل أندلسٍ فقد سرى بحديثِ القومِ ركُبانُ
كمْ يستغيثُ بنا المستضعفون و هم قتلى و أسرى فما يهتزُّ إنسان
لماذا التقاطع في الإسلام بينكمُ و أنتمْ يا عبادَ الله إخوانُ
ألا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ أما على الخيرِ أنصارٌ و أعوانُ
يا من لذلةِ قومٍ بعدَ عزتهم أحالَ حالهمْ كفر و طُغيانُ
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم و اليومَ هم في بلاد الكفر عُبدانُ
فلو تراهم حيارى لا دليل لهمْ عليهمُ من ثيابِ الذلِ ألوانُ
و لو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُ لهالكَ الأمرُ و استهوتكَ أحزانُ
يا رُبَّ أمٍّ و طفلٍ حِيلَ بينهما كما تَفرَّقَ أرواحٌ و أبدانُ
و طفلةٍ مثل حسنِ الشمسِ إذْ طلعت كأنما هي ياقوتٌ و مَرجانُ
يقودُها العلجُ للمكروه مُكرهةً و العينُ باكيةُ و القلبُ حَيرانُ
لمِثلِ هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ إنْ كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