كتاب الملل والنحل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

كتاب الملل والنحل

عبد القاهر البغدادي
وهو غير الملل والنحل للشهرستاني



الباب الرابع من هذا الكتاب

بيان التحقيق لنجاة أهل السنة والجماعة


قد ذكرنا في أول باب من هذا الكتاب قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الفرقة الناجية: « ما أنا عليه وأصحابي » وليس اليوم فرقة على ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [ إلا ] أهل السنة من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية، دون أهل الأهواء من القدرية والرافضة والخوارج والجهمية والنجارية والمجسمة.

وكيف يكون القدرية على سيمات الصحابة وقد شك زعيمهم واصل في شهادته عدالة أخيار الصحابة، مثل علي وأصحابه، ومثل طلحة والزبير وأتباعهما. وشك في شهادتهم معه عمرو بن عبيد، وبذلك قال أبو الهذيل والنظام وأكثر القدرية، فطعن النظام في ابن مسعود وفي كل من حكم في أصحابة في فرع من الفروع باجتهاده، وأبطل الحجة من إجماع الصحابة ومن بعدهم، وأجاز اجتماعهم على الخطأ، ورد أكثرهم الأخبار المروية عن الصحابة في أحكامهم بعلة أنها أخبار آحاد! ففي أي يتبعون آثار الصحابة بعد هذا؟ ثم إنهم حكموا بالوعيد، وهم أفسق خلق الله عز وجل، وكذلك قال فيهم شاعرنا:

يعيب القول بالإرجاء حتى يَرى بعضَ الرجاء من الجرائر

وأعظم من ذوي الإرجاء جرما وعيديٌّ أصرّ على الكبائر

فأما الخوارج كلها أكفرت عليا وابن عباس وأبا أيوب الأنصاري والحسن والحسين وسائر أتباع علي من الصحابة، وأكفرت عثمان وطلحة والزبير وعائشة وأصحاب الجمل، ولا يكون على سمت الصحابة. وهم لا يقبلون شيئا من الآثار المروية عنهم لقولهم بتكفير رواة الحديث كلهم، وكيف يكون على آثارهم من لا يرى إجماعهم. ولا إجماع من بعدهم حجة.

وأما الروافض: فإن الكاملية منهم يكفرون جميعهم ويكفرون عليها معهم، وجمهورهم الأكبر من الإمامية يزعمون أن الصحابة كفروا إلا ستة منهم. والجارودية من الزيدية يكفرون أكثر الصحابة. والإمامية منهم يقولون لا حجة إلا في قول الإمام، ولا يقبلون الروايات في أحكام الصحابة وآثارهم. فكيف يصح اقتداؤهم بهم؟ بل هي اليوم من دينهم في التيه إلى أن يظهر إمامهم.

وغلاة الروافض من أشباه المغيرية والمنصورية والخطابية كفرة بدعواهم إلاهية الأئمة وتشبيههم الصانع بصورة إنسان وتفكيرهم أخيار الصحابة. فلا يقتدي بهم من يكفرهم.

وكذلك النجارية والجمهية: لا يصح منها الاقتداء بآثار الصحابة لقولهم بتكفير الناقلين لآثار الصحابة وأحكامهم، فلا يعرفون حينئذ من آثارهم شيئا، وليس فيهم إمام في نقل الحديث والآثار. فلم يكونوا قظ على سمت الصحابة.

وكذلك البكرية والضرارية: لا يصح منها الاقتداء بالصحابة مع تكفيرها نقلة أقوال الصحابة وآثارها فردها ما روي عنهم على الرواة عنهم. وإنما يقتدي بهم من يحيي آثارهم ويراهم القدوة في فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث.

ومما يؤكد هذا الذي قلنا ما عرفته الخاصة من أئمة الدين من أهل السنة، وقد عرفوا جميعا أنه لم يكن قط في الخوارج ولا في الروافض ولا في القدرية ولا في النجارية ولا في الجهمية ولا في الجسمية الكرامية إمام صار صاحب مطلب في الفقه ولا إمام مقبول للرواية في الحديث ولا إمام في القرآن ولا إمام يقتدى به في التفسير ولا في الوعظ والتذكير ولا إمام في النحو واللغة. وأئمة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنة والجماعة، كمالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحق وأبي ثور وأقرانهم في الفقه، وكشعبة والثوري ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني ومحمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج وأقرانهم في حفظ الحديث ومعرفة الجرح والتعديل، وكالقراء السبعة وأقرانهم في القرآن. وكالخليل وأبي عمرو بن العلاء والأخفش وسيبويه والفراء والزجاج وسائر أئمة النحو. كل هؤلاء من أهل السنة والجماعة.

وإنما نُسب المبرد النحوي إلى القدر لأنه شان نفسه بمجالسة الجاحظ ومعاشرته.

