كتاب العرش للذهبي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب العرش
  ► ◄  


كتاب العرش للذهبي
الأدلة من القرآن | الأدلة من السنة | أقوال الصحابة | أبو بكر الصديق | عمر بن الخطاب | عثمان بن عفان | عبد الله بن مسعود | عبد الله بن عمرو | أبو هريرة | عبد الله بن عباس | أم سلمة | أنس بن مالك | أقوال التابعين | كعب بن ماتع | كعب الأحبار | الحسن البصري (110هـ) | مسروق بن الأجدع الهمداني (62هـ) | سالم بن أبي الجعد الأشجعي (97هـ تقريبا) | عكرمة (106هـ) | مجاهد بن جبر المكي (104هـ) | مجاهد | سعيد بن جبير (95هـ) | قتادة بن دعامة السدوسي (113هـ تقريبا) | ثابت بن أسلم البناني (123هـ تقريبا) | مالك بن دينار البصري (127هـ) | الضحاك بن مزاحم الهلالي (بعد المائة) | سليمان بن طرخان التيمي (143هـ) | عبيد بن عمير الليثي (68هـ) | وهب بن منبه اليماني (113هـ تقريبا) | جرير بن عطية الخطفى (110هـ) | أبو عيسى يحيى بن رافع الثقفي | ربيعة بن أبي عبد الرحمن (136هـ) | عباس القمي | عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي (123هـ) | أيوب السختياني (131هـ) | عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (157هـ) | أبو حنيفة (150هـ) | الأوزاعي | مالك بن أنس (179هـ) | سفيان الثوري (161هـ) | مقاتل بن حيان (قبل 150هـ) | حماد بن زيد الأزدي (179هـ) | عبد الله بن المبارك (181هـ) | جرير بن عبد الحميد الضبي (188هـ) | مقاتل بن حيان (150هـ) | محمد بن إسحاق (150هـ) | حماد بن سلمة (167هـ) | أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (182هـ) | أبو يوسف | محمد بن الحسن الشيباني (189هـ) | الوليد بن مسلم القرشي (194هـ) | وكيع بن الجراح الرؤاسي (197هـ) | عبد الرحمن بن مهدي العنبري (198هـ) | خالد بن سليمان البلخي | شجاع بن أبي نصر البلخي | سلام بن أبي مطيع الخزاعي (164هـ) | يزيد بن هارون الواسطي (206هـ) | سعيد بن عامر الضبعي (208هـ) | عباد بن العوام الكلابي (185هـ) | عبد الملك بن قريب الأصمعي (215هـ) | علي بن عاصم الواسطي (201هـ) | وهب بن جرير الأزدي (206هـ) | محمد بن مصعب العابد (228هـ) | يحيى بن زياد الفراء (207هـ) | نوح بن أبي مريم المروزي (173هـ) | محمد بن مصعب العابد (228هـ) | الشافعي (204هـ) | عاصم بن علي الواسطي (221هـ) | عبد العزيز بن يحيى الكناني (240هـ) | عبد العزيز بن الزبير الحميدي (219هـ) | أبو عبيد القاسم بن سلام (224هـ) | نعيم بن حماد الخزاعي (228هـ) | عبد الله بن أبي جعفر الرازي (بعد المائتين) | هشام بن عبد الله الرازي (بعد المائتين) | يزيد بن هارون الواسطي (206هـ) | عبد الله بن مسلمة القعنبي (221هـ) | أبو معمر إسماعيل القطيعي (236هـ) | يحيى بن معين (233هـ) | بشر بن الحارث الحافي (227هـ) | حرب بن إسماعيل الكرماني (280هـ) | أحمد بن حنبل الشيباني (241هـ) | أحمد بن حنبل | ذو النون المصري (245هـ) | إسحاق بن راهويه (256هـ) | عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق (251هـ) | المزني (264هـ) | أبو حاتم الرازي (277هـ) | أبو زرعة الرازي (264هـ) | أبو عبد الله البخاري (256هـ) | عثمان بن سعيد الدارمي (280هـ) | أبو عيسى الترمذي (279هـ) | حرب بن إسماعيل الكرماني (280هـ) | محمد بن عثمان بن أبي شيبة (297هـ) | ابن ماجة (273هـ) | عبد الله بن أحمد بن حنبل (290هـ) | عبد الله بن مسلم بن قتيبة (276هـ) | عمرو بن عثمان المكي (297هـ) | ابن أبي عاصم النبيل (287هـ) | أحمد بن عمر بن سريج (306هـ) | زكريا بن يحيى الساجي (307هـ) | محمد بن إسحاق بن خزيمة (311هـ) | محمد بن جرير الطبري (310هـ) | أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي (292هـ) | أبو جعفر الطحاوي (321هـ) | أبو بكر بن أبي داود السجستاني (316هـ) | نفطويه (323هـ) | يحيى بن محمد بن صاعد (318هـ) | أبو الحسن الأشعري (324هـ) | أبو أحمد العسال (349هـ) | أبو بكر الآجري (360هـ) | أبو بكر الإسماعيلي (371هـ) | أبو الشيخ الأصبهاني (369هـ) | أبو القاسم الطبراني (360هـ) | أبو الحسن علي بن مهدي الطبري | أبو بكر بن إبراهيم بن شاذان (383هـ) | أبو الحسن الدارقطني (385هـ) | أبو عبد الله بن بطة العكبري (387هـ) | أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395هـ) | أبو بكر الباقلاني (403هـ) | ابن فورك (410هـ) | ابن أبي زيد القيرواني (386هـ) | أبو القاسم هبة الله اللالكائي (418هـ) | أبو نعيم الأصبهاني (430هـ) | أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني (442هـ) | معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني (418هـ) | أبو عثمان الصابوني (449هـ) | أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي (447هـ) | أبو نصر السجزي (444هـ) | أبو بكر البيهقي (458هـ) | أبو عمر بن عبد البر (463هـ) | أبو بكر الخطيب (463هـ) | أبو سليمان الخطابي (388هـ) | أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي (535هـ) | أبو يعلى الفراء (458هـ) | أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني (471هـ) | أبو المعالي الجويني (478هـ) | أبو إسماعيل الأنصاري (481هـ) | أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (510هـ) | أبو إسحاق الثعلبي (427هـ) | أبو الحسن الكرجي (532هـ) | عبد القادر الجيلي (561هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي ارتفع على عرشه في السماء، وجَلَّى باليقين قلوب صفوته الأتقياء، وبلى خلقه بالسعادة والشقاء.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة مؤمن بالحشر واللقاء.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الشهيد على الأمة الشهداء، المبعوث بالبينات والهدى وترك المراء، صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم صلاة دائمة إلى يوم الدين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

فصل

الدليل على أن الله تعالى فوق العرش، فوق المخلوقات، مباين لها، ليس بداخل في شيء منها، على أن علمه في كل مكان: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والأئمة المهديين.

(الأدلة من القرآن)

أما الكتاب:

فقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.

وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في ستة مواضع. [1]

1

قال البخاري في صحيحه: قال مجاهد: "استوى: علا على العرش".

2

وقال إسحاق بن راهويه: [سمعت بشر بن عمر] قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: "{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أي ارتفع".

3

وقال محمد بن جرير الطبري في قوله {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن}: "أي علا وارتفع".

4

وقال أبو عبيدة: "أي صعد".

ذكره البغوي في تفسيره.

5

وقال الفراء: {ثُمَّ اسْتَوَى} أي صعد، قاله ابن عباس وهو كقولك: الرجل كان قاعدًا ثم استوى قائما".

رواه عنه البيهقي في الصفات له.

6

وروى الدارقطني عن إسحاق الكاذي قال: سمعت أبا العباس ثعلبا يقول في {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}: "علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها، واستوى إلى السماء: أقبل. هذا الذي نعرف من كلام العرب".

7

وقال داود بن علي: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال: "ما معنى قوله: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}"؟ قال: "هو على عرشه كما أخبر. فقال: با أبا عبد الله إنما معناه استولى. فقال: "اسكت لا يقال استولى على الشيء [حتى] يكون له مضاد فإذا غلب أحدهما قيل: استولى".

8

وقال محمد بن أحمد بن [النضر]: سمعت ابن الأعرابي صاحب اللغة يقول: أرادني ابن أبي [دؤاد] أن أطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بمعنى استولى، فقلت: "والله ما يكون هذا ولا أصبته".

9

وقال أبو العالية الرياحي: "{اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} أي ارتفع".

نقله البخاري عنه في صحيحه.

10

ورواه محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن الربيع بن أنس عنه.

11

وقال البغوي فيه: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: ارتفع إلى السماء.

12

وقال الخليل بن أحمد في {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء}: "ارتفع إلى السماء". رواه أبو عمر بن عبد البر في شرح الموطأ له.

وقال تعالى: {إِلِيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيّبُ}.

{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}.

{بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ}.

{يَخَافُونَ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِم}.

{يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ}.

{أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأّرضَ} الآية.

{ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}.

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا}.

يعني: أظن موسى كاذبا أن إلهه في السماء، ولو لم يكن موسى عليه السلام يدعوه إلى إله في السماء لما قال هذا؛ إذ لو كان موسى قال له: إن الإله الذي أدعوك إليه ليس في السماء، لكان هذا القول من فروعون عبثًا، ولكان بناؤه القصر جنونًا.

(الأدلة من السنة)

وأما الأحاديث المتواترة المتوافرة عن رسول الله ﷺ فأكثر من أن تستوعب، فمنها:

13

حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أُحُد والجَوَّانِيَّةِ، فيها جارية لي، فأطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة فصككتها، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظم ذلك عليّ، فقلت: "يا رسول الله أفلا أعتقها؟ "، قال: «ادعها» فدعوتها، فقال لها: «أين الله؟» قالت: "في السماء". قال: «من أنا؟»، قالت: "رسول الله". قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».

هذا حديث صحيح؛ رواه مسلم وأبو داود والنسائي ومالك في الموطأ.

14

وفي السنن عن محمد بن الشريد أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة، فقال: "يا رسول الله، إن أمي أوصت بكذا، وهذه جارية سوداء نوبيّة، أتجزئُ عني، قال: «إيتني بها» فقال لها: «أين الله؟» قالت: "في السماء"، قال: «من أنا؟» قالت: "أنت رسول الله"، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».

وهذه الجارية غير جارية معاوية بن الحكم.

15

وعن أبي رزين العقيلي قال: "قلت يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماء والأرض؟ " قال: «كان في عما ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه». وفي لفظ آخر: «ثم كان على العرش فارتفع على عرشه».

وهذا حديث حسن رواه [الترمذي] وغيره.

16

وعن أبي هريرة، أن رجلًا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء، أعجمية فقال: "يا رسول الله إن عليّ عِتْقَ رقبة مؤمنة فقال لها: «أين الله؟» فأشارت بالسبابة إلى السماء، فقال لها: «من أنا؟» فأشارت بإصبعها إليه، وإلى السماء، أي أنت رسول الله، فقال: «أعتقها».

هذا حديث حسن، رواه القاضي أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة له عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ورواه أحمد والبرتي في مسنديهما، من حديث المسعودي.

17

وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، والفجر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم الله - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون».

متفق على صحته.

18

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

رواه الترمذي وصححه.

19

وعن جبير بن مطعم، أن رسول الله ﷺ قال للأعرابي في حديث الاستسقاء: «ويحك أتدري ما الله؟ إن شأنه أعظم من أن يستشفع به على أحد، إنه لفوق عرشه على سمواته».

رواه أبو داود، وغيره، في الرد على الجهمية، بإسناد حسن عنده من حديث محمد بن إسحاق بن يسار.

20

وعن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه [أتاه] رجل، فقال: على أمه رقبة، وقد ماتت، وأتاه بجارية أعجمية فقال لها: «من أنا؟» قالت: رسول الله، قال: «فأين الله؟» فأشارت إلى السماء، فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة».

أخرجه العسال بإسناد صحيح عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس.

21

وقال يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: جاء حاطب إلى رسول الله ﷺ بجارية له، فقال: "يا رسول الله إن [عليّ] رقبة فهل تجزيء هذه عني؟ فقال رسول الله ﷺ: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أين ربك؟» فأشارت إلى السماء. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».

تفرد به أسامة بن زيد عن يحيى بن عبد الرحمن. أخرجه أبو أحمد الحافظ بإسناد صحيح عنه.

22

وقال سمحج الجني: "قلت يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: "على حوت من نور".

هذا الحديث في الغيلانيات، وسنذكره فيما بعد. [2]

وهذه سبعة أحاديث تدل على جواز السؤال [بأين] الله، وجواز الإخبار بأنه في السماء سبحانه وتعالى.

23

وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفات: «ألا هل بلغت؟» فقالوا: نعم، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول: «اللهم اشهد».

رواه مسلم.

24

وعن العباس بن عبد المطلب قال: كنا بالبطحاء فمرت سحابة، فقال رسول الله ﷺ: "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا، قال: «إما واحدة وإما [اثنتان] أو ثلاث وسبعون سنة" ثم عد سبع سموات، ثم قال: "فوق السابعة بحر بين أسفله، وأعلاه كما بين السماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم، وركبهم كما بين سماء، إلى سماء ثم على ظهورهم العرش، ثم الله فوق ذلك، وهو يعلم ما أنتم عليه".

رواه أبو داود بإسناد حسن وفوق الحسن. [3]

25

وروى الترمذي نحوه من حديث أبي هريرة وفيه: "بعد ما بين سماء إلى سماء خمسمائة عام". [4]

ولا منافاة بينهما؛ لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير [العادة] مثلا، ونيف وسبعون سنة، على سير البريد، لأنه يصح أن يقال: بيننا وبين مصر عشرون يومًا، باعتبار سير العادة، وثلاثة أيام باعتبار سير البريد.

26

وعن زينب بنت جحش أنها كانت تقول للنبي ﷺ: «زوجنيك الرحمن من فوق عرشه».

وفي لفظ للبخاري كانت تقول: «إن الله أنكحني من فوق سبع سموات».

27

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً».

متفق عليه.

28

وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها».

رواه مسلم.

29

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصاح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كنتِ في الجسد الطيب، أبشري برَوْحٍ ورَيْحَان وربٍ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك، حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح، فيقال: من؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، فلا يزال يقال لها ذلك، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تعالى" وذكر الحديث.

هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه.

30

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا، فأتى موسى عليه السلام، فلطمه [موسى] فذهب بعينه، فعرج إلى ربه، فقال: بعثتني إلى موسى، فلطمني فذهب بعيني، ولولا كرامته عليك، لشققت عليه، قال: ارجع إلى عبدي، فقل له: فليضع يده على ثور فله بكل شعرة وارت كفه سنة يعيشها، فأتاه فبلغه ما أمره به ربه فقال: ما بعد ذلك، قال: الموت. قال: الآن، [فأتاه بشيء من الجنة] فشمه شمة قبض فيها روحه، ورد الله على ملك الموت بصره».

هذا حديث صحيح.

31

وروي عن عبد الله بن بكر السهمي: حدثنا يزيد بن عوانة عن محمد بن ذكوان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: "كنا جلوسًا ذات يوم بفناء رسول الله ﷺ إذ مرت امرأة من بنات رسول الله ﷺ، فقال أبو سفيان: "ما مثل محمد في بني هاشم إلا كمثل الريحانة في وسط الزبل"، فسمعت، فأبلغته رسول الله ﷺ، فخرج فصعد على منبره وقال: "ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق سموات سبع فاختار العليا، فسكنها، وأسكن سماواته من شاء من خلقه، ثم اختار خلقه، فاختار بني آدم فاختار العرب، فاختار مضر، فاختار قريشًا، فاختار بني هاشم، فاختارني، فلم أزل خيارًا من خيار، فمن أحب قريشًا فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم".

تفرد به محمد بن ذكوان، وهو ضعيف، ورواه عنه حماد بن واقد وغيره، أخرجه أبو أحمد العسال في المعرفة له.

32

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لسعد - يعني ابن معاذ -: «لقد حكمت فيهم - يعني بني قريظة - بحكم الملك من فوق سبع سموات».

هذا حديث صحيح.

33

وقد رواه الأموي في المغازي عن ابن إسحاق عن معبد ابن كعب بن مالك: أن سعد بن معاذ لما حكم في بني قريظة، قال له رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع أرقعة».

وحديث [سعد] بن أبي وقاص أصح.

34

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم [يا أهل الجنة وقال]، وذلك قوله تعالى {سَلاَمٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}».

رواه ابن ماجه في سننه في باب ما أنكرت الجهمية عن ابن أبي الشوارب عن أبي عاصم العبَّادي عن الفضل الرقاشي عن ابن المنكدر عن جابر.

35

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يصعد إلى الله إلا الطيب - فإنه يقبلها بيمينه، ويربيها لصاحبه حتى تكون مثل الجبال».

متفق على صحته.

36

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار والنور لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره».

متفق عليه.

37

وعن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قال عبد مخلصًا: لا إله إلا الله، إلا صعدت لا يردها حجاب، فإذا وصلت إلى الله نظر إلى قائلها، وحق على الله لا ينظر إلى مُوَحِّد إلا رحمه».

رواه ابن قدامة في صفة العلو، من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة.

38

وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال عن يوم الجمعة: «هو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش».

رواه الشافعي في مسنده.

39

عن أبي كعب مولى علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه [عن مولاه؟ عن ابن عباس] قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، إلا خرقت السموات حتى تفضي إلى الله عز وجل».

أخرجه أبو أحمد العسال عن ابن صاعد عن بكر بن أخت الواقدي عن إسماعيل بن قيس عن أبي كعب.

40

وبإسناد صح عن زائدة بن أبي الرقاد وهو رواه [عن] زياد النميري عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة قال: «فأدخل على ربي عزل وجل، وهو على عرشه». وذكر الحديث.

41

أخرجه البخاري في الصحيح من حديث قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي».

متفق عليه.

42

وأخرجه العسال من حديث ثابت البناني بإسناد صحيح وفيه: «فآتي باب الجنة فيفتح لي، فآتي ربي - تبارك وتعالى - وهو على كرسيه أو سريره، فأخر له ساجدا». الحديث.

43

وعن ابن عباس حدثني رجال من أصحاب رسول الله ﷺ: أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون إذ رمي مثله؟» قالوا: كنا نقول: ولد الليلة عظيم، أو مات عظيم. فقال: «إنها لم ترم لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا إذا قضى أمرًا سبحت حملة العرش، حتى يسبحوا أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا، فيقول الذين يلون حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيستخبر أهل السموات بعضهم بعضًا، حتى يبلغ الخبر أهل الدنيا، فيخطف الجن السمع فيلقونه إلى أوليائهم، فما جاءوا به على وجهه، فهو الحق، ولكنهم يفرقون ويزيدون».

رواه مسلم.

44

وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل فقال: إني أحب عبدي فأحبوه، فينوه بها جبريل في حملة العرش فيسمع أهل السماء لفظ حملة العرش، فيحبه أهل السماء السابعة، ثم سماءٍ سماءٍ، حتى ينزل إلى السماء الدنيا، ثم يهبط إلى الأرض، فيحبه أهل الأرض».

وهذا صحيح كالذي قبله.

45

وعن أنس، وغيره، في حديث الإسراء برسول الله ﷺ إلى ربه عز وجل، فذكر الحديث، وقال فيه: «فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح، فقيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، ففتح فإذا فيها آدم ثم صعد حتى أتى السماء الثانية» إلى أن قال: «ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فإذا إبراهيم، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى».

46

ولفظ البخاري: «ثم دنا فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى" كما في القرآن. قال: «ففرض عليّ الصلاة خمسين، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ورجعت إلى ربي، فوضع عني عشرًا».

47

وفي لفظ آخر للبخاري «فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار نعم إن شئت، فَعَلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه» وذكر الحديث بطوله.

متفق على صحته.

48

وثبت عن ابن عباس في قوله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى}. قال: "دنا ربه فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى".

أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات.

وأكثر الصحابة على أنه ﷺ رأى ربه.

49

قال ابن عباس: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ".

قلت: لأنه رآه في عالم البقاء، حين خرج من عالم الفناء وارتقى فوق السموات السبع.

فهذا الحديث أيضًا دال على أنه سبحانه وتعالى فوق السموات، وفوق جميع المخلوقات، لولا ذلك لكان معراج النبي ﷺ إلى فوق السماء السابعة إلى سدرة المنتهى، ودنو الجبار منه، وتدليه سبحانه وتعالى بلا كيف، حتى كان من النبي ﷺ قاب قوسين أو أدنى، وأنه رآه تلك الليلة، وأن جبريل علا به، حتى أتى به إلى الله تعالى. وهذه المقتضيات كلها التي أفادتنا أنه فوق السماء، باطلة لا تفيد شيئًا، على زعم من قال: إنه في كل مكان بذاته، الذين يلزم من دعواهم أنه في الكنف والبطون والأرحام وغير ذلك مما طبع الله بني آدم على خلافه؛ بل إنما فطرهم على أنه فوق العرش، فوق السماء السابعة، وأرسل رسله بتقرير ذلك؛ ولم يرسلهم بأنه ليس على العرش، ولا بأنه داخل العالم ولا خارجه. وسنوضح هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى، ونجيب عن المعارضات والشبه التي توردها الجهمية، لأنا الآن في معرض نقل النصوص.