ومما تحقق الهداية والنجاة لأهل السنة والجماعة قول الله عز وجل: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }. والجهاد جهادان، أحدهما بالجدل مع أهل الزيغ لإظهار الحق وتحقيقه وإبطال الباطل وتزهيقه – وهذا الجدل ظاهر في أهل السنة في علم الفقه وفي علم الكلام والأصول معا – وجدال خصومهم كما قال الله تعالى: { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق }؛ والجهاد الثاني بالقتال في ثغور الإسلام مع أصناف الكفرة في الأطراف. ولم يكن في فرقة من فرق أهل الضلالة قط حسر عن بلاد الكفر، وليس لهم ثغر ينسب إليهم بالفتح. وقد حرموا الجهاد مع أمراء أهل السنة لتكفيرهم إياهم. وإنما الجهاد في الثغور من أهل السنة. وبان بذلك تحقيق الهداية فيهم لقول الله تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }. وما خرج قط من أهل الأهواء جيش إلا على المسلمين في دار الإسلام، كخروج الخوارج على علي عليه السلام بالنهروان، وخروج الأزارقة بنواحي الأهواز وفارس وكرمان، وخروج النجدات باليمامة، وخروج العجاردة بنواحي سجستان وقهستان ، وخروج المنصورية بما وراء النهر على المسلمين، وخروج القدرية مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بالبصرة على المنصور حتى لحق إبراهيم شؤمهم فقتل معهم، وخرجوا أيضا مع برز النقاض بعد أن أغرره بالقدرة فلحقه شؤمهم، فكان على بني أمية أشأم من التشويش وأشام من الداحس والغبراء على العرب.

وما خص الله تعالى به أهل السنة أنه عصمهم من تكفير بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه لأنهم لم يختلفوا في أصول التوحيد ولا في أصول الوعد والوعيد، وإنما اختلفوا في شيء من أحكام الحلال والحرام، والخلاف فيها لا يوجب تكفيرا ولا تضليلا. ومن اعتبر وجوه الخلاف بين متكلمي أهل السنة كالحارث المحاسبي وعبد الله بن سعيد والحسين بن الفضل وعبد العزيز المكي والقلاني والأشعري وأقرانهم، لم نجد فيما بينهم خلافا يوجب تكفيرا. وكذلك فقهاؤهم كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأتباعهم، يختلفون في فروع ليس فيها تضليل ولا تكفير. ووجدنا الروافض فرقا تكفر بعضها بعضا، كتكفير الزيدية والإمامية الغلاة منهم، وتكفير بعض الغلاة بعضا، وفرق الخوارج أن تريح الناس بعضها لبعض. ووجدنا القدرية مسرعة إلى تكفير بعضها بعض، وحسبك من ذلك تكفير الجبائي ابنه وتكفير الابن أباه، وتكفير البغداديين منهم. وكل زعيم منهم يكفر غيره منهم، كتكفير النظام لأبي الهذيل وتكفير أبي الهذيل للنظام، والمردار منهم كتب في تكفير أبي الهذيل والنظام وكَعْلي بن عيسى النجعي منهم في عصرنا كتابا في تكفير أبي هاشم بن الجبائي ذكر فيه أن أبا هاشم أدخل النصرانية في الاعتزال. ووجدنا النجارية بالري أكثر من عشر فرق تكفر بعضها بعضا. والجهمية والضرارية والبكرية كل فرقة منها تكفر سائرها، وتكفيرها سائر الأمة.

وهم [1] يقولون في سائر الأهواء إنهم مؤمنون حقا لأنهم قد أتوا بالشهادتين، ويرون خلاص جميع المبتدعة من هذه الأمة من النار بعد العقاب. ويقول جميع مخالفوهم فيهم إنهم لا ينجون من النار. فصاروا من هذه الجهة شر الفرق عندنا.

وقد ذكرنا قبل هذا تكفير فرق الخوارج بعضها لبعض، وهذا أمر [ خلا ] السنة منه.

ثم إن الله تعالى قد خص أهل السنة بأن جعل مدار الفتاوى عليهم، لا يقبل في بلد من بلاد المسلمين فتوى قدري ولا جهمي ولا نجاري ولا خارجي ولا رافضي ولا جسمي إلا إذا تستر المفتي منهم بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة ولم يظهر بدعته التي أضمرها في القدر أو يخالف [ اجتهاد ] العالم على فتواه ولا على شهادته. وإذا مات واحد من أهل البدعة لم يشهد جنازته إلا الغواة من جنسه. لم تكن على جنازته جمل من الناس، ومن عرف منه السنة والصلاح فحاضرو جنازته [ ... ] مشاهدة المسلمين في اعتقادهم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.


هامش

  1. أهل السنة والجماعة