50

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لما ألقي إبراهيم في النار، قال: اللهم إنك واحد في السماء، وأنا واحد في الأرض أعبدك».

هذا حديث حسن، من حديث أبي جعفر الرازي عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة.

51

وعن أبي الحجاج الثمالي قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وضع الميت في قبره، يقول له القبر: ابن آدم ما غرك بي إذ تمر بي، أما علمت أني بيت الوحدة والوحشة؟ فإن كان مصلحًا أجاب عنه مجيب القبر، أرأيت إن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيقول القبر: إذًا أعود عليه خضرا، ويعود جسده نورًا، ويصعد [بروحه] إلى رب العالمين».

رواه بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك عن عبد الرحمن بن عائذ عن أبي الحجاج. وهو حديث شامي تفرد به بقية فيما أعلم، ويصلح للاعتبار والاستشهاد.

52

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "من اشتكى منكم فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ".

رواه أبو داود وغيره. [5]

53

وأخبرنا بإسناد صحيح ثابت عن حبيب بن أبي ثابت: أن حسان بن ثابت أنشد للنبي ﷺ:

شهدت بإذن الله أن محمدًا ** رسول الذي فوق السموات من عَلُ

وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ** له عمل من ربه متقبل

وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ** يقوم بذات الله فيهم ويعدل

فقال النبي ﷺ: «وأنا».

54

وقد أنشد شعر أمية بن أبي الصلت عند النبي ﷺ فقال: «آمن شعره وكفر قلبه». وهو:

مجدوا الله فهو للمجد أهل ** ربنا في السماء أمسى كبيرا

بالبناء الأعلى الذي سبق الخلق ** وسوى فوق السماء سريرا

شرجعا ما يناله بصر العين ** ترى دونه الملائك صورا

قوله: "شرجعًا": أي طويلًا. و"صورًا": جمع أصور، وهو المائل العنق.

55

وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ لأبي: «كم تعبد اليوم إلهًا؟» قال: " ستة في الأرض، وواحد في السماء" قال: «فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك» قل: "الذي في السماء" قال: «أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك». فلما أسلم قال: "يا رسول الله، علمني الكلمتين اللتين وعدتني" قال: «قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي»

رواه الترمذي وحسنه من حديث الحسن عن عمران بن حصين.

56

ورواه خالد بن طليق عن أبيه، أتم من هذا فيما أخبرنا عبد الخالق بن عبد السلام ببعلبك: أنا عبد [الله] بن أحمد الفقيه سنة إحدى عشر وستمائة: أنا محمد بن عبد الباقي: أنا أبو الفضل بن خيرون: أخبرنا ابن شاذان: أنا أبو سهل القطان: أخبرنا عبد الكريم الديرعاقولي: ثنا رجاء بن محمد البصري: ثنا عمران بن خالد بن طليق: حدثني أبي عن أبيه عن جده قال: "اختلفت قريش إلى حصين، والد عمران فقالوا: إن هذا الرجل يذكر آلهتنا، فنحب أن تكلمه، وتعظه، فمشوا معه إلى قريب من باب النبي ﷺ، فجلسوا، ودخل حصين، فلما رآه النبي ﷺ قال: «أوسعوا للشيخ» فقال: "ما هذا الذي يبلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم؟ وقد كان أبوك جفنة وخبزًا " فقال: «إن أبي وأباك في النار، يا حصين، كم تعبد إلهًا [في] اليوم؟» قال: "[ستة] في الأرض، وإله في السماء" قال: «فإذا أصابك الضيق بمن تدعو؟» قال: "الذي في السماء" وذكر باقي الحديث وإسلامه.

أخرجه إمام الأئمة ابن خزيمة في التوحيد له بهذا الإسناد، وطليق هو ابن محمد بن عمران بن حصين.

57

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة: «فآتي باب الجنة، فأقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فأقول: محمد، فإذا ربي على كرسيه، فيتجلى لي فأخر ساجدًا».

وهذا حديث صحيح.

58

وعن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ جالسًا فتبسم، ثم قال: «عجبًا للمؤمن، وجزعه من السقم، ولو كان يعلم ما له في السقم أحب أن يكون سقيمًا حتى يلقى ربه، وعجبت من ملكين، نزلا يلتمسان عبدًا في مصلاه، كان يصلي فيه فلم يجداه، فعرجا إلى الله فقالا: يا رب، عبدك فلان، كنا نكتب له من العمل فوجدناه قد حبسته في حبالك، فقال اكتبوا لعبدي عمله الذي كان يعمل، في يومه وليلته، ولا تنقصوا منه شيئًا، فعلي أجر ما حبسته، وله أجر ما كان يعمل».

أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات عن محمد بن يوسف عن ابن وهب عن محمد بن أبي حميد عن عون ابن عبد الله عن أبيه عن ابن مسعود. ومحمد بن أبي حميد ضعيف.

59

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه يدعوه أن يردهما صفرًا ليس فيهما شيء».

وهذا حديث صحيح، رواه جماعة من الصحابة، علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وسلمان الفارسي وأنس بن مالك وغيرهم.

60

وعن أبي هريرة قال: أخبرنا رسول الله ﷺ: «أن أهل الجنة إذا دخلوها [نزلوا فيها] بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة، [فيزورون] الله، فيبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، فيوضع لهم منابر من ذهب، ويجلس أدناهم، وما فيهم دني على كثبان المسك ما يرون بأن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا». فذكره إلى أن قال فيه: «فننصرف إلى منازلنا، فتتلقانا أزواجنا ويقلن: مرحباًَ وأهلًا لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقتنا، فنقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار، ويحق لنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا».

رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما.

61

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم، فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم».

رواه [سهيل] ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.

62

وعن قتادة بن النعمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه».

رواه الخلال في السنة بإسناد صحيح على شرط الصحيحين.

63

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، لا يصعد إليَّ من الرياء شيء».

محفوظ من حديث قيس بن الربيع عن أبي حَصين عن أبي صالح عن أبي هريرة.

64

وعنه قال سمعت النبي ﷺ يقول: "رب يمين لا تصعد إلى الله في هذه البقعة"، فرأيت فيها النجاسة.

رواه الثوري عن عاصم بن عبيد الله بن حفص عن عبيد بن أبي عبيد عن أبي هريرة. وهو غريب.

65

وخرج عبد أسود لبعض أهل خيبر في غنم له حتى جاء رسول الله ﷺ، فقال: «من هذا؟ قالوا: رسول الله، قال: الذي في السماء؟ قالوا: نعم. فقال: أنت رسول الله؟ قال: «نعم» قال: الذي في السماء؟ قال: «نعم» فأمره رسول الله ﷺ بالشهادة، فتشهد فقاتل حتى استشهد".

أخرجه الأموي في المغازي عن محمد بن إسحاق.

66

وعن عدي بن عميرة الكندي قال: "كان بأرضنا حبر من اليهود يقال له [ابن الشهلاء]، فالتقيت أنا وهو، فقال: إني أجد في كتاب الله أن أصحاب الفردوس قوم يعبدون ربهم على وجوههم، لا والله، ما أعلم هذه الصفة إلا فينا معشر اليهود، وأجد نبيها يخرج من اليمن، لا نراه يخرج إلا منا، قال عدي: فوالله ما لبثت حتى بلغنا أن رجلا من بني هاشم قد تنبأ فذكرت حديث [ابن الشهلاء] فخرجت إليه ﷺ فإذا هو ومن معه يسجدون على وجوههم ويزعمون أن إلههم في السماء".

رواه الأموي في المغازي من حديث محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن سنان عن سعيد بن الأجيرد عن العرس بن قيس الكندي عن عدي بن عميرة.

67

وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ حدثني عن ربه عز وجل قال: «وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية ولا بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي، فتحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي».

أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش عن الحسن بن علي: حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي: حدثنا أبو حنيفة [اليمامي] عن عمر بن عبد الملك قال: "خطبنا علي" فذكره. ورواه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة له عن أحمد بن حسن [الطائي] عن الحلواني به.

68

وروى مالك بن دينار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أخبرني جبرائيل عن الله عز وجل أنه يقول: وعزتي وجلالي واستوائي على عرشي وارتفاع مكاني إني لأستحيي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذبهما».

رواه الحافظ أبو نعيم في كتبه عن أبي بكر بن السندي: حدثنا جعفر بن محمد بن الصياح: حدثنا يحيى بن خذام: حدثنا محمد ابن عبد الله بن زياد الأنصاري عن مالك بن دينار.

69

وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جمع الله الخلائق حاسبهم، فميز بين أهل الجنة والنار، وهو في جنته على عرشه».

هذا حديث محفوظ عن نوح بن قيس عن يزيد الرقاشي، رواه يزيد بن هارون وغيره عنه.

70

وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «مررت ليلة أسري بي برائحة طيبة، فقلت لجبريل ما هذه [الرائحة الطيبة]؟ فقال: ماشطة بنت فرعون، كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: باسم الله، فقالت ابنة فرعون: أبي، قالت: ربي ورب أبيك، قالت: أقول له إذًا، قالت: قولي له، فقال لها: أولك رب غيري، قالت: ربي وربك الله الذي في السماء. فأحمي لها [بنقرة] من نحاس، فألقى ولدها واحدًا واحدًا، فكان آخرهم صبي، فقال: يا أماه اصبري فإنك على الحق».

هذا حديث حسن من حديث عطاء بن [السائب] عن سعيد بن جبير. رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن هدبة عن حماد بن سلمة عنه.

71

وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «فينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني، فأستجيب له، ألا ظالم لنفسه يدعوني فأفكه، فيكون كذلك إلى مطلع الصبح ويعلو على كرسيه».

72

وفي صحيح مسلم: «لا أسأل عن عبادي غيري»، تفرد به موسى ابن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة.

والحجة فيه قوله «يعلو على كرسيه». وأما قوله «ينزل الله إلى سماء الدنيا» فقد رواه نيِّف وعشرون من الصحابة عن رسول الله ﷺ، وقد أفردت لذلك جزءًا.

73

وروى شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد ليشرف على حاجة من حاجات الدنيا، فيذكره الله فوق سبع سموات، فيقول: ملائكتي، إن عبدي قد أشرف على حاجة من حوائج الدنيا، فإن فتحتها له فتحت بابا من أبواب النار، ولكن أزوها عنه، فيصبح العبد عاضًا على أنامله يقول من دهاني؟ ما هي إلا رحمة رحمه الله بها».

تفرد به علي بن [معبد] أحد شيوخ النسائي عن صالح بن بيان وليس بعمدة عن شعبة.

74

وروى شهر بن حوشب عن يزيد قال: سمعت رسول اللهﷺ يقول: «يهبط الرب تبارك وتعالى من السماء السابعة إلى المقام الذي هو قائمه، ثم يخرج عنق من النار فيظل الخلائق كلهم، فيقول أمرت بكل جبار عنيد، ومن زعم أنه عزيز كريم، ومن دعى مع الله إلها آخر».

أخرجه أبو أحمد العسال من حديث أبان وهو ضعيف عن شهر.

75

وعن ابن المنكدر عن جابر عن رسول الله ﷺ: «إن الملك يرفع العمل للعبد يرى أن في يديه منه سرورًا، حتى ينتهي إلى الميقات الذي وصف الله فيضع العمل فيه، فيناديه الجبار من فوقه: ارم بما معك في سجين فيقول ما رفعت إليك إلا حقًا، فيقول: صدقت ارم بما معك في سجين».

أخرجه أبو أحمد العسال، [من حديث أبي العسال]، من حديث أبي الخطاب النجم بن إبراهيم عن ابن المنكدر.

76

وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينظرون [إلى] فصل القضاء، فينزل الله من العرش إلى الكرسي في ظلل من الغمام».

هذا حديث حسن تفرد به أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، فرواه مسروق عن ابن مسعود.

77

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه، إن رحمتي سبقت غضبي» متفق عليه.

أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرد على الجهمية.

78

ورواه أبو أحمد العسال من حديث النعمان بن بشير موقوفا عليه قال: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض فهو معه على العرش فأنزل منه آيتين فختم بهما سورة البقرة، وإن الشيطان لا يدخل بيتًا قرءتا فيه".

79

وأخرج البخاري في باب قوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} عن ابن عباس قال: بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ فقال لأخيه: "اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء".

هكذا أخرجه في كتاب الرد على الجهمية من صحيحه.

80

وعن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث في القصاص بمصر فقلت لراويه: بلغني عنك في القصاص، قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يبعثكم يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهمًا، [ثم يجمعكم]، ثم ينادي وهو قائم على عرشه بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك أنا الديان».

هذا حديث محفوظ عن جابر بن عبد الله، رواه عنه عبد الله بن محمد بن عقيل ومحمد بن المنكدر وأبو الجارود العبدي، وله طرق يصدق بعضها بعضًا.

81

وأخرج البخاري تعليقًا منه قوله: «ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» في كتاب الرد على الجهمية من صحيحه في إذا تكلم الله بالوحي، وقد جمع ألفاظ أحاديث الصوت. وقد ورد في ذلك بضعة عشر حديثًا مرفوعة من سوى أقوال الصحابة والتابعين، وقد تتبعتها وجمعتها في جزء، أصحها ما أورده البخاري بعد هذا الحديث فقال:

82

حدثني عمر بن حفص: ثنا أبي: ثنا الأعمش حدثناأبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار».

83

وما رواه أحمد بن حنبل لما سأله ابنه عبد الله عن قوم يقولون: إن الله لم يتكلم بصوت، فقال: "بلى تكلم بصوت".

[حدثنا المحاربي عن الأعمش] عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السموات".

وقال أحمد: "هذه الجهمية تنكره، وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس".

رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة الذي أجازه لي غير واحد، منهم ابن أبي الخير عن أبي زرعة الكفتواني: أنبأنا أبو عبد الله الخلال: أنبأنا أبو المظفر بن شبيب: أنبأنا أبو عمر السلمي: أنبأنا أحمد بن محمد اللنباني عنه.

وهذا الحديث على شرط الصحيحين.

رجعنا إلى ما وضع الكتاب له.

84

فعن جابر بن سليم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين [فتبختر]، فنظر الله إليه من فوق عرشه فمقته، فأمر الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها».

رواه سهل بن بكار شيخ البخاري عن عبد السلام بن عجلان عن عبيدة [الهجيمي] قال: قال أبو جُرَيْ جابر بن سليم فذكره.

85

وعن تميم الداري قال: سألنا رسول الله ﷺ عن معانقة الرجل للرجل إذا لقيه؟ فقال: "إن أول من عانق إبراهيم، وذلك أنه خرج يرتاد لماشيته في جبل من جبال بيت المقدس، فسمع صوتا يقدس الله، فذهل عما كان يطلب، وقصد الصوت فإذا هو برجل أهلب طوله [ثمانية عشر] ذراعًا يقدس الله؛ فقال له إبراهيم: يا شيخ من ربك؟ قال: الذي في السماء" وذكر الحديث.

تفرد به عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن أبي سفيان الألهاني عن تميم.

86

وعن أبي وائل عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله ما المقام المحمود؟ قال: «يوم ينزل الله على عرشه».

رواه ابن حيان في كتاب العظمة له.

87

وعن عوانة بن الحكم قال: "لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء، فأقاموا ببابه أيامًا لا يؤذن لهم، فبينا هم كذلك مر بهم عدي بن أرطأة، فدخل على عمر فقال: الشعراء ببابك يا أمير المؤمنين وسهامهم مسمومة، فقال: ويحك مالي وللشعراء. فقال: إن رسول الله ﷺ قد امتدح فأعطاه، امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة. قال: أو تروي من شعره شيئًا. قال: نعم. فأنشده [عدي] بن أرطأة قوله في النبي ﷺ:

رأيتك يا خير البرية كلها ** نشرت كتابا جاء بالحق معلما

شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا ** عن الحق لما أصبح الحق مظلمًا

تعالى علوًا فوق عرش إلهنا ** وكان مكان الله أعلى وأعظما

رواه الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم.

88

وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة، ما [تسمع] من نفس شيئًا من حس تلك الحجب إلا زهقت نفسه».

تفرد به موسى بن عبيدة عن أبي حازم عن سهل. رواه البيهقي في كتاب الصفات.

89

وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «اقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: قد بشرتنا فاقض لنا هذا الأمر كيف كان؟ فقال: «كان الله على العرش وكان قبل كل شيء، وكتب في اللوح كل شيء يكون».

هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري بغير هذا اللفظ.

90

أخبرنا أحمد بن عبد الحميد المقدسي: أنبأنا أبو محمد بن قدامة سنة سبع عشرة وستمائة: أخبرتنا شهدة: أنبأنا أبو عبد الله النعالي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران: أنبأنا ابن البختري: حدثنا الدقيقي: حدثنا أبو علي الحنفي: حدثنا فرقد بن الحجاج: سمعت عقبة بن أبي الحسناء قال: سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله إذا جمع الأولين والأخرين يوم القيامة جاء الرب إلى المؤمنين فوقف عليهم على كور» -فقالوا لعقبة: ما الكور؟ قال: المكان المرتفع- فيقول: «هل تعرفون ربكم؟ قالوا: إن عرفنا نفسه عرفناه، فيتجلى لهم ضاحكًا في وجوههم، فيخرون له سجدًا».

أخرجه ابن خزيمة في التوحيد له عن عمرو بن علي عن الحنفي وفيه «فتوقف على كوم».

91

وعن عبد الله بن رواحة أنه مشى ليلة إلى أمة له [فنالها]، فرأته امرأته فلامته، فجحدها، فقالت: له إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ القرآن فقال:

شهدت بأن وعد الله حق ** وأن النار مثوى الكافرينا

وأن العرش فوق الماء طاف ** فوق العرش رب العالمينا

فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن، فأخبر النبي ﷺ [بذلك] فضحك وقال: "غفر لك كذبك بتمجيدك ربك". [6]

روي من وجوه صحاح مرسلة عن عبد الله بن رواحة، أخرجه أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب له.

92

قرأت على عبد الحافظ بن بدران بنابلس: أنبأنا موسى بن عبد القادر الجيلي: أنبأنا سعيد بن أحمد البنا: أنبأنا أبوالقاسم علي بن أحمد البسرى: أنبأنا المخلِّص: حدثنا البغوي: حدثنا عبد الجبار بن عاصم: حدثنا مبشِّر بن إسماعيل الحلبي: حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا، يرى في أول الصحيفة خيرًا، وفي آخرها خيرًا، إلا قال الله لملائكته أشهدكم أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة».

93

وعن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: «ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء».

هذا حديث حسن الإسناد رواه جرير بن عبد الله وعبد الله بن عمرو وابن مسعود رضي الله عنهم، وحديث عبد الله بن عمرو أصح الثلاثة وقد تقدم.

94

أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمرو: أنبأنا الحسين بن هبة الله البلدي: أنبأنا علي بن عساكر: أنبأنا [الحسن] بن أبي الحديد سنة ثمانين وأربعمائة: أنبأنا المسدد بن علي الأملوكي: أنبأنا إسماعيل بن القاسم الحلبي بحمص: حدثنا يعقوب بن إسحاق بعسقلان: حدثنا جعفر بن هارون الفراء: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: لما خطب عليُّ فاطمة رضي الله عنها من رسول الله ﷺ، دخل عليها فقال: «أي بنيَّة إن ابن عمك قد خطبك فما تقولين؟» فبكت ثم قالت: يا أباه كأنك إنما ادخرتني لفقير قريش، فقال: «والذي بعثني بالحق ما تكلمت في هذا حتى أذن الله فيه من السماء» فقالت: رضيت بما رضي الله لي منه".

95

قرأت على عمر بن عبد المنعم عن أبي [اليمن] الكندي: أنبأنا أبو الفتح البيضاوي: أنبأنا ابن النقور: أنبأنا أبو القاسم بن الجراح: حدثنا البغوي: حدثنا أبو كامل الجحدري: حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا أمطرت السماء حسر عن منكبيه حتى يصيبه المطر ويقول: «إنه حديث عهد بربه».

هذا حديث صحيح.

96

وعن عثمان بن عمير، [عن] أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم الجمعة نزل الله عز وجل من عليين على كرسيه، ثم حف الكرسي بمنابر من نور، ثم جاء النبيون حتى يجلسوا عليها، ثم حفها بكراسي من ذهب، ثم جاء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها، ثم يجيء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثيب، فيتجلى لهم ربهم عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه وهو يقول: أنا الذي صدقتكم وعدي فسلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إلى مقدار منصرف الناس يوم الجمعة، ثم يصعد على كرسيه، فيصعد معه الصديقون والشهداء». وذكر الحديث.

هذا حديث محفوظ له شواهد في السنن، أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية له عن عبد الأعلى بن حماد: حدثنا عمر بن يونس عن جهضم بن عبد الله القيسي: حدثنا أبو طيبة عن عثمان بن عمير.

97

ورواه ليث بن أبي سليم عن عثمان بن عمير وفيه «ثم يرتفع تبارك وتعالى على كرسيه ويرتفع معه النبيون».

أخرجه الحافظ أبو أحمد العسال عن موسى بن إسحاق عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن ليث به.

98

وروى العباس بن عبد العظيم العنبري عن أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: ادعُ الله أن يدخلني الجنة. فعظم الرب، فقال: "إن كرسيه فوق السموات، وإنه يقعد عليه فما يفضل منه إلا أربع أصابع". [7]

هذا حديث محفوظ من حديث أبي إسحاق السبيعي إمام الكوفيين في وقته، سمع من غير واحد من الصحابة، وأخرجا حديثه في الصحيحين، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. تفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن خليفة من قدماء التابعين، لا نعلم حاله بجرح ولا تعديل، لكن هذا الحديث حدث به أبو إسحاق السبيعي مقرًا له كغيره من أحاديث الصفات، وحدث به كذلك سفيان الثوري وحدث به أبو أحمد الزبيري ويحيى بن أبي بكير ووكيع عن إسرائيل.

99

وأخرجه أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة والرد على الجهمية له عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة عن عمر رضي الله عنه، ولفظه: "إذا جلس الرب على الكرسي، سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد". [8]

100

ورواه أيضا عن أبيه: حدثنا وكيع بحديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر "إذا جلس الرب على الكرسي" فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع، فغضب وكيع، وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون [بهذه الأحاديث] ولا ينكرونها.

قلت: وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان، فلا أدري أخرجه أم لا، فإن عنده أن العدل الحافظ إذا حدث عن رجل لم يعرف بجرح فإن ذلك إسناد صحيح.

فإذا كان هؤلاء الأئمة: أبو إسحاق السبيعي والثوري والأعمش وإسرائيل وعبد الرحمن بن مهدي وأبو أحمد الزبيري ووكيع وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم وعددهم الذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدجى قد تلقوا هذا الحديث بالقبول وحدثوا به ولم ينكروه ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره ونتحذلق عليهم؟ بل نؤمن به ونكل علمه إلى الله عز وجل.

قال الإمام أحمد: "لا نزيل عن ربنا صفة من صفاته لشناعة شنِّعت وإن نَبَت عن الأسماع".

فانظر إلى وكيع بن الجراح الذي خلف سفيان الثوري في علمه وفضله، وكان يشبه به في سمته وهديه، كيف أنكر على ذلك الرجل، وغضب لما رآه قد تلون لهذا الحديث.

(أقوال الصحابة)

ذكر ما حفظ عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم بأن الله في السماء على العرش، وذلك في حكم الأحاديث المرفوعة، لأنهم رضي الله عنهم لم يقولوا شيئًا من ذلك إلا وقد أخذوه عن رسول الله ﷺ، لأنهم لا مساغ لهم في الاجتهاد في ذلك، ولا أن يقولوه بآرائهم، وإنما تلقوه من رسول الله ﷺ فمنه:

(أبو بكر الصديق)

101

قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما مات النبي ﷺ: "من كان يعبد محمدًا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الذي في السماء فإنه حي لا يموت".

أخرجه هكذا الدارمي بإسناد صحيح، والبخاري في تاريخه من حديث نافع عن ابن عمر.

(عمر بن الخطاب)

102

وعن عبد الرحمن بن غُنْم قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "ويل لديان من في الأرض من ديان من في السماء يوم يلقونه، إلا من أمر بالعدل وقضى بالحق، ولم يقض على هوى ولا على قرابة، ولا على رغب ولا رهب، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه".

قال ابن غنم: "فحدثت بهذا الحديث عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك".

أخرجه أبو نعيم الحافظ عن ابن فارس عن سمويه عن أبي مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله [عن] ابن غنم.

103

وعن عمر أيضا أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف يحدثها فقال له رجل: "يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز" فقال: "ويلك أتدري ما هي؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة التي أنزل الله فيها {قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ اَلتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}".

أخرجه عثمان الدارمي في الرد على المريسي.

(عثمان بن عفان)

104

وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله أنه لما أخذ البيعة لعثمان رضي الله عنه وبايعه الناس، رفع رأسه إلى سقف المسجد وقال: "اللهم اشهد".

رويناه في جزء فيه مقتل عمر رضي الله عنه.

(عبد الله بن مسعود)

105

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما بين السماء القصوى والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء كذلك، والعرش فوق الماء والله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم".

رواه اللالكائي والبيهقي بإسناد صحيح عنه.

ورواه أيضا أبو بكر بن المنذر وعبد الله بن أحمد بن حنبل وأبو القاسم الطبراني وأبو عمر بن عبد البر وأبو عمر الطلمنكي، وغيرهم، وأبو أحمد العسال.

106

وعن ابن مسعود أنه قال: "من قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، تلقاهن ملك فعرج بهن إلى الله تعالى، فلا يمر بملأ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الرحمن".

أخرجه العسال، وإسناده كلهم ثقات.

107

وعنه أنه قال: "إن العبد ليهمُّ بالأمر من التجارة والإمارة، حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سموات فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخله النار".

رواه أبو القاسم اللالكائي الشافعي وغيره بإسناد صحيح عن خيثمة عنه.

108

وعنه قال: "إن الله يبرز لأهل جنته في كل جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيحدث لهم من الكرامة ما لم يروا مثله، ويكونوا في الدنو منه كمسارعتهم إلى الجمع".

أخرجه ابن بطة بإسناد صحيح عن عمرو بن قيس عن ابن مسعود.

(عبد الله بن عمرو)

109

وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة، جاءها ملك فاختلجها، ثم عرج بها إلى الرحمن عز وجل، فيقول: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله فيها ما يشاء، فيقطع رزقه وخلقه، فيهبط الملك بهما جميعا".

رواه أبو بكر النجاد من حديث ابن لهيعة، وحديثه فوق الضعيف ودون الحسن، ولهذا الحديث شواهد في الصحيح.

(أبو هريرة)

110

عن أبي هريرة قال: "يحشر الناس حفاة عراة مشاة قياما، أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء، وقد ألجمهم العرق من شدة الكرب، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي".

أخرجه أبو أحمد العسال من حديث المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن أبي هريرة.

(عبد الله بن عباس)

111

وعن عبد الله بن عباس قال: "فكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله، فإن بين السموات إلى كرسيه سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك سبحانه وتعالى".

رواه البيهقي في الصفات وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة وغيرهما بإسناد حسن عنه.

112

وعنه أنه جاءه رجل فقال: "إني أجد شيئا يختلف، أسمع الله يقول {أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} إلى قوله {بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} فذكر الله تعالى خلق السماء قبل الأرض ثم قال في آية أخرى {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إلى قوله {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} فذكر هنا خلق الأرض قبل السماء. فقال ابن عباس: أما قوله {أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} فإنه خلق الأرض قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ثم نزل إلى الأرض فدحاها".

أخرجه البخاري في صحيحه.

113

وعن عبد الله بن أبي سلمة "أن ابن عمر بعث إلى ابن عباس يسأله: هل رأى محمد ربه؟ فبعث إليه أن نعم، فأرسل إليه ابن عمر: كيف رآه؟ فقال: رآه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة".

أخرجه أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإبانة من حديث محمد ابن إسحاق، وهو [على] شرط أبي داود والنسائي وغيرهما.

114

وصح عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: "قالت امرأة العزيز ليوسف: إني كثيرة الدر والياقوت، فأعطيك ذلك حتى تنفق في مرضاة سيدك الذي في السماء".

115

وعنه أنه قيل له إن ناسًا يقولون بالقدر فقال: "يكذبون بالكتاب، لئن [أخذت] شعر أحدهم لأنصُوَنَّه، إن الله كان على عرشه، وكتب ما هو كائن، وإنما يجري الناس على أمر قد [قضي] [و] فرغ منه".

رواه سفيان الثوري وغيره عن أبي هاشم عن مجاهد عنه.

116

وروى عكرمة في قوله {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} عن ابن عباس قال: "لم يستطع أن يقول من فوقهم، علم أن الله من فوقهم".

رواه إبراهيم بن الحكم بن أبان وهو ضعيف عن أبيه عن عكرمة.

(أم سلمة)

117

وعن محمد بن أشرس الكوفي: حدثنا أبو المغيرة النضر بن إسماعيل الحنفي: حدثنا قرة عن الحسن عن [أمه] عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان واجب، والجحود به كفر".

رواه ابن منده واللالكائي وغيرهما بأسانيد صحاح عن محمد بن أشرس أبي كنانة الكوفي وهو رواه.

(أنس بن مالك)

118

وعن أنس بن مالك قال: "قال أبو بكر لعمر بعد وفاة رسول الله ﷺ انطلق بنا إلى أم أيمن [نزورها] كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقلنا ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، فقالت: صدقتما ولكن أبكي أن الوحي انقطع عنا من [السماء]، فهيجتهما على البكاء".

رواه مسلم.

119

وعن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة [عن ابن مسعود و] عن ناس من أصحاب النبي ﷺ في قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء}: "إن الله كان على عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا فارتفع [فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء]، ثم أيبس الماء فجعله أرضًا، ثم فتقها فجعلها سبع أراضين" إلى أن قال "فلما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش".

أخرجه محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن موسى بن هارون: حدثنا عمرو بن حماد: حدثنا أسباط عن السدي.

فبين فيه أن خلق العرش قبل سائر الخلق، وأن استواءه عز وجل عليه كان بعد ذلك، ومن ذلك: قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}.

120

وقول النبي ﷺ: «كان الله ولا شيء معه، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض».

أخرجه البخاري.

فخلق العرش قبل خلق السموات والأرض، [ثم خلق السموات والأرض] بنص الكتاب والسنة؛ هذا لا شك فيه. وقد قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فلو كان الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء أو القهر، ونحو ذلك، على ما حرفته الجهمية والمعتزلة، لكان الله تعالى غير مستول على العرش ولا قاهر له قبل خلق السموات والأرض، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. فتدبر ذلك وحاسب نفسك واتق الله فيما تقوله ودع الهوى واتبع الإنصاف وقول الحق، جعلنا الله ممن استمع القول فاتبع أحسنه.

(أقوال التابعين)

ومما حفظ عن التابعين رضي الله عنهم في أن الله على عرشه:

(كعب بن ماتع)

121

ما رواه يونس عن الزهري عن ابن المسيب عن كعب الأحبار قال: "قال الله في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق خلقي، وأنا على عرشي، أدبر أمر عبادي، ولا يخفى عليَّ شيء في السماء ولا في الأرض".

رواه أبو الشيخ الأصبهاني وابن بطة العكبري وغيرهما بإسناد صحيح من حديث أبي صفوان الأموي أحد رجال مسلم، واسمه عبد الله بن سعد بن عبد الملك بن مروان عن يونس بن زيد، فذكره.

(الحسن البصري)

122

عن الحسن البصري قال سمع يونس عليه السلام تسبيح الحصا والحيتان، فجعل يسبح، وكان يقول في دعائه: "سيدي في السماء مسكنك، وفي الأرض قدرتك" وذكر الحديث.

رواه ابن قدامة في صفة العلو بإسناد صحيح.

123

وعنه قال: ليس شيء عند ربك أقرب إليه من إسرافيل، وبينه وبينه سبع حجب، كل حجاب خمسمائة عام، وهو دون هؤلاء الحجب، ورجلاه في تخوم الثرى، ورأسه من تحت العرش".

رويناه بإسناد صحيح عن أبي بكر الهذلي عن الحسن.

(كعب الأحبار)

124

وعن كعب الأحبار أنه [أتاه] رجل وهو في نفر فقال كعب: دعوا الرجل، فإنه إن كان جاهلا تعلم، وإن كان عالمًا ازداد علمًا، ثم قال كعب: أخبرك أن الله خلق سبع سموات، ومن الأرض مثلهن، ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، وجعل كثفها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه".

رواه أبو الشيخ في كتاب العظمة بإسناد صحيح.

(مسروق بن الأجدع الهمداني)

125

وثبت عن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها قال: "حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سموات".

126

وقد قال لها ابن عباس رضي الله عنهم، وقد دخل عليها يعودها. في حديث طويل: وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات".

(سالم بن أبي الجعد الأشجعي)

127

وعن سالم بن أبي الجعد {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصَاَدِ} قال: "ومن وراء الصراط ثلاثة جسور، جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الرب عز وجل".

رواه أبو أحمد العسال بإسناد صحيح من رواية الأعمش عن سالم بن أبي الجعد. وصح عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه، وكلاهما ضعيف.

(عكرمة)

128

وعن عكرمة قال: بينما رجل في الجنة، فقال في نفسه: لو أن الله يأذن لي لزرعت، فلا يعلم إلا والملائكة على أبوابه، فيقولون: سلام عليك، يقول لك ربك تمنيت في نفسك شيئًا فقد عَلِمْتُه، وقد بعث معنا البذر؛ فيقول: ابذروا، فيخرج أمثال الجبال، فيقول له الرب من فوق عرشه: كل ابن آدم فإن ابن آدم لا يشبع".

(مجاهد بن جبر المكي)

129

وعن مجاهد في قوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} قال: "يجلسه معه على العرش".

رواه إسحاق بن راهويه [وابن نمير] عن ابن فضيل عن ليث عنه.

وسيأتي [قول الأئمة] فيه في آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى.

130

وعنه في قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِم خَلْفٌ} قال: "هم في هذه الأمة يتراكبون كما تراكب الحمر والأنعام في الطرق، ولا يستحيون الناس في الأرض، ولا يخافون الله في السماء".

أخرجه الهيثم بن خلف الدوري في أول كتاب ذم اللواط.

(سعيد بن جبير)

131

وعن سعيد بن جبير قال: "قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل سنين، فقال الملك: ليرسلن علينا السماء أو لنؤذينه. فقال جلساؤه: وكيف تقدر وهو في السماء؟ فقال: أقتل أولياءه، فأرسل الله عليهم السماء".

(قتادة بن دعامة السدوسي)

132

وصح عن قتادة قال: قالت بنو إسرائيل يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك؟ قال: إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم".

أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي من كتاب النقض على المريسي له.

(ثابت بن أسلم البناني)

133

وصح عن ثابت البناني قال: كان داود عليه السلام يطيل الصلاة، ثم يركع، ثم يرفع رأسه إلى السماء، ثم يقول: إليك رفعت رأسي [يا عامر السماء]، نظر العبيد إلى أربابها يا ساكن السماء".

رواه اللالكائي بإسناد صحيح عن ثابت.

(مالك بن دينار البصري)

134

وعن مالك بن دينار أنه كان يقول: جُدُّوا، ويقرأ ويقول: "[اسمعوا] إلى قول الصادق من فوق عرشه".

رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح عنه.

135

وعنه أيضًا قال: "قرأت في بعض الكتب أن الله يقول: يا ابن آدم خيري ينزل عليك، وشرك يصعد إليَّ، وأتحبب إليك بالنعم، وتتبغض إلي بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم قد عرج منك إليَّ بعمل قبيح".

رواه ابن أبي الدنيا في تصانيفه عن أبي علي المدائني: حدثنا إبراهيم بن الحسن عن أبي جعفر شيخ من قريش عن مالك.

(الضحاك بن مزاحم الهلالي)

136

وعن الضحاك، من رواية مقاتل بن حيان عنه، في قوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية. قال: هو على عرشه وعلمه معهم".

137

رواه أبو عمر بن عبد البر وأبو عبد الله بن بطة بأسانيد جيدة.

وأخرجه أبو أحمد العسال ولفظه قال: "هو فوق العرش وعلمه معهم أينما كانوا".

(سليمان بن طرخان التيمي)

138

ورُوِّينا بإسناد صحيح عن صدقة عن سليمان التيمي قال: سمعته يقول: "لو سئلت أين الله؟ لقلت في السماء".

139

وعن شريح بن عبيد أنه كان يقول: "ارتفع إليك ثغاء التسبيح، وصعد إليك وقار التقديس، سبحانك ذا الجبروت، بيدك الملك، والملكوت، والمفاتيح، والمقادير".

رواه أبو الشيخ بإسناد صحيح، من رواية صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد.

(عبيد بن عمير الليثي)

140

وعن عبيد بن عمير قال: "ينزل الرب عز وجل شطر الليل إلى السماء الدنيا فيقول: من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى إذا كان الفجر صعد الرب عز وجل".

رواه حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير.

أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب الرد على الجهمية.

(وهب بن منبه اليماني)

141

وعن وهب بن منبه قال: وجدت في التوراة: كان الله ولم يكن شيء قبله، ولا يقال كيف كان، وأين كان، وحيث كان، لمن كيَّف الكيف، وأيَّن الأين، وحيَّث الحيث، فأول شيء خلق من الأشياء، أنه قال له كن [فيكون]، الكرسي، ثم استوى على العرش على مقدار ما أراد، ثم قال تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} والكيف مجهول، والجواب فيه بدعة، والسؤال فيه تكلف". وذكر الحديث بطوله.

أخرجه أبو الشيخ فقال: حدثنا عبد الله بن [سلم] عن أحمد بن محمد بن غالب: حدثنا محمد بن إبراهيم بن العلاء: حدثنا إسماعيل ابن عبد الكريم الصنعاني: حدثني عبد الصمد بن معقل عن وهب.

وهو خبر غريب عجيب، وفيه دليل -إن صح- أنه لا يجوز أن يُقال: أين كان الله قبل أن يخلق العرش والعما المذكور في حديث أبي رزين حيث قال: يا رسول الله ﷺ أين كان ربنا؟ قال: "كان في عما ثم خلق العرش فارتفع عليه". فقبل خلق العماء لا يقال أين كان الله توفيقا بين هذا الأثر وبين حديث أبي رزين. وأما أن يقال: أين الله؟ فقد تقدم أن رسول الله ﷺ قاله، وأجيب أنه في السماء عز وجل في عدة أحاديث.

(جرير)

142

وعن جرير بن الخَطَفى أنه لما قصد عبد الملك ليمدحه قال: ما جاء بك يا جرير؟ فقال في أبيات أُخر:

[أتاكبِيَ الله الذي فوق عرشه ** ونور إسلام عليك دليل]

هذه رواية صحيحة عن حميد [و] عن جرير، وهي في نسخة قديمة في كتاب إصلاح المنطق.

(أبو عيسى يحيى بن رافع الثقفي)

143

وقال أبو الشيخ في كتاب العظمة: حدثنا الوليد ابن أبان: حدثنا أبو حاتم: حدثنا نعيم بن حماد، [حدثنا] ابن المبارك: حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي عيسى، رحمه الله قال: [إن] ملكًا لما استوى الرب على كرسيه سجد، فلم يرفع رأسه ولا يرفعه حتى تقوم الساعة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك".

وهذا إسناد كلهم أئمة.

144

وأخرجه أبو أحمد العسال، ولفظه: "لما علا الكرسيَ الربُّ عز وجل".

وأبو عيسى هو يحيى بن رافع من قدماء التابعين، سمع من عثمان ابن عفان رضي الله عنه.

(مجاهد)

145

وعن مجاهد في قوله تعالى {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّا} قال: "بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، فما زال يقرب موسى عليه السلام حتى كان بينه وبينه حجاب [واحد]، فلما رأى مكانه وسمع صريف [القلم] قال: رب أرني أنظر إليك".

أخرجه البيهقي من رواية شبل عن ابن أبي نجيح.

(ربيعة بن أبي عبد الرحمن)

146

وثبت عن سفيان بن عيينة قال: لما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق".

(عباس القمي)

147

وعن عباس القُمِّي قال: بلغني أن داود عليه السلام كان يقول في دعائه: "سبحانك اللهم أنت ربي، تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض".

رواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش له بإسناد صحيح.

(عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي)

148

وقرأ ابن محيصن {وَفِي السَّمَاءِ رَازِقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون}.

قلت: محمد بن عبد الرحمن بن محيصن في طبقة ابن كثير بالمدينة، قرأ على مجاهد وسعيد بن جبير، وله رواية حسنة نقلها سبط الخياط في المبهج، والهذلي قبله في الكامل.

قال ابن مجاهد: كان عالما بالأثر والعربية

قال ابن شبل: قرأت على ابن محيصن وابن كثير فقالا لي: رب احكم، فقلت [له]: إن أهل العربية لا يعرفون ذلك، فقالا: ما لنا وللعربية، هكذا سمعنا أئمتنا.

(أيوب السختياني)

149

أنبأنا أحمد بن أبي الخير عن محمد بن أبي زيد: أنا محمود ابن الصيرفي، [أخبرنا ابن فاذشاة: أخبرنا أبو القاسم الطبراني: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي]: أنبأنا سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد: سمعت أيوب السختياني، وذكر المعتزلة وقال: "إنما مدار القوم على أن يقولوا ليس في السماء شيء".

أخرجه الطبراني في كتاب السنة له.

(فصل)

وهذه جملة من أقوال التابعين، وهو أول وقت سمعت مقالة من أنكر أن الله تعالى فوق العرش، هو الجعد بن درهم وكذلك أنكر جميع الصفات لله تعالى، من السمع والبصر والكلام واليد والوجه، وغير ذلك فقتله خالد بن عبد الله القسري، وقصته مشهورة.

وأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان إمام الجهمية ومنتسبهم، فأظهرها واحتج لها بالشبهات العقلية، وأوَّل قول الله تعالى أنه استوى على العرش بمعنى استولى، وكان ذلك في آخر عصر التابعين، فأنكر مقالته أئمة ذلك العصر مثل الأوزاعي وأبي حنيفة ومالك والليث بن سعد والثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك، ومن بعدهم من أئمة الهدى.

(عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي)

150

فقال الأوزاعي إمام أهل الشام على رأس الخمسين ومائة عند ظهور هذه المقالة، ما أخبرناه عبد الواسع الأبهري وغيره كتابة عن أبي الفتح المندائي: أنا عبيد الله بن محمد بن الإمام أبي بكر البيهقي: أخبرنا جدي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرني محمد ابن علي الجوهري ببغداد: ثنا إبراهيم بن الهيثم: ثنا محمد بن كثير المصيصي: سمعت الأوزاعي يقول: "كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته".

أخرجه البيهقي في الصفات، ورواته أئمة ثقات.

(أبو حنيفة)

151

وبه قال البيهقي: أنا أبو بكر بن الحارث: أخبرنا ابن حيان: أنا أحمد بن جعفر بن نصر: ثنا يحيى بن يعلى: سمعت نعيم بن حماد يقول: سمعت نوح بن أبي مريم يقول: "كنا عند أبي حنيفة رحمه الله أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهما، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس، تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن ههنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة، فأتته وقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابا أن الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى {وَهُوَ مَعَكُم} قال: هو كما تكتب إلى الرجل إني معك وأنت غائب عنه".

قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله فيما نفى عن الرب من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء.

152

وروى أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي في الفقه الأكبر فقال: "[سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض] فقال: [من لم يقر أن الله على العرش] قد كفر لأن الله تعالى يقول {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وعرشه فوق سبع سموات، فقلت: إنه يقول {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، ولكن لايدري العرش في السماء أم في الأرض. فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر".

153

وسمعت القاضي أبا محمد المعري ببعلبك يقول: سمعت الإمام أبا محمد بن قدامة المقدسي سنة إحدى عشر وستمائة يقول: بلغني عن أبي حنيفة أنه قال: "من أنكر أن الله في السماء فقد كفر".

(الأوزاعي)

154

وروى أبو إسحاق الثعلبي قال: سئل الأوزاعي عن قوله {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}؟ فقال: "هو على العرش كما وصف نفسه".

(مالك بن أنس)

155

وروى عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس: "الله في السماء وعلمه في كل مكان".

هذا حديث ثابت عن مالك رحمه الله، أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية عن أبيه عن سريج بن النعمان عن عبد الله بن نافع تلميذ مالك وخصيصه.

156

وقال ابن وهب: "كنا عند مالك، فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كما وصف نفسه، ولا يقال كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وأنت [رجل سوء] صاحب بدعة، أخرجوه".

رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن وهب.

157

ورواه عن يحيى بن يحيى أيضا، ولفظه فقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

وقد تقدم نحوه عن أم سلمة ووهب بن منبه وربيعة الرأي.

فانظر إليهم كيف أثبتوا الاستواء لله، وأخبروا أنه معلوم لا يحتاج لفظه إلى تفسير، ونفوا الكيفية عنه وأخبروا أنها مجهولة.

(سفيان الثوري)

158

وعن معدان قال: "سألت سفيان الثوري عن قوله {وَهُوَ مَعَكُم أَيْنَمَا كُنْتُم} قال: علمه".

ومعدان هذا قال فيه ابن المبارك: "هو أحد الأبدال".

وهذا الأثر ثابت عن معدان، رواه غير واحد عنه.

(مقاتل بن حيان)

159

وعن مقاتل بن حيان في قوله تعالى {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} قال: "هو على عرشه وعلمه معهم".

وهذا ثابت عن مقاتل، رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه عن نافع ابن ميمون عن بكير بن معروف عنه.

(حماد بن زيد)

160

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد يقول: "إنما يريدون يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله".

(عبد الله بن المبارك)

161

وثبت عن علي بن الحسن بن شقيق، شيخ البخاري، قال: "قلت لعبد الله بن المبارك كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه".

وفي لفظ "على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ها هنا في الأرض" فقيل لأحمد بن حنبل، فقال: "هكذا هو عندنا".

هذا صحيح ثابت عن ابن المبارك وأحمد رضي الله عنهما.

وقوله "في السماء" رواية أخرى توضح لك أن مقصوده بقوله "في السماء" أي: على السماء؛


162

كالرواية الأخرى الصحيحة التي كتب بها إلي يحيى بن [أبي] منصور الفقيه: أخبرنا الحافظ عبد القادر الرُّهاوي: أنبأنا محمد بن أبي نصر بأصبهان: أنبأنا الحسين بن عبد الملك الخلال: أنبأنا عبد الله بن شعيب: أنبأنا أبو عمر السلمي أنبأنا أبو الحسين اللنباني: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي: حدثنا علي بن الحسين بن شقيق، سألت ابن المبارك: " كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا؟ قال: على السماء السابعة، على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ها هنا في الأرض".

163

وروى عبد الله بن أحمد أيضا في الرد على الجهمية بإسناده عن عبد الله بن المبارك أن رجلا قال له: "يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله من كثرة ما أدعو على الجهمية قال: لا تخف، فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء".

(جرير بن عبد الحميد الضبي)

164

وقال جرير بن عبد الحميد: "كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله".

أخرجه عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن أبي هارون محمد بن خالد عن يحيى بن المغيرة: سمعت جريرًا يقول، فذكره.

(مقاتل بن حيان)

165

وروى بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: "بلغنا -والله أعلم- في قوله {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ} هو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والظاهر فوق كل شيء، والباطن أقرب من كل شيء، وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه، وهو بكل شيء عليم".

رواه البيهقي بإسناده عنه.

(محمد بن إسحاق)

166

وقال محمد بن إسحاق: "بعث الله ملكًا من الملائكة -يعني إلى بختنصر - فقال: هل تعلم يا عدو الله كم بين السماء إلى الأرض؟ قال: لا، فقال له: إن بين الأرض إلى السماء الدنيا مسيرة خمسمائة سنة، وغلظها مثل ذلك" وذكر الحديث إلى أن ذكر حملة العرش فقال: "وفوقهم يبدو العرش، عليه ملك الملوك تبارك وتعالى؛ أي عدو الله فأنت تطلع إلى ذلك؟ ثم بعث الله عليه البعوضة فقتلته".

أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة، فقال: حدثنا إسحاق بن أحمد: حدثنا ابن حميد: حدثنا [سلمة] بن الفضل: حدثني [محمد بن] إسحاق فذكره. وهذا إسناد جيد.

(حماد بن سلمة)

167

وقال عبد العزيز بن المغيرة: حدثنا حماد بن سلمة بحديث «ينزل الله إلى السماء الدنيا» فقال: "من رأيتموه ينكر هذا فاتهموه".

رواه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة.

(أبو يوسف صاحب أبي حنيفة)

168

وقصة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة مشهورة في استتابته لبشر المريسي، لما أنكر أن يكون الله فوق العرش.

رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره في كتبهم.

169

وصح وثبت عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: "من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكمياء أفلس، ومن تتبع غريب الحديث كذب".

(محمد بن الحسن الشيباني)

170

روى عبد الله بن أبي حنيفة الدبوسي قال: سمعت محمد بن الحسن يقول: "اتفق الفقهاء كلهم، من المشرق إلى المغرب، على الإيمان بالقرآن، والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب عز وجل من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فسر شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة، ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة، لأنه وصفه بصفة لا شيء".

171

وقال محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت «أن الله يهبط إلي السماء الدنيا»، ونحو هذا: "إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها".

روى هذا الإجماع عن محمد بن الحسن أبو القاسم اللالكائي وأبو محمد بن قدامة في كتابيهما.

(الوليد بن مسلم القرشي)

172

وقال الوليد بن مسلم: "سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة؟ فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف".

رواه أبو أحمد العسال عن محمد بن أيوب عن الهيثم بن خارجة: حدثنا الوليد بن مسلم.

(وكيع بن الجراح)

173

وقال أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع عن إسرائيل بحديث: "إذا جلس الرب على الكرسي"، فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب وكيع وقال: "أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها".

أخرجه عبد الله في كتاب الرد على الجهمية عن أبيه.

(عبد الرحمن بن مهدي)

174

وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: "إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى، وأن يكون على العرش، نرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم".

رواه غير واحد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن قال: "الذي قال فيه ابن المديني: لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت أعلم منه".

(خالد بن سليمان البلخي)

175

قال ابن أبي حاتم: حدثنا زكريا بن داود بن بكر: سمعت أبا قدامة السرخسي: سمعت أبا معاذ البلخي رحمه الله -يعني خالد بن سليمان- بفرغانة يقول: "كان جهم على معبر ترمذ، وكان فصيح اللسان، [و] لم يكن له علم ولا مجالسة أهل العلم، فكلم السُّمَنية، فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده. فدخل البيت لا يخرج، ثم خرج إليهم بعد أيام فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء". قال أبو معاذ: "كذب عدو الله، إن الله في السماء على العرش كما وصف نفسه".

وهذا ثابت عن أبي معاذ أحد الأئمة رحمه الله.

(شجاع بن أبي نصر البلخي)

176

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي: ثنا يحيى بن أيوب: حدثنا أبو نعيم البلخي -وكان قد أدرك جهما- قال: "كان لجهم صاحب يكرمه ويقدمه على غيره، فإذا هو قد صَيَّح به، وبدر به، ووقع فيه، قال أبو نعيم: فقلت له: لقد كان يكرمك. فقال إنه قد جاء منه ما لا يحتمل، بينا هو يقرأ طه، والمصحف في حجره، فلما أتى على هذه الآية: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال: لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصاحف. فاحتملت هذه، ثم إنه بينا هو يقرأ آية إذ قال: ما أظرف محمدًا حين قالها. ثم إنه بينا هو يقرأ طسم -[سورة] القصص- والمصحف في حجره إذ مر بذكر موسى عليه السلام، فدفع المصحف بيده ورجله، وقال: أي شيء هذا ذكره هنا، فلم يتم ذكره".

هكذا أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الرد على الجهمية عن [الصاغاني] عن يحيى بن أيوب، واسم أبي نعيم شجاع بن أبي نصر.

(أبو يوسف)

177

وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن [الحسين] بن مهران: حدثنا بشار بن موسى الخفاف، قال جاء بشر بن الوليد إلى أبي يوسف فقال له: "تنهاني عن الكلام وبشر المريسي، وعلي الأحول، وفلان يتكلمون، فقال: وما يقولون؟ قال: يقولون [إن] الله في كل مكان. فبعث أبو يوسف فقال: علي بهم، فانتهوا إليهم وقد قام بشر، فجيء بعلي الأحول والشيخ -يعني الآخر- فنظر أبو يوسف إلى الشيخ وقال: لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك، فأمر به إلى الحبس، وضرب عليا الأحول وطوف به".

(سلام بن أبي مطيع الخزاعي)

178

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة: حدثنا هدبة بن خالد: سمعت سلام بن أبي مطيع يقول: "ويلهم ما ينكرون من هذا الأمر؟ والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن أثبت منه يقول الله تعالى {إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِير} {وَيُحَذِّرُكُم الله نَفْسَهُ} {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فما زال في ذا من العصر إلي المغرب".

(يزيد بن هارون الواسطي)

179

وقال شاذ بن يحيى: سمعت يزيد بن هارون يقول: "من زعم أن الرحمن على العرش على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي"

رواها عبد الله في كتاب السنة له عن عباس العنبري عن شاذ بن يحيى.

ويزيد بن هارون شيخ أهل واسط، وأجلهم علمًا وزهدًا على رأس المائتين، وله مناقب كثيرة رحمه الله.

وهذا الذي قاله هو الحق، لأنه لو كان معناه على خلاف ما يقر في القلوب السليمة [من] الأهواء، والفطرة الصحيحة من الأدواء، لوجب على الصحابة والتابعين أن يبينوا أن استواء الله على عرشه على خلاف ما فطر الله عليه خلقه وجبلهم على اعتقاده؛ اللهم إلا أن يكون في بعض الأغبياء من يفهم من أن الله في السماء أو على العرش [أنه محيز وأنهما حيز له]، وأن العرش محيط به، فكيَّف ذلك في ذهنه وبفهمه، كما بَدَر في الشاهد من أي جسم كان على أي جسم، فهذا حال جاهل، و[ما] أظن أن أحدا اعتقد ذلك من العامة ولا قاله، وحاشا يزيد بن هارون أن يكون مراده هذا، وإنما مراده ما تقدم، وقد قال مثل قوله عبد الله بن [مسلمة] القعنبي، شيخ البخاري ومسلم، وغيره، وسيأتي إن شاء الله فيما بعد.

(سعيد بن عامر الضبعي)

180

وعن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة على رأس المائتين- أنه ذكر عنده الجهمية، قال: "هم شَرٌّ قولًا من اليهود والنصارى، اجتمع أهل الأديان مع المسلمين أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء".

رواه ابن أبي حاتم في كتابه.

(عباد بن العوام الكلابي)

181

وقال عباد بن العوام -أحد الأئمة بواسط-: "كلَّمت بِشْرًا المريسي وأصحابه، فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء، أرى -والله أعلم- أن لا يناكحوا ولا يورثوا".

وقد تقدم نحوه عن جرير وحماد بن زيد.

(الأصمعي)

182

وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم، وقال رجل عندها الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود. قال الأصمعي: "هي كافرة بهذه المقالة".

(علي بن عاصم الواسطي)

183

وقال يحيى بن علي بن عاصم: "كنت عند أبي، فاستأذن عليه المريسي، فقلت له: يأبه مثل هذا يدخل عليك! فقال: وماله؟؛ قلت: إنه يقول: إن القرآن مخلوق، ويزعم أن الله معه في الأرض، وكلاما ذكرته، فما رأيته اشتد عليه مثل ما اشتد عليه في القرآن أنه مخلوق وأنه معه في الأرض".

أخرجها واللتين قبلها ابن أبي حاتم في كتابه في الرد على الجهمية.

وعلي بن عاصم أحد الأئمة في طبقة يزيد بن هارون ووكيع، توفي سنة إحدى و[مائتين]، وله أربع وتسعون سنة. وقال: "أعطاني أبي مائة ألف درهم، فرجعت من رحلتي وقد كتبت مائة ألف حديث".

(وهب بن جرير الأزدي)

184

أخبرنا بلال المغيثي بمصر: أنبأنا عبد الوهاب بن رواج: أنبأنا أبو طاهر السِّلفي: أنبأنا مكي بن منصور: أنبأنا أبو بكر الحيري: حدثنا حاجب الطوسي: حدثنا محمد بن حماد: سمعت وهب بن جرير يقول: "إياكم ورأي جهم، فإنهم يجادلون أنه ليس في السماء شيء، وما هو إلا من وحي إبليس، وما هو إلا الكفر".

(محمد بن مصعب العابد)

185

وقال أبو الحسن بن العطار: سمعت محمد بن مصعب العابد، يقول: "من زعم أنك لا تتكلم ولا تُرى في الآخرة، فهو كافر بوجهك، [ولا يعرفك]، أشهد أنك فوق العرش".

رواه الدارقطني في الصفات، وعبد الله بن أحمد في السنة، بإسناد صحيح.

(الفراء)

186

وقال محمد بن الجهم: حدثنا يحيى بن زياد الفراء قال: "وقد قال عبد الله بن عباس: {ثُمّ اسْتَوَى} صعد، وهو كقولك للرجل كان قاعدا فاستوى قائمًا، وكان قائمًا فاستوى قاعدًا، وكل في كلام العرب جائز".

أخرجه البيهقي في الصفات، فقال: أنبأنا الحاكم: حدثنا الأصم: حدثنا محمد بن الجهم، فذكره.

(نوح بن أبي مريم المروزي)

187

وقال أحمد بن سعيد الدارمي -أحد شيوخ مسلم-: سمعت أبي، يقول: سمعت أبا عصمة نوح بن أبي مريم، وسأله رجل عن الله عز وجل في السماء هو؟ فحدث بحديث النبي ﷺ حين سأل الأمة "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة". قال: "سماها رسول ﷺ مؤمنة أن عرفت أن الله في السماء".

رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن أحمد بن سعيد.

(محمد بن مصعب العابد)

188

وقال المروزي، [سمعت أبا عبد الله الخفاف]: سمعت ابن مصعب وقرأ {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} فقال: "نعم يقعده معه على العرش".

قال أحمد بن حنبل -وذكر ابن مصعب-، فقال: "قد كتبت عنه وأي رجل".

هكذا أخرجه أبو بكر المروزي صاحب الإمام أحمد، وهو من أجل من أخذ الفقه عنه، ألف هذا الكتاب في حدود السبعين ومائتين، لما أنكر بعض الجهمية أن الله يقعد محمدًا ﷺ على العرش، واستفتى من كان في عصره في ذلك.

وهذا حديث ثابت عن مجاهد، رواه عنه ليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب وجابر بن يزيد وأبو يحيى القتات، وغيرهم.

ورواه عن ليث محمد بن فضيل وعبد الله بن إدريس الأودي، واشتهر عن محمد بن فضيل عن ليث، فرواه أبو بكر بن أبي شيبة وأخوه عثمان، وحدثا به على رؤوس الناس ببغداد.

وحدث به عنه أيضا إسحاق بن راهوية ومحمد بن عبد الله بن نمير وخلاد بن أسلم وإسماعيل بن حفص الأيلي وسفيان بن وكيع ومحمد بن حسان والحسن بن الزبرقان أبو الخزرج والحارث بن شريح وعلي بن حرب وعلي بن المنذر الطريقي والعباس بن يزيد البحراني، ولفظهم: "يجلسه معه على العرش".

ولفظ الباقين: أخبرني ابني أبي شيبة وعبد الرحمن بن صالح وهارون بن معروف وإبراهيم بن موسى الرازي وواصل بن عبد الأعلى ويحيى بن عبد المجيد الحماني وعبيد بن يعيش وجعفر بن محمد بن الحداد: "يجلسه على العرش". والزيادة صحيحة مقبولة.

ورفعه بعضهم من حديث ابن عمر وإسناده واه لا يثبت. [9] وأما عن مجاهد فلا شك في ثبوته.

وممن أفتى المروزي بأن الخبر يسلم كما جاء ولا يعارض: أبو داود صاحب السنن، وعبد الله بن الإمام أحمد، وإبراهيم الحربي ويحيى بن أبي طالب وأبو جعفر الدقيقي ومحمد بن إسماعيل السلمي الترمذي وعباس بن محمد الدوري ومحمد بن بشر بن شريك بن عبد الله النخعي.

189

واحتج بما رواه أحمد بن الفرج الطائي وغيره: حدثنا [عباد] بن أبي روق: سمعت أبي يحدث عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}. قال: "يقعده على العرش".

190

حتى إن عبد الله بن الإمام أحمد قال عقيب حديث مجاهد: "وأنا منكر على من رد هذا الحديث، وهو عندي رجل سوء، متهم على رسول الله ﷺ، وسمعت هذا الحديث من جماعة، وما رأيت أحدًا من المحدثين ينكره، وكان عندنا وقت ما سمعناه من المشايخ أنه إنما ينكره الجهمية".

191

وحدثنا هارون بن معروف: حدثنا ابن فضيل عن ليث عن مجاهد في قوله {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} قال: "يقعده على العرش".

فحدث به أبي رحمه الله فقال: كان ابن فضيل يحدث به فلم يُقدَّر لي أن أسمعه منه.

192

وقال المروزي: وحدثني إبراهيم بن عرفة: سمعت أبا عمير يقول: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن حديث مجاهد: "يقعد محمدا ﷺ على العرش" فقال: قد تلقته العلماء بالقبول.

193

قال المروزي: وقال أبو داود -يعني صاحب السنن- فيما احتج به: حدثنا [محمد] بن أبي صفوان الثقفي: حدثنا يحيى بن كثير، [قال ثنا سلم بن جعفر: ثنا سعيد الجريري]: حدثنا سيف [السدوسي] عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: "إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم ﷺ حتى يجلس بين يدي الله على كرسيه، فقلت يا أبا مسعود: إذا كان على كرسيه أليس هو معه؟ قال: ويلك هذا أقر حديث في الدنيا لعينيّ.

أبو مسعود هو سعيد [بن] إياس الجريري راوي الحديث من التابعين، سمع أبا الطفيل، وروى عنه شعبة والثوري.

194

قال أبو داود: وما ظننت أن أحدا يذكر بالسنة يتكلم في هذا الحديث، إلا أنا علمنا أن الجهمية تنكره.

195

وقد رواه محمد بن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية عن مجاهد وغيره، وقال: "ليس في فرق المسلمين من ينكر هذا، لا من يقر أن الله فوق العرش ولا من ينكره".

وكذلك أخرجه أبو بكر النقاش في تفسيره لها.

وكذلك رد الخلال وأبو العباس بن سريج الفقيهان المتعاصران على من أنكره.

196

حتى قال أبو بكر النجاد الفقيه -صاحب أبي داود-: "لو أن حالفًا حلف بالطلاق ثلاثًا أن الله يقعد محمدًا معه على العرش واستفتاني، لقلت له: صدقت وبررت".

وذكره عند القاضي أبي يعلى الفراء.

197

وروى أبو بكر الخلال في السنة له: أخبرني الحسن بن صالح العطار عن محمد بن علي السراج، قال: "رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله إني أريد أن أقول شيئا، فأقبل علي وقال: قل؛ فقلت: إن الترمذي يقول: إن الله لا يقعدك معه على العرش، ونحن نقول إن الله يقعدك معه على العرش فكيف نقول، فأقبل عليَّ شبيه المغضب وهو يشير بيده اليمنى عاقدًا بها أربعين، وهو يقول: بلى والله بلى والله بلى والله يقعدني معه على العرش. فانتبهت".

الترمذي ليس هو أبو عيسى صاحب الجامع أحد الكتب الستة، وإنما هو رجل في عصره من الجهمية ليس بمشهور اسمه.

198

وقال محمد بن [عمران] الفارسي، عقيب حديث مجاهد: "بلغني أن مسلوبا من الجهال أنكر ذلك، فنظرت في إنكاره، فإن كان قصد مجاهدًا رحمه الله، فابن عباس رضي الله عنهما قصد، وإن كان لابن عباس قصد فعلى [قول] رسول الله ﷺ رد".

199

وروى شعبة عن [عبيد الله بن عمران] قال: "سمعت مجاهدا يقول: صحبت ابن عمر لأخدمه فكان هو يخدمني".

وسنذكر من أفتى المروزي بأن الخبر يمر كما جاء وأنه متلقى بالقبول في موضع طبقاتهم إن شاء الله تعالى.

(الشافعي)

200

وروى الحافظ عبد الغني المقدسي، وشيخ الإسلام أبو الحسن الهكاري رحمه الله، وغيرهما، في جمعهم عقيدة الشافعي بأسانيدهم إلى أبي ثور وأبي شعيب، كلاهما عن الإمام أبي عبد الله الشافعي رحمه الله قال: "القول في السنة التي أنا عليها، رأيت أهل الحديث عليها، الذين رأيتهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" -وذكر أشياء- ثم قال: "وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء" وذكر سائر الاعتقاد.

201

وروى الحسن بن هشام البلدي قال: "هذه وصية محمد بن إدريس الشافعي، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له" -وذكر الوصية- إلى أن قال فيها "والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة عيانًا، ينظر [إليه] المؤمنون ويسمعون كلامه، وأنه تعالى فوق العرش" وذكر سائر الوصية.

رواها الهكاري والحافظ عبد الغني في العقيدة له.

202

قال أبو عبد الله الحاكم: سمعت الأصم يقول: سمعت الربيع يقول: "سمعت الشافعي، وقد روى حديثا صحيحا، [فقال له رجل: أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: "إذا رويت حديثا] عن رسول الله ﷺ فلم أخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب".

203

وعن [ابن] أبي حاتم سمعت يونس قال: سمعت الشافعي يقول: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدا قامت عليه الحجة ردها، فإن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والفكر، ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه، كما نفى عن نفسه، قال {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}".

رواه شيخ الإسلام في [عقيدة] الشافعي، وغيره، بإسناد كلهم ثقات.

والكلام في مثل هذا كثير من الشافعي، فقد جمع شيخ الإسلام أبو الحسن الهكاري والحافظ أبو محمد عبد الغني وأبو الحسن بن شكر وغير واحد أقوال الشافعي في أصول الاعتقاد، وذلك موجود بأيدي الناس.

(عاصم بن علي الواسطي)

204

وعن عاصم بن علي -شيخ البخاري- قال: "ناظرت جهميًا، فتبين من كلامه [أنه] لا يؤمن أن في السماء ربًّا".

عاصم بن علي إمام حافظ ثقة: حدث عن شعبة وابن أبي ذئب والليث ونحوهم، توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.

وروى الخطيب في ترجمته قال: "[وجه] المعتصم من يحزر مجلسه، في رحبة النخل، في جامع الرصافة، وكان عاصم يجلس على سطح الرحبة، ويجلس الناس في الرحبة وما يليها، فعظم الجمع مرة جدًا، حتى قال أربع عشرة مرة حدثنا الليث بن سعد، والناس لا يسمعون لكثرتهم، وكان هارون المستملي يركب نخلة يستملي عليها، فحزروا المجلس، فكان عشرين ومائة ألف".

وقال يحيى بن معين فيه: عاصم بن علي سيد المسلمين.

(عبد العزيز بن يحيى الكناني)

205

وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني -صاحب الحيدة، والمناظرة في خلق القرآن مع بشر المريسي، بين يدي المأمون بن هارون الرشيد، وينبغي أن يكون ذلك [-يعني المناظرة-] في سنة ثمان عشرة ومائتين، فإن فيها أحدث المأمون امتحان الناس في القرآن، وفي أواخرها توفي المريسي- قال في كتاب الرد على الجهمية له: "باب [قول] الجهمي في قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} زعمت الجهمية أنما معنى استوى: استولى، من قول العرب: استوى فلان على مصر، يريد استولى عليها. والبيان لذلك يقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس [الله] بمستول عليه؟ فإذا قال: لا، قيل له: فمن زعم ذلك فمن قوله، فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر سبحانه وتعالى أنه خلق العرش قبل خلق السموات والأرض ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول المدة التي كان العرش قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه".

ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير ذلك والاحتجاج له بالكتاب والسنة.

قلت: وكذلك يلزم من قال إنه بمعنى ملك وقهر، أن يكون الله غير مالك ولا قاهر للعرش قبل خلق السموات والأرض.

(عبد العزيز بن الزبير الحميدي)

206

أخبرنا إسماعيل بن الفراء: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة سنة سبعة عشر وستمائة: أنبأنا سعد الله بن نصر الدجاجي: أنبأنا [أبو] منصور الخياط: حدثنا أبو طاهر عبد الغفار ابن محمد: أنبأنا أبو علي بن الصواف: أنبأنا بشر بن موسى: أنبأنا الحميدي، قال: "أصول السنة -فذكر أشياء- ثم قال: "وما نطق به القرآن والحديث مثل{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}، ومثل{السَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}، وما أشبه هذا من القرآن والحديث لا نزيد فيه، ولا نفسره، ونقف عند ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ومن زعم غير هذا فهو مبطل جهمي".

هذا حديث ثابت عن الحميدي أبي بكر عبد الله بن الزبير، إمام أهل مكة في الفقه والحديث، توفي على رأس العشرين ومائتين رحمه الله، أخذ عن سفيان بن عيينة والشافعي وغيرهما، وصدَّر البخاري صحيحه بروايته عنه.

(أبو عبيد القاسم بن سلام)

207

أخبرنا القاضي أبو محمد بن علوان ببعلبك: أنبأنا عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي: أنبأنا عبد المغيث بن زهير الحافظ: أنبأنا أحمد بن عبيد الله بن كادش: أنبأنا محمد بن علي الحربي: أنبأنا الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا محمد بن مخلد: حدثنا العباس الدوري: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلّام -وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا- فقال: "هذه أحاديث صحاح، حملها أهل الحديث، والفقهاء، بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق، لا شك فيها؛ ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف يضحك؟ قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدًا يفسره".

هكذا أخرجه الدارقطني في الصفات له.

وأبو عبيد من أخيار هذه الأمة، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين، وولد والشافعي سنة خمسين ومائة، وإسناده صحيح عنه. ومن جلالته في العلم قال فيه إسحاق بن راهويه: "الله يحب الإنصاف، أبو عبيد أعلم مني ومن الشافعي ومن أحمد بن حنبل".

(نعيم بن حماد)

208

قال ابن بطة: حدثنا ابن مخلد: حدثنا الرمادي: سمعت نعيم بن حماد في قوله {وَهُوَ مَعَكُم}: "أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى قوله {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية، أراد: أنه لا يخفى عليه خافية".

نعيم بن حماد نزيل مصر، أحد شيوخ البخاري، من كبار أئمة الحديث، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين.

209

وهو القائل ما أخبرنا ابن الفراء: أنبأنا ابن قدامة، انبأنا ابن البطي: أنبأنا ابن خيرون: أنبأنا ابن شاذان: أنبأنا ابن زياد: حدثنا محمد بن إسماعيل: سمعت نعيم بن حماد يقول: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها".

وكلا القولين صحيح عنه.

(عبد الله بن أبي جعفر الرازي)

210

وقال صالح بن [الضريس]: جعل عبد الله بن أبي جعفر الرازي يضرب قرابة له بالنعل على رأسه، يرمى برأي جهم ويقول: "لا حتى تقول {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ [اسْتَوَى]} بائن من خلقه".

رواه ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن محمد بن يحيى عن صالح.

(هشام بن عبد الله الرازي)

211

وقال حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي: سمعت أبي يقول: سمعت هشام بن عبد الله الرازي، يقول: حُبس رجل في التجهم، فتاب، فجيء به إلى هشام ليمتحنه، فقال له: "أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ " قال: لا أدري ما بائن من خلقه. فقال: "رُدَّه فإنه لم يتب بعد".

هشام بن [عبد الله] من أئمة الفقه على مذهب أبي حنيفة، أخذ عن محمد بن الحسن وغيره وهو معروف عند الفقهاء، ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء. توفي محمد بن الحسن في منزله.

(يزيد بن هارون الواسطي)

212

وعن يزيد بن هارون، وسأله رجل من أهل بغداد فقال: "سمعت المريسي يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل. فقال يزيد: إن كنت صادقًا إنه كافر بالله العظيم".

أخرجها ابن أبي حاتم في كتابه.

(القعنبي)

213

وقال بيان بن أحمد: كنا عند القعنبي فسمع رجلًا من الجهمية يقول: الرحمن على العرش استولى، فقال القعنبي: "من لا يؤمن أن الرحمن على العرش استوى، كما تَقرر في قلوب العامة، فهو جهمي".

أخرجها عبد العزيز القحيطي في تصانيفه.

(أبو معمر إسماعيل القطيعي)

214

وقال أبو معمر القطيعي: "آخر كلام الجهمية أنه ليس في السماء إله".

ذكره ابن أبي حاتم في كتابه.

(يحيى بن معين)

215

وقال يحيى بن معين: "إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: كيف صعد؟ "

أخرجه ابن بطة في الإبانة عن النجاد عن جعفر بن أبي عثمان الطيالسي عن يحيى بن معين رحمه الله.

(بشر بن الحارث الحافي)

216

وقال بشر بن الحارث الحافي في عقيدته -وذكر أشياء- فيها: "والإيمان بأن الله على عرشه استوى كما شاء، وأنه عالم بكل مكان، وأن الله يقول، ويخلق، فقوله كن ليس بمخلوق".

رواها ابن بطة في الإبانة وغيره.

(حرب بن إسماعيل الكرماني)

217

و[قال] حرب بن إسماعيل: "قلت لإسحاق بن راهويه في قول الله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}: كيف تقول فيه؟ قال: حيث ما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه" ثم ذكر عن ابن المبارك: "هو على عرشه بائن من خلقه" ثم قال: وأعلى شيء من ذلك وأثبته قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}".

رواه الخلال في السنة له عن حرب.

(أحمد بن حنبل الشيباني)

218

وقال أبو طالب سألت أحمد بن حنبل عن رجل قال: إن الله معنا، وتلا: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}. قال: "قد تجهم هذا، يأخذون بآخر الآية، ويدعون أولها [هلا] قرأت عليه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ} فالعلم معهم، وقال في [سورة] ق: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} فعلمه معهم".

رواه ابن بطة في الإبانة.

219

وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل، إن رجلًا قال: أقول كما قال الله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}، أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره. فقال أبو عبد الله: "هذا كلام الجهمية". قلت: فكيف نقول؟ قال: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُم} علمه في كل مكان وعلمه معهم" ثم قال: "أول الآية يدل على أنه علمه".

رواه ابن بطة عن عمر بن محمد حدثنا محمد بن داود عن المروزي.

220

قال حنبل: "قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله {وَهُوَ مَعَكُم}، و{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة".

أخرجه اللالكائي في السنة.

221

وقال يوسف بن موسى القطان: "وقيل لأبي عبد الله: الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه وقدرته بكل مكان؟ قال: نعم".

رواه الخلال عن يوسف.

222

وقال سلمة بن شبيب: "كنت عند أحمد بن حنبل، فدخل رجل عليه أثر السفر، فقال: من فيكم أحمد بن حنبل؟ فأشاروا إليه، فقال: إني ضربت البر والبحر من أربعمائة فرسخ، أتاني الخضر عليه السلام فقال: إيت أحمد بن حنبل، فقل له: إن ساكن السماء راض عنك لما بذلت نفسك في هذا الأمر".

رواه ابن أبي حاتم في مناقب أحمد عن محمد بن مسلم عن سلمة.

(ذو النون المصري)

223

وقال عمر بن بحر الأسدي: "سمعت ذا النون المصري يقول: أشرقت لنوره السموات، وأنار لوجهه الظلمات، وحُجِبَ جلالُه عن العيون، وناجاه على عرشه ألسنة الصدور".

أخرجها أبو الشيخ في كتاب العظمة.

(أحمد بن حنبل)

224

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في كتاب الرد على الجهمية مما جمعه ورواه عبد الله ابنه عنه:

"باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش"، قلت لهم: أنكرتم أن يكون الله على العرش، وقد قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}؟ فقالوا: هو تحت الأرض السابعة، كما هو على العرش، وفي السموات وفي الأرض. فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء، أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظمته شيء، وقد أخبرنا عز وجل أنه في السماء، فقال تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَفَإِذَا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ]}، {إِنِّي مُتَوَفِّيكَوَرَافِعُكَ إِلَيّ}، {بَلْ رَفَعَهُ الله إِلَيْهِ} , {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِم} فقد أخبر سبحانه أنه في السماء".

أخرجه كله أبو بكر الخلال في السنة، وخرج أكثره مفرقا في غير موضع القاضي أبو يعلى الفراء في كتاب إبطال التأويل له.

(إسحاق بن راهويه)

225

وقال أحمد بن سلمة: "سمعت إسحاق بن راهويه يقول: جمعني وهذا المبتدع -يعني إبراهيم بن أبي صالح- مجلس الأمير عبد الله ابن طاهر، فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها. قال ابن أبي صالح: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء".

رواه البيهقي عن الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هاني: سمعت أحمد بن سلمة، فذكره.

(عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق)

226

وقال عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق لما روى حديث ابن عباس "ما بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك" قال: "من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش، وعلمه محيط بالدنيا والآخرة".

عبد الوهاب هذا ثقة حافظ، روى عنه أبو داود والترمذي والنسائي، مات سنة خمسين ومائتين. وقيل للإمام أحمد من نسأل بعدك؟ فقال: "سلوا عبد الوهاب". وأثنى عليه في غير موضع.

(المزني)

227

حدثنا أبو الحسين اليونيني الحافظ عن جعفر الهمداني: أنبأنا السلفي: أنبأنا عبد الملك بن الحسن الأنصاري بمكة: أنبأنا الحسين بن علي الفقيه النسوي: أنبأنا إسماعيل بن رجاء العسقلاني بها: أنبأنا أبو الحسين محمد بن أحمد الملطي، وأبو أحمد محمد بن محمد القيسراني، قالا: أنبأنا أحمد بن بكر اليازوري الفقيه، [حدثنا الحسن بن علي اليازوري]: حدثني على بن عبد الله الحلواني قال: كنت بطرابلس المغرب، فذكرت أنا وأصحاب لنا السنة، إلى أن ذكرنا المزني رحمه الله، فقال بعض أصحابنا: بلغني أنه يتكلم في القرآن ويقف عنده، وذكر [آخر] أنه يقوله، إلى أن اجتمع منا قوم آخر فكتبنا إليه كتابًا نريد أن نستعلم منه، فكتب إلينا شرح السنة، فكتب إلينا: "عصمنا الله وإياكم بالتقوى، ووفقنا وإياكم لموافقة الهدى، أما بعد: فإنك سألتني أن أوضح لك من السنة أمرًا تصبر نفسك على التمسك به، وتدرأ عنك به شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين، فقد شرحت لك منها ما جاء موضحا لم آل نفسي وإياك [فيه] نصحا، بدأت فيه بحمد ذي الرشد والتسديد. الحمد لله أحق ما بدىء، وأولى من شكر، و[عليه] أثني، الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، جل عن المثل فلا شبيه له ولا عديل، السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع، عالٍ على عرشه، فهو دان بعلمه من خلقه" -إلى أن قال-: "والقرآن كلام الله ومن الله، ليس بمخلوق فيبيد، وقدرة الله، ونعته وصفاته [كاملات] غير مخلوقات، دائمات أزليات ليست محدثات فتبيد، ولا كان ربنا ناقصًا فيزيد، جلت صفاته عن شبه المخلوقين، عالٍ على العرش، بائن من خلقه". وذكر باقي الاعتقاد.

(أبو حاتم الرازي)

(أبو زرعة الرازي)

228

أجاز لنا أحمد بن سلامة عن أبي القاسم بن بَوْش: أنبأنا أبو طالب اليوسفي: أنبأنا [أبو] إسحاق البرمكي: أنبأنا علي بن عبد العزيز: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: "سألت أبا حاتم وأبا زرعة الرازيين رحمهما الله عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك، فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنًا، وكان من مذهبهم أن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا".

أبو حاتم هو محمد بن إدريس الحنظلي، إمام أهل الري في الحفظ والإتقان، وممن طاف العراق والشام والحجاز وخراسان في طلب العلم، وشهرتهما عند أهل العلم تغني عن التعريف بحالهما.

وروى عن أبي حاتم من الأئمة أبو داود والنسائي وابن ماجة. وروى عن أبي زرعة مسلم والترمذي والنسائي.

(البخاري)

229

وقال أبو عبد الله البخاري، في كتاب الرد على الجهمية، الذي في آخر الصحيح في باب قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ}: "قال أبو العالية: استوى إلى السماء: ارتفع، وقال مجاهد: علا على العرش، وقالت زينب زوج النبي ﷺ: زوجني الله من فوق سبع سموات".

وَبَوَّبَ على أكثر ما ينكر الجهمية وتناوله، من العلو والكلام واليدين والعين ونحو ذلك، محتجًا بآيات الصفات وأحاديثها، فمن تبويبه:

باب قوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلكَلِمُ اَلطَّيِّب}.

وباب قوله {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}.

وباب قوله {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}.

وباب كلام الرب مع الأنبياء وغيرهم.

ونحو ذلك مما إذا تدبره اللبيب علم بتبويبه رحمه الله وذكره لمثل تلك [الآيات] والأحاديث أن الجهمية تنكر ذلك وتحرفه.

(عثمان بن سعيد الدارمي)

230

قال عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة وحفاظ أهل المشرق، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وسمع سعيد بن أبي مريم ونعيم بن حماد وموسى بن إسماعيل وفروة بن أبي المغراء وعبد الله بن رجاء ومسلم بن إبراهيم، وغيرهم من الأئمة.

الذي قال فيه البخاري: "ما رأيت مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه"؛ أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن البويطي، والحديث عن يحيى بن معين وعلي بن المديني، فتقدم في هذه العلوم، وقد أثنى عليه غير واحد من أهل العلم، وألف كتاب النقض على بشر المريسي مجلدًا مما فيه: "قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله بكماله فوق عرشه، فوق سمواته".

وقال أيضًا في موضع آخر من الكتاب: "[و] قال أهل السنة: إن الله بكماله فوق عرشه، يعلم ويسمع من فوق العرش، لا يخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء".

(أبو عيسى الترمذي)

231

وقال الترمذي لما روى حديث أبي هريرة «إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه فيربيها»: "هذا حديث صحيح روي عن عائشة عن النبي ﷺ، وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبهه من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ونؤمن به، ولا نتوهم، ولا يقال كيف هذا. وروي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وإنما معنى اليد ها هنا النعمة. وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد، وسمع كسمع". [10]

هكذا قال رحمه الله في باب أفضل الصدقة من جامعه.

وروى أيضا حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يمين الله ملأى سحاء، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات، فإنه لم ينقص ما في يمينه، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع».

قال هذا في تفسير {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} الآية، "وهذا الحديث قالت الأئمة: نؤمن به كما جاء من غير تفسير، قاله غير واحد، منهم سفيان الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك، أنه تروى هذه الأشياء ونؤمن بها ولا يقال كيف". [11]

ذكر هذا في تفسير سورة المائدة.

(حرب بن إسماعيل)

232

وقال حرب بن إسماعيل الكرماني -من أصحاب أحمد- من طبقة المروزي والأثرم: "الجهمية أعداء الله، وهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق، وأنه لايعرف لله مكان، وليس على عرش ولا كرسي، وهم كفار فاحذروهم".

رواه عنه ابن أبي حاتم في كتابه.

(محمد بن عثمان بن أبي شيبة)

233

وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش له: "ذكروا أن الجهمية يقولون: ليس بين الله وبين خلقه حجاب، وأنكروا العرش، وأن يكون الله فوقه، وقالوا إنه في كل مكان".

وذكر أشياء إلى أن قال: "فسّرت العلماء {هُوَ مَعَكُم} يعني بعلمه". "[توافرت] الأخبار أن الله خلق العرش فاستوى عليه بذاته، فهو فوق العرش بذاته، متخلصا من خلقه بائنا منهم".

محمد بن عثمان هذا، حافظ أهل الكوفة، توفي على رأس الثمانين ومائتين، سمع عامة شيوخ الأئمة، وهذا كتاب مروي عنه بإسناد صحيح.

(ابن ماجة)

234

وقال أبو عبد الله بن ماجة الحافظ المشهور، في سننه، في أول كتاب السنة، فذكر أشياء منها:

قال رحمه الله: "باب فيما أنكرت الجهمية" فروى في ذلك:

حديث أبي رزين "أين كان ربنا يا رسول الله؟".

وحديث جابر «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم».

وحديث «يطوي السموات بيمينه».

وحديث "الأوعال وعلى ظهورهن العرش ثم الله فوق ذلك".

وحديث «إن الله يضحك إلى ثلاثة».

وحديث «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن».

وحديث «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يده» ونحو ذلك من الصفات.

(عبد الله بن أحمد بن حنبل)

235

وقد تقدم قول أبي عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد في حديث مجاهد "أن الله يقعد محمدًا معه على العرش" وأنه قال: "أنا منكر على من رد هذا الحديث، وما رأيت أحدا من المحدثين ينكره، وكان عندنا وقت ما سمعناه من المشايخ أنه إنما ينكره الجهمية".

وقد تقدم غير حديث وأثر معزو إلى كتاب عبد الله بن أحمد رحمهما الله في الرد على الجهمية، أخرجه أبو بكر المروزي صاحب الإمام أحمد، ومن أجلِّ ما رووا عنه في كتاب فضيلة النبي ﷺ تأليفه.

ونقل في هذا الكتاب نحوًا من هذا القول عن الإمام أبي داود السجستاني مؤلف السنن، استفتاه المروزي فأفتاه أن الخبر يسلم كما جاء ولا يعارض.

وكذا أفتاه عباس الدوري الحافظ أحد الشيوخ الأئمة روى عنه الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجة.

وكذا أفتاه إبراهيم الحربي، أحد الفقهاء والأئمة ببغداد في هذا العصر، ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وقال فيه: إمام في الحديث وله مصنفات كثيرة، مات سنة خمس وثمانين ومائتين.

وممن أفتاه من الأئمة بنحو ذلك يحيى بن أبي طالب، وهو محدث حافظ، سمع يزيد بن هارون وطبقته.

ومحمد بن إسماعيل السلمي الحافظ، أحد أئمة الحديث، والمكثرين منه، روى عنه الترمذي والنسائي، توفي سنة ثمانين.

وأبو جعفر محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي، ثقة روى عنه أبو داود وابن ماجة.

وأبو عبد الله محمد بن بشر بن شريك بن عبد الله القاضي وأبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي وأبو بكر بن حماد المقري وعلي بن داود القنطري ومحمد بن عمران الفارسي الزاهد وإسماعيل بن إبراهيم الهاشمي ومحمد بن يونس البصري وأحمد بن أصرم المزني وحمدان بن علي وأبو بكر بن صدقة وعلي بن [سهل] والحسن بن الفضل وهارون بن العباس الهاشمي وأبو عبد الله بن عبد النور وإبراهيم الأصبهاني.

وكذلك أفتى من الأئمة قبل هذه الطبقة إسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلَّام ومحمد بن مصعب العابد وبشر الحافي وهارون بن معروف، وجماعة غيرهم من أئمة الحديث والفقه يطول ذكرهم، اختصرت نصوص قولهم، لكنهم يقولون ما معناه أن هذا الخبر يسلم كما جاء ولا يعارض - يعني خبر مجاهد.

(عبد الله بن مسلم بن قتيبة)

236

وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب مختلف الحديث له: "نحن نقول في قوله {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} إنه معهم يعلم ما هم عليه، كما تقول للرجل وجّهته إلى بلد شاسع، احذر التقصير فإني معك، تريد أنه لا يخفى عليَّ [تقصيرك]. وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه سبحانه بكل مكان على الحلول فيه مع قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ومع قوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}؟ وكيف يصعد إليه شيء هو معه؟ وكيف تعرج الملائكة إليه وهي معه؟ ولولا أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم، وما ركبت عليه خِلَقُهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله هو العلي وهو الأعلى، وأن الأيدي ترتفع بالدعاء إليه، والأمم كلها أعجميها وعربيها، تقول: إن الله في السماء. ما تركت على فطرها".

وفي الإنجيل أن المسيح قال للحواريين: "إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم ظلمكم، انظروا إلى طير السماء فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن، وأبوكم الذي في السماء هو يرزقهن".

ومثل هذا في الشواهد كثير.

(عمرو بن عثمان المكي)

237

وقال الإمام العارف أبو عبد الله عمرو بن عثمان [في كتاب] آداب المريدين والتعرف لأحوال العبَّاد، في باب ما يجيء به الشيطان للتائبين إذا هم امتنعوا عليه واعتصموا بالله، فإنه يوسوس لهم في أمر [الخالق] ليفسد عليهم أحوال التوحيد، وذكر كلاما طويلا إلى أن قال: "وهذا من أعظم ما يوسوس به في التوحيد بالتشكيل، أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل، وأن يدخل عليهم مقاييس عظمة الرب بقدر عقولهم فيهلكوا إن قبلوا، أو [يضعضع] أركانهم إن لم يلجؤوا بذلك إلى العلم، وتحقيق المعرفة لله عز وجل من حيث أخبر عن نفسه ووصف به نفسه وما وصف رسوله".

إلى أن قال: "فهو تعالى القائل {أَنَا الله} لا الشجرة؛ الجائي قبل أن يكون جائيًا لا أمره، المستوي على عرشه بعظمة جلاله دون كل مكان، الذي كلم موسى تكليمًا، وأراه من آياته عظيما، فسمع موسى كلام الله الوارث لخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته وقدرته، خلق آدم بيده". وذكر أشياء أخر.

عمرو المكي هذا من نظراء الجنيد، ومن كبار الصوفية وأعيانهم. توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد، وشهرته عند مشايخ الطرق تغني عن التعريف بحاله رضي الله عنه.

(ابن أبي عاصم النبيل)

238

وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل -أحد الأئمة والحفاظ والمصنفين بأصبهان، على رأس التسعين ومائتين-: "[وجميع ما في] كتابنا، كتاب السنة الكبير، الذي فيه الأبواب من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها، وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها".

فذكر في ذلك النزول إلى سماء الدنيا والاستواء على العرش، وغير ذلك.

أخرجه ابن بطة في الإبانة، فقال: حدثتنا عاتكة بنت أحمد بن [عمرو] بن [أبي] عاصم، قالت: حدثنا أبي رحمه الله.

(أحمد بن عمر بن سريج)

239

وقال أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني الإمام المشهور: سألت أيدك الله بيان ما صح لدي من مذهب السلف وصالح الخلف في الصفات، فاستخرت الله وأجبت بجواب بعض الفقهاء.

وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج.

وقد سأل ابن سريج عن صفات الله فقال: "حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف، إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله؛ وصح عند جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله ﷺ يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله تعالى {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} وقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ونظائرها مما نطق بها القرآن كالفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر وصعود الكلام الطيب إليه والضحك والتعجب والنزول كل ليلة" إلى أن قال: "اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابهة في القرآن أن نقبلها ولا نردها ولا نتأولها بتأويل المخالفين ولا نحملها على تشبيه المشبهين ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر لظاهره والآية لظاهر تنزيلها". وذكر أشياء اختصرتها.

توفي ابن سريج سنة ست وثلاثمائة ببغداد. ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء فقال: كان من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني.

وسمعت أبا الحسن الشيرجي يقول: إن فهرست كتب أبي العباس تشتمل على أربعمائة مصنف، وكان أبو حامد الإسفرائيني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون الدقائق.

أخذ عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق. رحمه الله.

(زكريا بن يحيى الساجي)

240

وقال ابن بطة: حدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي قال: قال أبي: "القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث، أن الله تعالى على عرشه، في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء" وذكر سائر الاعتقاد.

توفي زكريا بن يحيى الساجي شيخ أبي الحسن الأشعري في الفقه والحديث وإمام أهل البصرة في وقته سنة سبع وثلاثمائة. ذكره أبو إسحاق فقال: أخذ عن الربيع والمزني، وله كتاب اختلاف الفقهاء وكتاب علل الحديث.

(محمد بن إسحاق بن خزيمة)

241

وقال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانيء يقول: سمعت إمام الأئمة أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: "من لم يقر أن الله على عرشه، استوى فوق سبع سمواته، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة لئلا يتأذى برائحته أهل القبلة وأهل الذمة".

توفي ابن خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة.

ذكره أبو إسحاق فقال: حكى عنه أبو بكر النقاش أنه قال: "ما قلدت أحدا منذ بلغت ست عشرة سنة".

أخذ الفقه عن المزني، وقال فيه المزني: "هو أعلم بالحديث مني".

قلت: ولا أعلم في وقته مثله في معرفته بالفقه والحديث، وربما في وقته أفقه منه من غير علم بالحديث، أو بالعكس، أما من جمع بينهما في زمانه مثله فلا أعلم، فرضي الله عنه وعن جميع أئمة المسلمين.

(محمد بن جرير الطبري)

242

أخبرنا أحمد بن هبة الله بن عساكر: أنبأنا زين الأمناء الحسن بن محمد: أنبأنا أبو القاسم الحسين بن الحسن الأسدي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة: أنبأنا ابن [أبي] العلاء: أنبأنا ابن أبي نصر: أنبأنا أبو سعيد الدينوري مستملي محمد بن جرير قال: قريء على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع بعقيدته منها "وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن يجاوز غير ذلك فقد خاب وخسر".

محمد بن جرير هو أحد الأئمة الكبار في وقته، في التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وأحد المجتهدين، توفي بغداد سنة عشر وثلاثمائة، وله التفسير والتاريخ والمصنفات الكثيرة.

ذكره أبو إسحاق فقال: كان على [مذهبه] القاضي أبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني، ويعرف بابن [الطرار]، قال: وكان أبو الفرج هذا فقيهًا أديبًا شاعرًا عالمًا بكل علم.

وذكره الخطيب -أعني الطبري- فقال: كان أحد العلماء يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان عارفًا بالقرآن، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين في الأحكام، والحلال والحرام. سمعت علي بن عبد الله [اللغوي] يحكي أن محمدًا بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة. وقال أبو حامد الأسفراييني الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرًا، أو كلامًا هذا معناه.

وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير".

قلت: فمن أراد الإنصاف فليطالع تفسيره في آيات الصفات والعلو، في مواردها. فمن ذلك:

قوله {ُثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}، نقل فيه عن الربيع بن أنس أنه "بمعنى: ارتفع".

وقال في تفسير قوله {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في كل مواضعه "أي علا وارتفع".

وقال في قوله {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} قال: "يجلسه معه على العرش". رواه عن مجاهد من غير وجه.

ثم قال: "ليس في فرق الإسلام من ينكر هذا، لا من يقر أن الله فوق العرش، ولا من ينكره من الجهمية وغيرهم".

وقال في كتاب التبصرة في معالم الدين له: "القول فيما أدرك علمه من الصفات [خبرًا]، وذلك نحو إخباره تعالى أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، وأن له وجهًا بقوله {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}، وأن له قدمًا بقول النبي ﷺ: «حتى يضع الرب فيها قدمه»، وأنه يضحك بقوله: «لقي الله وهو يضحك إليه»، وأنه يهبط إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله ﷺ بذلك، وأن له أصبعًا بقول رسوله: «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن».

فإن هذه المعاني التي وُصِفَتْ ونظائرَهَا، كما وصف الله به نفسه، مما [لا تدرك] حقيقة علمه بالفكر والرَّوِيَّةِ، لا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهائها إليه".

أخرج هذا الكلام عنه القاضي أبو يعلى الفراء في إبطال التأويل له.

(أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي)

243

وقال أبو محمد بن ماسي: حدثني أبو مسلم الكجي، قال: خرجت يومًا، فإذا بحمَّام قد فتح سَحَرًا، فقلت للحمامي: أدخل أحد الحمام؟ فقال: لا، فدخلت، فساعة فَتَحْتُ الباب قال قائل: أبو مسلم، أسلم تسلم، ثم أنشأ يقول:

لك الحمد إما على نعمة ** وإما على نقمة تدفع

تشاء فتفعل ما شئته ** وتسمع من حيث لا يسمع

قال: فبادرت فخرجت وأنا جزع، فقلت للحمامي: أليس زعمت أنه ليس بالحمام أحد؟ فقال لي: هل سمعت شيئا؟ فأخبرته بما كان، فقال لي: ذلك جني يترايا لنا في كل حين ينشدنا الشعر. قال: فقلت هل عندك من شعره؟ قال: نعم، أنشد يقول:

أيها المذنب المفرِّط مهلًا ** كم تمادى وتكسب الذنب جهلًا

كم وكم تسخط الجليل بفعل ** سمج وهو يحسن الصنع فضلًا

كيف تهدا جفون من ليس يدري ** أرضي عنه من على العرش أم لا؟

رواه الخطيب في التاريخ عن عبد الله [بن علي] بن محمد القرشي عن ابن ماسي.

(أبو جعفر الطحاوي)

244

قال أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي رحمه الله في العقيدة التي له: "ذكر بيان السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، رضي الله عنهم: نقول في توحيد الله معتقدين أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله، ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، وأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على نبيه ﷺ وحيًا، وصدقت المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة ليس بمخلوق ومن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، وكل ما في ذلك من الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصحيح الإيمان، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه". إلى أن قال: "والعرش والكرسي حق كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه". وذكر سائر الاعتقاد.

وذكر الطحاوي أبو إسحاق في طبقات الفقهاء فقال: "إليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، أخذ العلم عن أبي جعفر بن أبي عمران وعن أبي خازم وغيرهما، وكان شافعيًا يقرأ على المزني، فقال له يوما والله لا جاء منك شيء، فغضب وانتقل إلى [ابن] أبي عمران فلما صنف مختصره قال: "[رحم] الله المزني لو كان حيًا لكفر عن يمينه".

وصنف اختلاف العلماء. مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، و [له] ثمانون سنة.

(أبو بكر بن أبي داود السجستاني)

245

وقال الحافظ ابن الحافظ أبو بكر بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله شعرًا:

تمسك بحبل الله واتبع الهدى ** ولا تك بدعيا لعلك تفلح

ودن بكتاب الله والسنن التيي ** أتت عن رسول الله تنجو تربح

وقل غير مخلوق كلام مليكنا ** بذلك دان الأتقياء وأفصحوا

ولا تك في القرآن بالوقف قائلًا ** كما قال أتباع لجهم وأسمجوا

ولا تقل القرآن خلق [قراءة] ** فإن كلام الله باللفظ يوضح

وقد أنكر الجهمي أيضا يمينه ** وكلتا يديه بالفواضل تنفح

وقل ينزل الجبار في كل ليلة ** بلا كيف جل الواحد المتمدح

إلى طبق الدنيا يمن بفضله ** فتفرج أبواب السماء وتفتح

روى ذلك قوم لا يرد حديثهم ** ألا خاب قوم كذبوهموقبحوا

في أبيات أخر اختصرتها.

قال ابن أبي داود: "هذا قولي وقول أبي وقول شيوخنا، وقول من لقيناهم من أهل العلم، وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم، فمن قال غير ذلك فقد كذب".

روى هذا الاعتقاد والإجماع عنه غير واحد، منهم ابن بطة في الإبانة والآجري، وصنف كذلك شرحًا.

وأبو بكر هذا من كبار أئمة المحدثين، وهو مثل والده في الحفظ ومعرفة الحديث، وله كتاب المصاحف، وكتاب شريعة المقاري، أتى فيه بآثار وغرائب تدل على اتساع روايته وفضيلته رحمه الله، توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة.

(نفطويه)

246

وقال الإمام أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي نفطويه في كتاب الرد على الجهمية تأليفه: حدثنا داود بن علي قال: "كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال: ما معنى قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، قال: هو على عرشه استوى كما أخبر. فقال: هو ليس كذلك، إنما معناه استولى. قال ابن الأعرابي: اسكت ما يدريك ما هذا، العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل استولى عليه، والله لا مضاد له، هو على عرشه كما أخبر".

[وذكر محمد بن أحمد بن النضر عن ابن أبي دؤاد] أنه طلب من ابن الأعرابي أن يطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها أن الاستواء في حق الله بمعنى الاستيلاء، فذكر ابن الأعرابي أن ذلك لا يجده.

وسمعت داود بن علي يقول: كان المريسي يقول: سبحان ربي الأسفل؛ وهذا جهل من قائله، ورد لنص كتاب الله إذ يقول: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}.

أبو عبد الله هذا من أئمة العربية واللغة المعروفين، وهو معاصر لابن أبي دؤاد وذويه.

(يحيى بن محمد بن صاعد)

247

وقال أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد الحافظ: "هذه الفضيلة في القعود على العرش لا ندفعها ولا نماري فيها، ولا نتكلم في حديث فيه فضيلة النبي ﷺ بشيء".

روى هذا الكلام عنه الآجري في كتاب الشريعة في باب ما خص الله به محمدًا ﷺ من المقام المحمود، بعد حديث مجاهد هذا الذي تقدم.

وابن صاعد هذا من كبار حفاظ الحديث المشهورين، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة رحمه الله.

(أبو الحسن الأشعري)

248

وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله في كتابه الذي صنفه، في اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين، بعد أن ذكر فيه فرق الروافض والخوارج والجهمية وغيرهم -إلى أن قال-: "ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث، وجملة قولهم: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون من ذلك شيئًا". إلى أن قال: "وأن الله على عرشه، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علمًا كما قال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}، {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ}، وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وقالوا إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله، كما قال ربنا: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ}".

إلى أن قال: "ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ «أن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: "هل من مستغفر»، كما جاء الحديث، ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}".

وذكر أشياء كثيرة من أصول السنة -إلى أن قال-: "فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وأنه لا يجوز الاستواء بمعنى الاستيلاء. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله".

وذكر رحمه الله في هذا الكتاب في باب هل الباري عز وجل في مكان دون مكان أم لا في مكان؟ أم في كل مكان؟ قال: اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة:

منها قال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه على العرش، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ولا نتقدم بين يدي الله بالقول، بل نقول استوى بلا كيف، وأن الله له يدين كما قال {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث.

وقال المعتزلة: استوى على العرش بمعنى: استولى. وقالت المعتزلة: اليد بمعنى: النعمة، وقوله {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} أي بعلمنا.

وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب جمل المقالات، رأيته بخط [أبي] علي بن شاذان، وقد كتبه في سنة نيف وسبعين وثلاثمائة، نحو هذا الكلام ومعناه في مقالة أصحاب الحديث تركته خوف الإطالة.

وقال رحمه الله في كتاب الإبانة في أصول الديانة، في باب الاستواء: "إن قائلًا قال: ما تقولون في الاستواء؟ قيل نقول: إن الله مستو على العرش، كما قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، وقال {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ}، وقال حكاية عن فرعون {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا}، كذَّب موسى في قوله إن الله في السموات. وقال عز وجل {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، يعني جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أنه ذكر السموات فقال {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا}، ولم يرد أنه يملأهن جميعًا. ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم -إذا دعوا- نحو السماء، لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش، لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، وقد قال قائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية، إن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون على العرش كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما قالوا، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء، فالأرض [شيء]، فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وكذا لو كان مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء، لجاز أن يقال: مستو على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، فبطل أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء".

وذكر أدلة من الكتاب والسنة، والعقل، وغير ذلك.

ونقل الإمام أبو بكر بن فورك المقالة التي تقدمت عن أصحاب الحديث عن الإمام أبي الحسن الأشعري، في كتاب المقالات والخلاف بين الأشعري وأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب تأليفه. فقال: "الفصل الأول؛ في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن رحمه الله، في كتاب المقالات في جمل مذاهب أصحاب الحديث، وما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك". ثم سرد ابن فورك المقالة بعينها.

ثم قال في آخرها: "فهذا تحقيق لك من ألفاظه، أنه معتقد لهذه الأصول، التي هي قواعد أصحاب الحديث وأساس توحيدهم".

وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي: قرأت في كتاب أبي الحسن الأشعري، [الموسوم] بالإبانة: "[أدلة] على إثبات الاستواء، قال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام إذا هم رغبوا إلى الله يقولون: يا ساكن العرش، ومن حلفهم: لا والذي احتجب بسبع سموات".

قال الطرقي: وهذا مأخوذ من قوله ﷺ: «إن الله خلق سبع سموات ثم اختار العليا فسكنها».

وقال أبو القاسم القشيري رحمه الله في شكاية أهل السنة: "وما نقموا من أبي الحسن الأشعري إلا أنه قال بإثبات القدر لله، وإثبات صفات الجلال، من قدرته وعلمه وحياته وسمعه وبصره ووجهه ويده، وأن القرآن كلامه غير مخلوق".

رواه عنه الفراوي.

وروى عنه قال: سمعت أبا علي الدقاق يقول: سمعت زاهر ابن أحمد الفقيه يقول: مات الأشعري ورأسه في حجري وكان يقول شيئًا في حال نزعه "لعن الله المعتزلة [موهوا ومخرقوا]".

وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تبيين كذب المفتري -تأليفه-: "فإذا كان أبو الحسن كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد، يوافقه أكثر ما يذهب إليه أكابر أكثر العباد، ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلابد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة، فاسمع ما ذكره في كتاب الإبانة فإنه قال: "الحمد لله الواحد، العزيز، الماجد، المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا يبلغه صفات العبيد، وليس له مثل، ولا نديد، -وذكر أشياء- إلى أن قال بعد أن رد في الخطبة على المعتزلة والقدرية والجهمية والرافضة: "فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين، التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل -نضَّر الله وجهه- قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير [مفخَّم]، وعلى جميع أئمة المسلمين. وجملة قولنا: إنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله إله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة [حق]، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وأن لله وجهًا كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ]}، وأن له يدين كما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} وقال: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًا، وأن لله علمًا كما قال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}".

إلى أن قال: "وندين بأن الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون".

إلى أن قال: "وندين بأنه يقلب القلوب، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه يضع السموات على أصبع، والأراضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ".

إلى أن قال: "ونصدق بجميع الرواية التي يثتبها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول «هل من سائل، هل من مستغفر» خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل، ونُعَّول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا ﷺ، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ونقول إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ً}، وأنه يقرب من عباده كيف يشاء، كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وكما قال: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}. ونرى مفارقة كل داعية لبدعة ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقي منه، [مما لم نذكره] بابًا بابًا، وشيئًا شيئًا".

قال ابن عساكر: "فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه".

وقال الحافظ ابن عساكر: قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه العمد في الرؤية: "ألفنا كتابًا كبيرًا في الصفات، تكلمنا فيه على أصناف المعتزلة والجهمية وفيه فنون كثيرة من الصفات في إثبات الوجه لله، واليدين، وفي استوائه على العرش".

ولد الأشعري سنة ستين ومائتين، ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة، رحمه الله، وكان معتزليًا ثم تاب، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما [ذكرناه] عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك.

فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزليًا، وحال كان سنيًا في بعض دون البعض، وكان في غالب الأصول سنيًا، وهو الذي علمناه من حاله، فرحمه الله وغفر له ولسائر المسلمين. [12]

(أبو أحمد العسال)

251

وقال القاضي أبو أحمد العسال الحافظ الأصبهاني، في كتاب المعرفة -تأليفه- في الصفات، في تفسير قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فنقل ما فيه من أقوال الأئمة مثل قول ربيعة، ومالك، والضحاك، وأبي عيسى يحيى بن رافع، وعبد الله بن المبارك، وكعب الأحبار. وحديث ابن مسعود الذي فيه: "ما بين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم".

وإسناده صحيح، وقد تقدم جميع ذلك عنهم على طبقاتهم.

وهذا الكتاب، كتاب المعرفة، من أجل كتاب صنف في صفات الرب عز وجل، إذا نظر فيه البصير بهذا الشأن، علم منزلة مصنفه وجلالته، رحمه الله. وقد توفي سنة نيف وأربعين وثلاثمائة، وطاف البلاد، وسمع الكثير من مثل أبي مسلم الكجي ومحمد بن أيوب الرازي وابن أبي عاصم.

(أبو بكر الآجري)

252

وقال الإمام أبو بكر الآجري الحافظ، في كتاب الشريعة له: "باب في التحذير من مذهب الحلولية" الذي يذهب إليه أهل العلم، أن الله عز وجل على عرشه، فوق سمواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط [علمه] بجميع ما خلق في السموات العلى، وبجميع ما في سبع أراضين، يرفع إليه أعمال العباد.

فإن قال قائل: إيش يكون معنى قوله {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية التي [احتجوا] بها؟ قيل له: علمه، والله عز وجل على عرشه، وعلمه محيط بهم، كذا فسره أهل العلم، والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم، وهو على عرشه، فهذا قول المسلمين.

حدثنا ابن مخلد، [حدثنا أبو داود]: حدثنا أحمد بن حنبل: حدثنا [سُرَيْج] بن النعمان: حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك: "الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان".

ثم ذكر بأسانيده قطعة من أحاديث العلو.

توفي سنة نيف وخمسين وثلاثمائة، وبقي مجاورا بمكة مدة [سنين]، وكان كبير الشأن، فقيهًا، مفتيًا، عالمًا باختلاف العلماء، خبيرًا بالأحاديث وطرقها، مكثرًا من الرواية، سمع أبا مسلم الكجي وابن [زنجويه] القطان وأبا شعيب الحراني وجعفر الفريابي فأكثر عنه.

وله التصانيف الحسنة منها: كتاب الشريعة، وكتاب الغرباء، وكتاب النصيحة، وكتاب أخلاق العلماء، وكتاب زكاة الفطر، وكتاب الرسالة إلى أهل بغداد في الربا، وكتاب تحريم إتيان النساء في أعجازهن، وكتاب المعزي والمعزى، وكتاب النصيحة في الفقه، وكتاب الفتن، وكتاب الطب، وكتاب عقوبات الذنوب، وكتاب الشبهات، وكتاب إثبات رؤية الله عز وجل، وكتاب غض الطرف، وكتاب دخول الحمام، وكتاب تأديب الزوجات.

وانتشرت تصانيفه في بلاد المغرب ومصر والشام والعراق وخراسان وأصبهان، لأنه كان يسمع منه كل من حج من سائر الأقطار من أهل العلم.

(أبو بكر الإسماعيلي)

253

وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: اعتقاد أهل السنة الذي أخبرناه إسماعيل بن الفراء: أنبأنا أبو محمد بن قدامة: أنبأنا أبو العباس مسعود بن عبد الواحد الهاشمي: أنبأنا صاعد بن [سيار] الحافظ: أنبأنا علي بن محمد الجرجاني: أنبأنا حمزة بن يوسف السهمي: أنبأنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي رحمه الله قال: "اعلموا رحمنا الله وإياكم، أن مذاهب أهل السنة ومذاهب أهل الحديث والجماعة، الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله، وما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ، لا معدل عما وردا به، ويعتقدون أن الله مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف، استوى على العرش بلا كيف، فإنه انتهى إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه".

وسرد الاعتقاد الذي قال إنه مذهب أهل السنة جميعه.

وأبو بكر الإسماعيلي من كبار الأئمة الأعلام، ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الشافعية فقال: "مات سنة نيف وسبعين وثلاثمائة، وجمع بين الفقه والحديث ورئاسة الدين والدنيا، وصنف الصحيح وأخذ عنه فقهاء جرجان".

حدثنا بذلك عمر بن القوّاس عن أبي اليمن الكندي: أنبأنا أبو الحسن بن عبد السلام: أنبأنا أبو إسحاق فذكره، وقال حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان: توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وله أربع وتسعون. وسمعت الدارقطني يقول: كنت قد عزمت غير مرة أن أرحل إلى أبي بكر الإسماعيلي، فلم أرزق.

وذكره الحافظ ابن عساكر في طبقات أصحاب الأشعري، في كتاب تبين كذب المفتري فيما نسبه إلى الأشعري.

(أبو الشيخ الأصبهاني)

254

وقال الحافظ أبو محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني -[شيخ الحافظ أبي نعيم]- في كتاب العظمة له: "ذكر عرش الرب تبارك وتعالى وكرسيه وعظم خلقهما، وعلو الرب فوق عرشه".

ثم أسند قطعة من الأحاديث في الدليل على ذلك، وقد تقدمت.

توفي أبو الشيخ في حدود سنة ثمان أو تسع وستين وثلاثمائة، وكان محدثًا حافظًا، مسندًا مكثرًا، فقيهًا عالمًا بالأبواب، من طبقة الطبراني، والعسال، سمع أبا بكر بن أبي عاصم ومحمد بن يحيى المروزي والوليد بن أبان وأبا عمر القتات -صاحب أبي نعيم- وطبقتهم، وألف كتبًا مفيدة منها كتاب السنة، ومنها كتاب العظمة، ومنها كتاب التوبيخ، ومنها كتاب درر الأثر.

(أبو القاسم الطبراني)

255

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب نزيل أصبهان، في كتاب السنة له: "باب ما جاء في استواء الله تعالى على عرشه، [وأنه] بائن من خلقه".

ثم روى حديث [أبي] رزين "قلت: يا رسول الله أين كا ربنا؟". وحديث عبد الله بن خليفة عن عمر. وحديث الأوعال وأن العرش على ظهورهن والله فوقه. وغير ذلك، إلى أن قال: حدثنا محمد بن يحيى بن المنذر: حدثنا عمران بن ميسرة: حدثنا عبد الله بن إدريس عن ليث عن مجاهد في قوله {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}، قال: "يجلسه معه على العرش".

وقد تقدم الكلام على هذا الحديث وأنه ثابت عن مجاهد أحد أعيان التابعين.

وأبو القاسم الطبراني هو الإمام المشهور. ألف المعجم الصغير عن ألف شيخ له، والمعجم الأوسط تتبع [فيه] الغرائب وأتى فيه بأحاديث وبما لم يسبقه إليه الحفاظ، والمعجم الكبير وهو نحو ستين ألف حديث، وألف كتبًا كثيرة في السنن والآداب نحو مائتي مصنف، وعاش مائة سنة، وكان موته سنة ستين وثلاثمائة، حتى سمع منه المحدثون، ثم أولادهم، ثم أولاد أولادهم، وسمع منه بعض شيوخه، فمنهم أبو خليفة الفضل بن الحباب الذي مات سنة خمس وثلاثمائة بالبصرة، وأبو بكر ابن [ريذة] ومات سنة أربعين وأربعمائة وهو آخر من روى عنه رحمه الله.

(أبو الحسن علي بن مهدي الطبري)

256

وقول الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري المتكلم -صاحب أبي الحسن الأشعري- في كتاب مشكل الآيات تأليفه في باب قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}: "اعلم أن الله سبحانه في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عالٍ عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو، فوجد فوق رأسي، فالقديم جل جلاله عالٍ على عرشه.

قوله {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}، وقوله {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}، وقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، وقوله {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}.

وزعم [البلخي] أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من كلام العرب "ثم استوى بشر على العراق"، أي: استولى عليها، وقال: إن العرش يكون الملك.

فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الله جسمًا خلقه، وأمر ملائكته بحمله، قال {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ} وأمية يقول:

مجدوا الله فهو للمجد أهل ** ربنا في السماء أمسى كبيرا

بالبناء الأعلى الذي سبق النا ** س وسوى فوق السماء سريرا

ومما يدل على أن الاستواء ها هنا ليس بالاستيلاء، أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش وعلى سائر خلقه، وليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله.

ثم يقال له أيضًا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي استولى إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكنًا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء."

ثم قال: حدثنا أبو عبد الله نفطويه: حدثنا أبو سليمان، قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل، فقال: ما معنى قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. فذكر القصة التي تقدمت.

ثم قال: "فإن قيل فما تقولون في قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}؟ [قيل]: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ} بمعنى على الأرض، وقال: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}، وكذلك قوله {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}.

فإن قيل: فما تقولون في قوله {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ}؟ قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف {فِي السَّمَاوَاتِ}، ثم يبتدئ {وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ}، وكيف ما كان، فلو أن قائلًا قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن [ملكه] بالشام والعراق [لا أن] ذاته فيهما.

فإن قيل: فما تقول في قوله تعالى {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية؟

قيل له: كون الشيء مع الشيء على وجوه، منها بالنصرة، ومنها بالصحبة، ومنها بالمماسة، ومنها بالعلم، فمعنى هذا عندنا أنه تعالى مع كل الخلق بالعلم.

قال البلخي: فإن قيل لنا: ما معنى رفع أيدينا إلى السماء؟ وقوله: {وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}؟

قلنا: تأويل ذلك أن أرزاق العباد لما كانت تأتي من السماء، جاز أن نرفع أيدينا إلى السماء عند الدعاء، وجاز أن يقال أعمالنا ترفع إلى الله، لما كانت حفظة الأعمال إنما مساكنهم في السماء.

قيل له: إن كانت العلة في رفع أيدينا إلى السماء أن الأرزاق فيها، وأن الحفظة مساكنهم فيها، جاز أن نخفض أيدينا في الدعاء نحو الأرض، من أجل أن الله يحدث فيها النبات والأقوات، والمعايش، وأنها قرارهم ومنها خلقوا، ولأن الملائكة معهم في الأرض. فلم تكن العلة في رفع أيدينا إلى السماء ما وصفه، وإنما أمرنا الله تعالى أن نرفع أيدينا قاصدين إليه رفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه".

أبو الحسن الطبري إمام جليل، صحب الأشعري، وأخذ عنه علم الكلام، وصنف تصانيف جليلة عديدة، تدل علىعلم واسع، ذكره ابن عساكر في طبقات أبي الحسن في تبيين كذب المفتري، وأثنى عليه، ولا أعلم أي وقت توفي.

(أبو بكر بن إبراهيم بن شاذان)

257

وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان: حدثني من أثق به وسمع ذلك معي ولدي أبو علي قال: كنا نغسل ميتًا وهو على سريره، فكشفنا عنه الثوب، فسمعناه يقول: [هو على عرشه وحده، هو على عرشه وحده]. فتفرقنا من عظم ما سمعنا، ثم رجعنا فغسلناه رحمه الله.

أخرج هذه الحكاية الشيخ موفق الدين المقدسي في كتاب صفة العلو له.

توفي أبو بكر بن شاذان بعد الثمانين، سمع البغوي وذويه، توفي ابنه سنة ست وعشرين وأربعمائة، وكان من المتكلمين ممن هو على طريقة الأشعري، وكان مكثرًا من الحديث.

(أبو الحسن الدارقطني)

258

أنبأنا أحمد بن سلامة عن أبي القاسم بن بوش: أنبأنا أبو العز بن كادش: أنشدنا أبو طالب العشاري: أنشدنا الإمام أبو الحسن الدارقطني رحمه الله:

حديث الشفاعة في أحمد ** إلى أحمد المصطفي نسنده

فأما الحديث بإقعاده ** على العرش أيضًا فلا نجحده

أمروا الحديث على وجهه ** ولا تدخلوا فيه ما يفسده

ولا تنكروا أنه قاعد ولا تجحدوا أنه يقعده

شهرة الدارقطني تغني عن التعريف، ألف كتاب السنن فانتفع به الموافق والمخالف، كان من نظراء البخاري وذويه في الإتقان وإن تأخر في الزمان. توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وله ثمانون سنة.

سمع البغوي وابن صاعد وابن أبي داود، والخلائق بعدهم، وطاف البلاد، وحَصَّل ما لم يُحَصِّل غيره، وله جزء في الصفات، وكتاب الرؤية، وكتاب الأفراد، وكتاب في القراءات، مبوبًا ولم يبوب أحد قبله الأبواب في القراءات، وله كتب كثيرة لا يحضرني الآن ذكرها.

(أبو عبد الله بن بطة العكبري)

259

وقال الإمام الزاهد أبو عبد الله بن بطة العكبري، في كتاب الإبانة تأليفه: "باب الإيمان بأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه محيط بخلقه":

"أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين، أن الله على عرشه، فوق سمواته، بائن من خلقه.

فأما قوله {وَهُوَ مَعَكُم}، فهو كما قالت العلماء: علمه.

وأما قوله {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} معناه: أنه هو الله في السموات، وهو الله في الأرض، وتصديقه في كتاب الله {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ}.

واحتج الجهمي بقوله {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}، فقال: إن الله معنا وفينا، وقد فسر العلماء أن ذلك علمه، ثم قال في آخرها {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

فلو كان إنما عَلِمَ ذلك بالمشاهدة، لم يكن له فضل على الخلائق، وبطل فضل علمه بعلم الغيب."

ثم ذكر رحمه الله قول من قال: إنه علمه، فذكر ما تقدم عن نعيم بن حماد والضحاك بن مزاحم وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، بأسانيده إليهم.

ابن بطة من كبار الأئمة والزهاد والحفاظ، ألف كتاب الإبانة المذكور -أربع مجلدات-، أتى فيه بمذاهب أهل السنة التي يخالفون فيها المبتدعة من الجهمية والحرورية والقدرية والرافضة والمرجئة والمعتزلة، دل على علم واسع وكثرة من الحديث والآثار، توفي بعد الثمانين وثلاثمائة، سمع البغوي وذويه.

(أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده)

260

وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ في كتاب الصفات له بعد أن قال: روى أبو نعيم، [عن] حماد عن جرير بن عبد الحميد عن ليث عن بشر عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل بذاته".

قال رحمه الله: "فهو عز وجل موصوف غير مجهول، وهو موجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به لقربه كأنك تراه، غير ملاصق، وبعيد غير منقطع، يسمع، ويرى، وهو بالمنظر الأعلى، وعلى العرش استوى، فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط".

قلت: والحديث المذكور عن بشر عن أنس لا يثبت.

عن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل بمثل المرآة، فقلت ما هذه؟ قال: الجمعة، وهو يوم المزيد، إن ربك اتخذ في الجنة واديًا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل عن كرسيه". وذكر الحديث بطوله، وقد تقدم.

قلت: هذا حديث محفوظ عن أنس رضي الله عنه من غير وجه.

أخرجه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الأعلى [النرسي] عن عمر بن يونس، وأبو بكر النجاد في أماليه عن الحسن بن مكرم عن عمر بن يونس. ووقع لنا بعلو عن جهضم [بن] عبد الله: حدثني أبو طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس. وأخرجه الحافظ أبو أحمد العسال عن محمد بن العباس بن أبي أيوب عن محمد بن المثنى عن عمر بن يونس وهو ابن القاسم الحنفي به. وعن موسى بن إسحاق الأنصاري عن عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير عن ليث عن عثمان بن أبي حميد -وهو ابن عمير- عن أنس. ورواه عن العباس بن علي النسائي: حدثنا الحسين بن نصر: حدثنا سلام بن [سليمان] المدائني: حدثنا شعبة وورقاء وإسرائيل وجرير عن ليث عن عثمان بن عمير عن أنس. ورواه أيضًا عن محمد بن العباس بن أيوب عن ابن المثنى: حدثنا يعمر بن بشر: أخبرني الفضل بن موسى السيناني: حدثنا محمد ابن أبي مريم عن عثمان بن أبي [حميد] عن أنس. وهذه الطرق كلها في كتاب المعرفة في صفات الله تعالى، له.

وأخرجه الحافظ أبو الحسن الدارقطني في كتاب الرؤية له، من رواية شجاع بن الوليد عن زياد بن خيثمة عن عثمان بن أبي سليم عن أنس. ومن رواية حمزة بن واصل عن قتادة عن أنس. ومن رواية عنبسة الرازي عن عثمان بن عمير عن أنس.

وأخرجه الحافظ ابن منده المذكور، من رواية البخاري: حدثنا ليث ابن أبي سليم عن عثمان بن عمير عن أنس. ومن رواية أبي يوسف -صاحب أبي حنيفة- [عن صالح] بن حيان عن [عبد الله] بن بريدة عن أنس. ومن رواية الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان عن سالم بن عبد الله عن أنس. ومن رواية الصعق بن حزن: حدثنا علي بن الحكم عن عبد الملك بن عمير عن أنس.

ورواه الدارقطني من رواية محمد بن شعيب بن [شابور]: حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن أنس.

وهذا الحديث يحسنه الترمذي وغيره لكثرة طرقه.

وأما ابن منده فهو حافظ زمانه، طاف البلاد، وسمع بأصبهان والشام والعراق ومصر والثغور والحجاز، وجمع ما لم يجمع غيره، وشيوخه نحو ألف وسبعمائة شيخ، كتب عن خيثمة الأطرابلسي ألف جزء، وعن الأصم ألف جزء، وعن ابن الأعربي ألف جزء، وعن إسماعيل الصفار أو ابن البختري -أشك- ألف جزء وعن الهيثم بن [كليب] بشاش ألف جزء، ومات بأصبهان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وألف كتاب معرفة الصحابة وكتاب التوحيد، وكتاب الكنى"، وكتاب الصفات، وأشياء كثيرة، رحمه الله ورضي عنه.

(أبو بكر الباقلاني)

261

وقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني الذي ليس في متكلمي الأشاعرة أفضل منه، لا قبله ولا بعده، في كتاب الإبانة -تأليفه-: "فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟

قيل له: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}، وقوله {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا.

فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذا كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟

قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب [إذا لم نعقل] حيًا عالمًا قادرًا إلا جسمًا، أن نقضي نحن وأنتم على الله سبحانه وتعالى؛ وكما لا يجب في كل شيء كان قائمًا بذاته، أن يكون جوهرًا، لأنا وإياكم لم نجده قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضًا، واعتلوا بالوجود.

فإن قيل: هل تقولون إنه في كل مكان؟

قيل له: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}، ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان، وفمه، والحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن، إذا خلق منها ما لم يكن، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا، وإلى يميننا، وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله.

ثم قال بعد ذلك: وصفات ذاته لم تزل ولا يزال موصوفًا بها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا.

وقال رحمه الله في كتاب التمهيد مثل هذا القول وأكثر.

وشهرته تغني عن التعريف به، وهو بصري سكن بغداد، وسمع بها من القطيعي وابن ماسي، وكان أعرف الناس بالكلام، وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالفين، من الرافضة والمعتزلة والجهمية وغيرهم. قاله الخطيب.

توفي سنة ثلاث وأربعمائة، كما أن أبا العباس بن سريج عُدَّ على رأس الثلاثمائة، والشافعي على رأس المائتين، وعمر بن عبد العزيز على رأس المائة رحمة الله عليهم.

(ابن فورك)

263

وقال الإمام أبو بكر بن فورك، المتكلم، فيما حكاه عنه البيهقي في الصفات له، أنه قال: "استوى بمعنى علا، وقال في قوله {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} أي: فوق السماء.

ثم احتج البيهقي كذلك بقول النبي ﷺ لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة «لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات»، [وقول] ابن عباس الذي تقدم "أن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك".

وأما الأستاذ ابن فورك فإنه أفضل المتكلمين بعد القاضي أبي بكر، ألف في أصول الدين والفقه ومعاني القرآن قريبًا من مائة مصنف.

(ابن أبي زيد القيرواني)

264

وقال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المالكي المغربي في رسالته في مذهب مالك، أولها: "وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه".

وقد تقدم هذا القول عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، إمام أهل الكوفة في وقته ومحدثها.

وممن قال إن الله على عرشه بذاته، يحيى بن عمار، شيخ أبي إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام، قال ذلك في رسالته.

وكذلك الإمام أبو نصر السجزي الحافظ في كتاب الإبانة له، فإنه قال: "وأئمتنا، الثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد وإسحاق، متفقون على أن الله فوق عرشه بذاته، وأن علمه بكل مكان".

وكذلك قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، فإنه قال: "في أخبار شتى إن الله في السماء السابعة، على العرش بنفسه".

وكذلك قال [صاحبه] الكرجي في عقيدة أصحاب الحديث، فإنه قال فيها:

عقائدهم أن الإله بذاته ** على عرشه مع علمه بالغوائب

وموجود بها الآن نسخ من بعضها نسخة بخط الشيخ تقي الدين بن الصلاح، على أولها مكتوب: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث، بخطه رحمه الله.

وكذلك قال الحافظ أحمد الطرقي، وشيخ الإسلام المتفق على هدايته وتواتر كرامته الشيخ عبد القادر الجيلي، وعبد العزيز ا[بن] محمد القحيطي، وغيرهم. كما سيأتي إن شاء الله.

وأما ابن أبي زيد، فإنه من كبار الأئمة [بالمغرب]، وشهرته تغني عن ذكر فضله، وكان يلقب مالكًا الصغير، واجتمع [فيه] العقل والدين والورع والعلم، وكان نهاية في علم الأصول.

ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسبه إلى الأشعري، ولم يذكر له وفاة، ثم وجدته قد توفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة بالقيروان.

(أبو القاسم هبة الله اللالكائي)

264

وقال الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي الشافعي، في كتاب شرح أصول السنة له: "سياق ما روي في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، و[أن] الله على عرشه في السماء، قال عز وجل: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}، وقال {وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، قال: فدلت هذه الآيات أنه في السماء وعلمه محيط بكل مكان، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة، ومن التابعين ربيعة وسليمان التيمي ومقاتل [بن] حيان، وبه قال مالك والثوري وأحمد بن حنبل.

قلت: توفي اللالكائي سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وكان إمامًا حافظًا، ذكره النواوي في طبقات الفقهاء الشافعية، وألف كتابًا في السنن، وكتابًا في معرفة أسماء من في الصحيحين، وكتاب كرامات الأولياء، وغير ذلك.

أثنى عليه الخطيب في تاريخه والذهلي وغيرهما.

(أبو نعيم الأصبهاني)

265

وقال الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، في مصنف حلية الأولياء، في الاعتقاد الذي جمعه: "طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه: أن الله لم يزل كاملًا بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول، لم يزل عالمًا بعلم، بصيرًا ببصر، سميعًا بسمع، متكلمًا بكلام، ثم أحدث الأشياء من غير شيء، وأن القرآن كلامه، وكذلك سائر كتبه المنزلة، كلامه غير مخلوق، وأن القرآن في جميع الجهات، مقروءًا ومتلوًا ومحفوظًا ومسموعًا ومكتوبًا وملفوظًا، كلام الله حقيقة، لا حكاية ولا ترجمة، وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة واللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه [يريد به] خلق كلام الله، فهو عندهم من الجهمية، وأن الجهمي عندهم كافر".

وذكر أشياء إلى أن قال: "إن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله تعالى بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج [بهم]، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه". وذكر سائر اعتقاد السلف وإجماعهم على ذلك.

وأبو نعيم هذا سبط محمد بن يوسف البنا الزاهد، شيخ أصبهان بلا مدافعة، جمع الله له بين العلو في الرواية والحفظ والدراية، فكان يشد إليه الرحال ويهاجرُ إلى بابه الأئمة والحفاظ.

ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري في أصحاب أبي الحسن الأشعري، فقال: كتب إلي عبد الغافر بن إسماعيل يذكر، قال أحمد بن عبد الله بن أحمد بن [إسحاق] بن موسى بن مهران، الإمام أبو نعيم الحافظ، واحد عصره في فضله وجمعه ومعرفته، صنف التصانيف المشهورة كحلية الأولياء وغير ذلك من الكتب الكثيرة في أنواع علوم الحديث والحقائق وشاع ذكره في الآفاق، واستفاد الناس من تصانيفه، توفي في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة وله أربع وتسعون سنة إلا شهرا.

وسمعت من يحكي عن ألفاظ أبي بكر الخطيب قال: لم ألق من شيوخي أحفظ من أبي نعيم وأبي حازم العبدوي، كتب إلي عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي: سمعت أبا صالح المؤذن يقول: كتبت عن عشرة من شيوخي عشرة آلاف جزء، سوى ما اشتريته، فذكر منهم أبا بكر [الإسماعيلي] وأبا أحمد الحاكم، قال عبد الغفار: وانتخب عليه أبو عبد الله الحاكم وحدث عنه، وتوفي في ثاني شوال سنة سبع عشرة فجأة رحمه الله.

(أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني)

266

وقال الإمام الأوحد أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني، في رسالته: "لا نقول كما قال الجهمية، إنه مداخل للأمكنة، وممازج لكل شيء ولا نعلم أين هو، بل هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، و[علمه]، وسمعه، وبصره، وقدرته، مدركة لكل شيء، وهو معنى قوله {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، وهو بذاته على عرشه كما قال سبحانه وكما قال رسوله ﷺ".

[كان] يحيى بن عمار من كبار أئمة الهدى، جمع بين العلم والرواية والإتقان والزهد، توفي سنة ثلاثين وأربعمائة، وهو أجل شيخ لإسماعيل الأصبهاني الأنصاري، شيخ الإسلام وصاحب منازل السائرين، وشيخ الإمام أبي نصر السجزي.

(معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني)

267

وقال الإمام العارف معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني، شيخ الصوفية في عصر يحيى بن عمار وأبي نعيم، وقبيل ذلك: "أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث، وأهل المعرفة والتصوف، من المتقدمين والمتأخرين".

فذكر أشياء في الوصية، إلى أن قال فيها: "وإن الله استوى على عرشه، بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، بلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة، وأنه سبحانه سميع بصير عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويتعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو ضال مبتدع".

(أبو عثمان الصابوني)

268

وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري، في كتاب الرسالة في السنة له: "ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته، على عرشه كما نطق به كتابه وعلماء الأمة، وأعيان الأئمة من السلف، لم يختلفوا أن الله عز وجل على عرشه، فوق سمواته. وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي احتج في كتابه المبسوط، في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها، بخبر معاوية بن الحكم، فإنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة، فسأل رسول ﷺ عن إعتاقه إياها، فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا، فقال لها أين ربك؟ فأشارت إلى السماء، فقال أعتقها فإنها مؤمنة، فحكم بإيمانها لما أقرّت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية".

وأبو عثمان الصابوني هذا من كبار الأئمة، كان فقيهًا محدثًا حافظًا صوفيًا واعظًا، شيخ نيسابور في وقته، توفي سنة بضع وأربعين وأربعمائة رحمه الله، وله تصانيف حسنة.

(أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي)

269

وقال الإمام الفقيه أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي، صاحب الشيخ أبي حامد الإسفراييني، في تفسير القرآن له في قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}: "قال أبو عبيدة: علا، وقال غيره استقر".

وقال في قوله {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}: "عن قتادة قال: اليوم السابع".

وقال في قوله {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}: "أي ربكم الذي في السماء إن عصيتموه أن يخسف بكم الأرض". وذكر مثل هذا القول في باقي الآيات الدالة على أن الله فوق العرش.

وأبو الفتح سليم هذا إمام كبير عالم بالتفسير والحديث والفقه، وغير ذلك، شيخ أبي الفتح نصر المقدسي، توفي في حدود الأربعين وأربعمائة.

(أبو نصر السجزي)

270

وقال الإمام أبو نصر [عبيد الله بن سعيد] السجزي، في كتابه الإبانة الذي ألفه في السنة: "أئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، متفقون على أن الله سبحانه وتعالى بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يُرَى يوم القيامة بالأبصار، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى، ويتكلم بما شاء".

وأبو النصر هذا إمام، حافظ، فقيه جليل، أقام بمكة مدة، روى عن شيخ الإسلام وغيره، توفي في حدود الأربعين وأربعمائة رحمه الله.

(أبو بكر البيهقي)

271

وقال الإمام أبو بكر بن الحسين البيهقي -صاحب السنن الكبير وغيره- في كتاب الاعتقاد: "في باب القول في الاستواء" قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِم}، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}، وأراد من فوق السماء، كما قال {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} بمعنى على جذوع النخل، وقال: {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} بمعنى على الأرض وكل ما علا فهو سماء، والعرش على السموات، فمعنى الآية أأمنتم من على العرش، كما صرح [به] في سائر الآيات. وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال [قول] من زعم من الجهمية أن الله بذاته في كل مكان. وقوله {وَهُوَ مَعَكُم أَيْنَمَا كُنْتُم} إنما أراد [به] بعلمه لا بذاته".

شهرة البيهقي تغني عن التعريف به، توفي في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وله أربع وثمانون سنة رحمه الله.

(أبو عمر بن عبد البر)

272

وقال الإمام حافظ المغرب، أبو عمر بن عبد البر، صاحب الاستيعاب، والتمهيد، والمصنفات النفيسة، لما شرح «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا...» الذي في الموطأ قال: "هذا الحديث لم يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو [من] حجتهم على المعتزلة، وهذا أشهر عند العامة وأعرف من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم [يؤنبهم] عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم".

وقال أيضًا: "أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} هو على العرش، وعلمه بكل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله".

وقال أيضًا: "أهل السنة [مجمعون] على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئًا من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيء على الحقيقة، [ويزعمون] أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود".

أبو عمر هذا إمام أهل المغرب، من أعيان الحفاظ والأئمة القائمين بمذهب مالك رحمه الله، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة.

(أبو بكر الخطيب)

273

وفيها توفي حافظ المشرق أبو بكر الخطيب، وهو القائل ما أخبرناه إسماعيل بن عبد الرحمن: أنبأنا عبد الله بن أحمد المقدسي سنة سبع عشرة وستمائة عن المبارك بن علي الصيرفي: أنبأنا أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني: أنبأنا أبو بكر الخطيب قال: "[أما] الكلام في الصفات، فأما ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيف والتشبيه عنها، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ونحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول إن معنى اليد: القدرة، ولا نقول: إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح وأدوات الفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها، لقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وقوله {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}".

(أبو سليمان الخطابي)

274

وقال مثل هذا القول قبله الإمام أبو سليمان الخطابي في الغنية عن الكلام له، وهو: "فأما ما سألت عنه من الكلام في الصفات، وما جاء منها في الكتاب وروي في السنن الصحاح".

وقال: "مذاهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها".

(أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي)

275

وقال مثل هذا القول بعدهما، الإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي، صاحب الترغيب والترهيب، وقد سئل عن صفات الرب تعالى فقال: "مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله، من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيه ولا تشبيه ولا تأويل، قال سفيان بن عيينة: "كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره" أي على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل".

(أبو يعلى الفراء)

276

وقال القاضي أبو يعلى الفراء في كتاب إبطال التأويل له: "لا يجوز [رد] هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله لا تُشبَّه بسائر صفات الموصوفين بها من الخلق. ويدل على إبطال التأويل، لأن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على [ظاهرها]، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة التشبيه"

يعني على زعم من قال إن ظاهرها التشبيه.

وقال بعد أن ذكر حديث الجارية: "اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء".

وذكر أشياء، إلى أن قال: "وقد أطلق أحمد بذلك فيما أخرجه في الرد على الجهمية فقال: فقد أخبرنا بأنه في السماء فقال {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}، وقال {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، وقال {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} فقد أخبر الله عز وجل أنه في السماء وهو على عرشه". وذكر كلاما طويلا ليس هذا موضعه.

وأما القاضي هذا فهو أجل الحنابلة في وقته، وأعلم بمذهب أحمد، وباختلاف العلماء، صنف كتبًا كثيرة في المذهب، والخلاف، والأصول، رحمه الله، توفي قبل الستين وأربعمائة.

(أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني)

277

وقد تقدمت فتيا الإمام أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وأنه أجاب بنص قول الإمام أبي العباس بن سريج.

أبو القاسم هذا إمام كبير، حافظ فقيه صوفي، ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة فقال: "سعد بن علي، طاف الآفاق، ورأى المشايخ، وسكن مكة فصار شيخ الحرم، وكان إذا خرج إلى الحرم يترك الناس الطواف ويقبلون يده أكثر من تقبيل الحجر، وكانت له كرامات، وتوفي سنة سبعين وأربعمائة".

لكن في النفس شيء من عزو الفتيا التي ذكرها إلى ابن سريج، فإني لا أرى عليها لوائح صحة الإسناد والله أعلم، على أنني أجزم أن ابن سريج لم يكن يخالف تيك الأصول.

(أبو المعالي الجويني)

278

وقال الإمام أبو المعالي الجويني في كتاب رسالة النظامية:

"اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في [آي] الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب عز وجل. والذي نرتضيه رأيًا، وندين الله به عقيدةً، اتباع سلف الأمة، والدليل القاطع السمعي في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشرع، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع".

انتهت معرفة مذهب الشافعي إلى أبي المعالي هذا، وصنف كتبًا كثيرة وكان بحرًا في دقائق الفقه وفروعه ومعرفة أصوله، توفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى.

(أبو إسماعيل الأنصاري)

279

و[قال] الإمام العارف شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله ابن محمد الأنصاري في كتاب الصفات له: "باب إثبات استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة، بائنًا من خلقه، من الكتاب والسنة".

فذكر رحمه الله دلالات ذلك من الكتاب والسنة، إلى أن قال: "في أخبار شتى أن الله عز وجل في السماء السابعة على العرش بنفسه، وهو ينظر كيف تعملون، علمه، وقدرته، واستماعه، ونظره، ورحمته، في كل مكان".

أبو إسماعيل الأنصاري هذا معروف عند مشايخ الطريق، مصنف منازل السائرين إلى الله، كان عالمًا بالحديث صحيحه وسقيمه، وآثار السلف، وبلغات العرب واختلافها، وتفسير الكتاب ومعانيه، وأقوال المفسرين، وبأحوال القلوب، وكان له كرامات معروفة، وقد جمع عبد القادر الرهاوي كتابًا سماه المادح والممدوح، لعل معظم الكتاب في ترجمته، فمن طالع ذلك عرف منزلته وجلالته في الأمة، افتتح القرآن يفسره إلى قوله {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} فافتتح تجريد المجالس في الحقيقة والمحبة وأنفق على هذه الآية مدة طويلة من عمره، وكذا في قوله عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى} بقي يفسر فيها ثلاثمائة وستين مجلسًا، وقد كان في وقته، مثل الجنيد في وقته، وبشر الحافي في وقته، توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وله خمس وثمانون سنة.

(أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي)

280

وقال الإمام محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره معالم التنزيل عند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}: "قال الكلبي، ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد. وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله، بلا كيف، يجب الإيمان به".

وقال رحمه الله تعالى في قوله تعالى{اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي َدُخَانٌ} قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: ارتفع إلى السماء.

وقال في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ}: "الأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد أن الله منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة".

وقال في قوله {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ}: "يعني وهو إله في السموات والأرض، قال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره، وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض".

وقال في قوله {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}: "[في العلم]".

أبو محمد البغوي هذا من كبار الأئمة والفقهاء الشافعية، مصنف شرح السنة، وكتاب التفسير وغير ذلك، شهرته تغني عن التعريف به، توفي رحمه الله سنة خمس عشرة وخمسمائة.

(أبو إسحاق الثعلبي)

281

وقال أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره لهذا الموضع نحوًا من هذا القول.

(أبو الحسن الكرجي)

282

وقال الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك [الكرجي] صاحب شيخ الإسلام في عقيدته المعروفة التي أولها:

محاسن جسمي بدلت بالمعايب ** وشيب [فَوْدي] شيب وصل الحبائب

إلى أن قال:

وأفضل زاد في المعاد عقيدة ** على منهج في الصدق والصبر لاحب

[عقيدة أصحاب الحديث فقد سمت ** بأرباب دين الله أسنى المراتب]

عقائدهم أن الإ له بذاته ** على عرشه مع علمه بالغوائب

وأن استواء الرب يعقل كونه ** ويجهل فيه الكيف جهل الشهارب

من مائتي بيت.

وكان أبو الحسن هذا إمامًا، زاهدًا، شافعي المذهب، معاصرًا للشيخ أبي محمد البغوي وذويه، وهذه القصيدة مشهورة عند الخاصة والعامة في بلاد المشرق.

(عبد القادر الجيلي)

283

وقال الإمام شيخ الإسلام صفوة العارفين، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي الحنبلي، في كتاب الغنية له، الموجود بأيدي الناس: "أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن [يعرف ويتيقن] أن الله واحد أحد". إلى أن قال: "وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}، {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش كما قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، وكونه سبحانه وتعالى على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف".

وذكر كلاما طويلا اختصرته. رحمة الله عليه.

سمعت شيخنا أبا الحسن اليونيني يقول: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام بمصر يقول: ما نعرف أحدًا كراماته متواترة إلا الشيخ عبد القادر، وقد صنف العلماء كتبًا في كراماته وفضائله ومكاشفاته المدهشة، مات سنة إحدى وستين وخمسمائة رضي الله عنه. [13]

هامش

  1. الأعراف 54، يونس 3، الرعد 2، الفرقان59، السجدة 4، الحديد 4
  2. أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات ح689، وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية وابن حجر في الإصابة وعزاه للشيرازي في الألقاب وللطبراني في الكبير وقال: "وعبد الله بن الحسين من شيوخ الطبراني، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء فقال: يقلب الأخبار ويسرقها، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".
  3. قال الذهبي في العلو: "أخرجه الحافظ أبو عبد الله بن منده في كتاب التوحيد، تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة، ويحيى بن العلاء متروك الحديث. وقد رواه إبراهيم بن طهمان عن سماك وإبراهيم ثقة. " والحديث في ضعيف أبي داود 4723
  4. ضعيف الترمذي 3320
  5. ضعيف أبي داود 3892
  6. قال الذهبي في العلو: منقطع
  7. الضعيفة 866
  8. قال ابن كثير في البداية: "عبد الله بن خليفة هذا ليس بذاك المشهور وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه موقوفا ومرسلا ومنهم من يزيد فيه زيادة غريبة"، وقال الشوكاني في فتح القدير: "في إسناده عبد الله بن خليفة وليس بالمشهور وفي سماعه من عمر نظر".
  9. قال ابن العربي في عارضة الأحوذي عن حديث جلوسه ﷺ معه على العرش 6/ 224: "لم يصح". وقال ابن تيمية في درء التعارض: "رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة وهي كلها موضوعة". وتنظر الضعيفة 865
  10. سنن الترمذي كتاب الزكاة ح662
  11. سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن ح3045
  12. ذكرت طبعة هنا قصيدة مقحمة وأن القاضي أبا أحمد العسال (المتوفى 349) نقلها عن ابن غانم المقدسي (المولود 562) ثم كررت قصيدة أبي بكر بن أبي داود.
  13. ذكر عبد الله بن صالح البراك في مقدمة كتاب العلو أن في آخر [النسخة المختصرة من كتاب العرش]: "قال الذهبي: وقد آن أن نقف هنا، فمن انتفع بما سقناه في كتابنا فليحمد الله على الهداية .. ولم أقصد بوضع كتابي التشغيب ولا الحط على علماء الإسلام .. فنسأل الله علما نافعا و يقينا صادقا، وأن يحفظ علينا إيماننا حتى نلقاه به، و صلى الله على النبي وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل."